أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/236.jpg?v=1766066142&w=220&q=100&f=webp

عبداللطيف الضويحي

وزارة الخارجية.. معهد الاستشراق ومعهد الاستغراب

منذ بدء العدوان الصهيوني الغربي على غزة سنة 2023، يشهد العالم توترات ونزاعات مسلحة زادت فيها بؤر الصراع واتسعت في العديد من مناطق العالم، بجانب ما تسبّبت به تلك النزاعات من فوضى غير مسبوقة سادت وتسود العلاقات الدولية، وتعطيل ممنهج للقانون الدولي والشرعية الدولية ومنظمات الأمم المتحدة، الأمر الذي تسبّب بهشاشة وسيولة غير مسبوقة في العلاقات الدولية كثر الحديث معها عن تسارع وتيرة تفكك النظام الدولي وتبلور مؤشرات على ميلاد نظام دولي جديد.

هذه السيولة والهشاشة في العلاقات الدولية أدت إلى تفكيك أو تصدع تحالفات وتكتلات دولية كبرى، منها الحلف الأطلسي والفجوة المتنامية بين ضفتي الأطلسي، كما أدّت في الوقت نفسه إلى بناء وتشكل تحالفات وتكتلات جديدة، منها مجموعة البريكس، ومنظمة شنقهاي، ومجموعة آسيان.

في ظل النشاط الدبلوماسي بين مختلف الدول لاحتواء ما يمكن احتواؤه من أزمات متفاقمة، ومحاولة استعادة الثقة بين مختلف الأطراف نتيجة لهذه التطورات والمستجدات الناجمة عن فوضى العلاقات الدولية، برز دور الدبلوماسية السعودية جلياً من خلال ما سجلته هذه الدبلوماسية من حضور وتأثير إقليمي ودولي انعكاساً لموقع المملكة، ونتيجة لمكانتها التي تبوأتها إقليمياً ودولياً، إضافة إلى تعدّد ومتانة علاقاتها وتشابك مصالحها الدولية، ناهيك عن تأثير المملكة من خلال عضويتها في مجموعة العشرين وقيادتها لمجموعة أوبك بلس والمجموعة العربية والمجموعة الإسلامية، فضلاً عن ثقلها وموقعها في المجموعة الخليجية، وقيادة المملكة للعديد من المبادرات ومنها مؤتمر حل الدولتين الذي يسعى لتثبيت حق الشعب الفلسطيني بدولته المستقلة وعاصمتها القدس.

لكل هذه الاعتبارات، ولما هو متوقع من تعاظم وتوسع للدور السعودي المستقبلي إقليمياً ودولياً، أدعو وزارة الخارجية لدراسة فكرة تأسيس معهد «استشراق» ومعهد «استغراب»، تحت مظلة الوزارة أو بالشراكة مع الجامعات السعودية والقطاع الخاص.

فالمعرفة أداة سيادية من أدوات الدولة، وإنشاء معهد للاستشراق (دراسة الشرق بعيوننا وليس استشراقياً غربياً)، وآخر للاستغراب (دراسة الغرب بعمق مؤسسي) تحت مظلة وزارة الخارجية أو بالشراكة ليس مشروعاً ثقافياً فحسب، بل هو أداة سيادية لصناعة الفهم، وتشكيل السردية المؤثرة، وصياغة النفوذ المعرفي المطلوب.

فالأزمات تسترجع جذورها التاريخية وأبعادها الثقافية والدينية والعرقية والجغرافية، كلما طال أمدها، وهذا يتطلب تسليح الدبلوماسية بالمعرفة الاستشراقية والاستغرابية، وإعداد الدبلوماسيين والسفارات وفقاً لمسارات الدراسات الاستشراقية والاستغرابية. ما يعكس أهمية المعرفة الدقيقة والعميقة، ودعم البعثات بتقارير تحليلية نوعية، وتحليل المخاطر مبكراً، ورصد التحولات الفكرية والسياسية قبل انفجارها، بما يتطلبه من صياغة خطاب دبلوماسي مؤثر مبني على وعي ومعرفة عميقة تتجاوز المواقف السياسية وإنتاج معرفة.

إن الدبلوماسية الاستباقية تتطلب دراسة الفكر الاستشراقي والاستغرابي دون الركون إلى الاستشراق الغربي، مما يمكن من تحليل منظوماته السياسية والاقتصادية، وفهم مراكز التأثير والإعلام، الجامعات، وتفكيك سردياته حول المملكة والمنطقة والعرب والمسلمين، وهو ضرورة لفهم بنية القرار في الغرب والعواصم الغربية، وتوقع التحولات السياسية، والانتخابات، وصعود التيارات من اليمين أو اليسار، وتغير السياسات، كما يسهم في إدارة الصورة الذهنية ورصد الكيفية التي يُبنى فيها الخطاب عن الدولة في الإعلام الغربي، ويعزّز القدرة التفاوضية، كما يسهم في فهم توجهات الأسواق والسياسات التجارية، ويعزّز الرواية الوطنية دولياً.

إن ما يشهده العالم اليوم من تصدعات وتفكك لقواعده ومرجعياته القانونية، وحتى الأخلاقية، مدعاة لتعميق الدراسات في كل الخلفيات التي بنيت عليها كل المنظومة التي أصبحت تتغير وتتصدع ويراد لها أن تتشكل وفق نظام دولي جديد، لا يمكن أن تكون فيه المعرفة الاستشراقية والمعرفة الاستغرابية ترفاً، لكنها حتماً ستكون منتجاً ضرورياً للفهم والتفاوض، وأداة فاعلة لنفوذ الدولة ودبلوماسيتها.

00:00 | 17-02-2026

تمكين المعلمين وتشجيعهم لتملّك أسهم الكيانات التعليمية الخاصة..

امتداداً لموضوع مقالتي الأسبوع الماضي، أؤكد على أهمية إعادة تعريف دور «المعلم» و«المعلمة» ومهنة «التعليم»، وذلك من منظور تنموي وليس منظوراً تعليمياً أو تربوياً، وبما ينسجم مع المتغيّرات الكمية والنوعية التي شهدها ولا يزال يشهدها قطاع التعليم، أسوةً بالتغييرات التي تشهدها مختلف قطاعات التنمية.

لا يستقيم أن تتغيّر عناصر العملية التعليمية، ويعاد تعريفها تنموياً، بينما تبقى مهنة «المعلم» «المعلمة» منكفئة على نفسها وفقاً للمفهوم التعليمي التاريخي فحسب. هناك ثلاثة تحوّلات شهدتها وتشهدها وزارة التعليم: تحوّلات رقمية، وتحوّلات مؤسسية، وتحوّلات تعليمية، ومن بينها أو من نتائجها التحوّلات التي تقتضيها الإستراتيجية الوطنية للتخصيص أو الخصخصة، وهو المطلب الذي تعمل من خلاله وزارة التعليم على إعادة هندسة دورها من مشغّل مباشر إلى منظّم ومُمكّن ورقيب للجودة بما ينسجم مع رؤية السعودية 2030 وبرنامج التحوّل الوطني، وذلك من خلال إشراك القطاع الخاص والقطاع غير الربحي في تشغيل وتقديم بعض خدمات التعليم وذلك لرفع الكفاءة والجودة وتخفيف العبء التشغيلي عن الدولة، وتمكين رأس المال البشري التعليمي من لعب أدوار نوعية جديدة. قد لا تطبّق الخصخصة دفعة واحدة، ولا تشمل كافة القطاعات، فهي تشمل الخدمات المساندة ومنها النقل المدرسي والتغذية والصيانة والتشغيل والأمن والنظافة. وقد تشمل لاحقاً التشغيل التعليمي الجزئي مع الإبقاء على المنهج والإشراف والتقويم بيد المؤسسة الرسمية. من هنا نفهم أن التخصيص هو إعادة توجيه وإعادة تأهيل وتغيير أدوار.

من هنا قد يكون الوقت مناسباً، وسانحاً لدراسة العلاقة الصحية المطلوب تأسيسها وتنميتها بين المعلم وملكية المؤسسات التعليمية الأهلية. من المهم التفكير الجدي في تمكين رأس المال البشري التعليمي وعلى رأسهم المعلمون والمعلمات من تملّك أسهم وشراكات جماعية في كيانات تعليمية (مدارس، منصات، مراكز، و معاهد) شريك أو مساهم ومن خلال الاستثمار التعليمي التشاركي لرفع كفاءة الاستثمار التعليمي، والدخول في نماذج تمليك وحامل أسهم أو إدارة وتأسيس شركات تشغيل تعليمية، وذلك حتى لا نفقد روح التعليم، ولكي نُمكّن الإنسان لا أن نستبدله!

هذا التوجّه يتطلب برنامجاً لتمكين المعلمين والمعلمات وكافة العاملين في المهن التربوية وشبه التربوية لتملّك كيانات تعليمية في القطاع الخاص، وذلك لتحقيق التمكين الاقتصادي: فتح فرص للمعلمين والمعلمات للاستثمار في قطاع التعليم من خلال تملّك أسهم في مدارس جديدة، ورفع جودة التعليم: أي ربط المكافآت والمنافع المالية بأداء المدارس وتحسين النتائج التعليمية، ودعم ريادة الأعمال التعليمية: أي تشجيع إنشاء مدارس خاصة نوعية مبتكرة جديدة، بجانب الاستقرار الوظيفي والاستثماري: أي إضفاء عنصر استقرار مالي طويل المدى للمعلمين الجدد في بداية مسيرتهم المهنية والخريجين الحاصلين على مؤهلات تربوية معتمدة، والمتميّزين في الأداء التعليمي، وذوي الخبرة الطويلة في مجالاتهم.

من نافلة القول، أن يتم إنشاء صندوق استثماري حكومي لشراء و إصدار الأسهم والتقييم المالي للمشاريع وإدارة هيكل الملكية، وضمان حقوق المستثمرين من المعلمين بحيث يفتح باب التسجيل سنوياً عبر منصة، وأن يتم توزع أرباح سنوية على المشاركين بناءً على أداء المدرسة، وتبقى حصة الصندوق لضمان الاستدامة. ويمكن إيجاد حوافز إضافية للمعلمين المساهمين من خلال خصم دراسي لأطفال المساهمين في المدارس التابعة. ومنح تدريب احترافي سنوي مدعومة حكومياً ومشاركة المساهمين في لجان تخطيط المدرسة.

00:09 | 10-02-2026

وزارة التعليم.. لماذا لا يكون المعلم مستثمراً وشريكاً ومشغِّلاً ؟

يمكنني الزعم أن أكبر منجم لرأس المال البشري هو قطاع التعليم كمياً ونوعياً ممثلاً بمختلف المجالات العلمية والتربوية والإدارية والفنية، من هنا لا بد من أن نتوقف عند التحولات الثلاثة الكبرى التي تشهدها وزارة التعليم: وهي التحولات التعليمية، والتحولات المؤسسية، والتحولات الرقمية، وذلك تحقيقاً لرؤية المملكة 2030، ومواكبة للمرحلة ومتطلباتها المهنية والتنافسية الاقتصادية. ولأن التحولات الكبرى عادةً ما يكون لها ثمن، فهل تحتاج وزارة التعليم تحولاً رابعاً يعيد تمكين وتموضع المتأثرين بالتحولات الثلاثة؟

في لقائنا يوم أمس مع وزير التعليم يوسف البنيان، وقيادات التعليم على طاولة مستديرة وثلة من الكُتاب والإعلاميين، تبين العمق الذي وصله تفكيك العملية التعليمية التقليدية واتساع الأفق الذي تم رسمه للتحولات التعليمية والمؤسسية والرقمية وصلابة القواعد المؤسسية التي تتم عليها إعادة بناء العملية التعليمية وغاياتها.

فتطوير المناهج وفق منهجية مؤسسية وطنية تستند إلى البحث والبيانات، وبما يوازن بين القيم والثوابت الوطنية وأفضل الممارسات العالمية، وبالمواءمة في المحتوى التعليمي مع متطلبات التنمية وسوق العمل، وتعزيز المهارات المستقبلية.

تمكين المعلم من خلال برامج تطوير مهنية نوعية مستمرة مع تناغم وانسجام بين برامج التدريب والمناهج المطوّرة وأساليب التعليم الحديثة، جنباً إلى جنب رفع كفاءة المعلمين في التخصص، والتقويم، وتوظيف التقنيات التعليمية داخل الصف. وتعزيز التكامل بين المعهد والجهات التعليمية لضمان استدامة الأثر وتحسين نواتج التعلم.

البيئة التعليمية هي الأخرى يتم تطويرها بالتخادم مع التعلم النشط، والابتكار، وتحسين تجربة الطالب، بما يضمن توحيد الجهود بين الجهات المعنية وتقليل الازدواجية ورفع كفاءة المنتج.

الركيزة الرابعة هي حوكمة الأداء كإطار ينتظم وضوح الأدوار وقياس الأثر وربط المبادرات التعليمية بمؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس وتعزيز المتابعة والتقييم المبني على البيانات.

ما تحدَّث به الوزير، وقيادات التعليم: وكيل الوزارة للتخطيط الدكتور سعد الغامدي، والرئيس التنفيذي لشركة تطوير القابضة المهندس متعب الشهراني، والرئيس التنفيذي للمركز الوطني للمناهج الدكتور عبدالرحمن الرويلي، ومدير عام المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي الأستاذ عبدالله العودة، أضفى القناعة بأن البيات الإعلامي لوزارة التعليم ومسؤوليها خلال الفترة الماضية كان مبرراً قياساً بحجم الإنجازات التي تم الكشف عنها في اللقاء، وتم تحقيقها في لقاء الطاولة المستديرة.

نسبةً إلى حجم التحولات الثلاثة التي تشهدها وزارة التعليم، وقياساً بحجم ونوع رأس المال البشري الذي تمتلكه كأصول صلبة لا تقل ولا تختلف عن رأس المال المالي، وتحسباً لتأثير الاستغناء المتوقع عن بعض الكوادر، أسوق مقترحاً يجمع ما بين البعد الاقتصادي والاجتماعي لكي يستمر قطاع التعليم ملاذاً آمناً لكل من ألفوا هذه الحاضنة، وآمنوا بمهنة التعليم، وأدركوا أنه القاطرة التي تقود التنمية، أن تتبنى وزارة التعليم برنامجاً وطنياً للاستثمار الجماعي، وتحويل الموظفين المتأثرين من تربويين وإداريين وفنيين إلى شركاء في اقتصاد التعليم الجديد، والانخراط بالشراكات التعليمية الاستثمارية الجماعية سواء في المدارس الخاصة أو المؤسسات التعليمية المساندة والخدمات التعليمية غير المباشرة، هذه تجربة تشاركية ضرورية لتمكين المعلمين والإداريين والفنيين من المساهمة بحصص ملكية وإدارة وتشغيل كيانات تعليمية والاستفادة من عوائد تشغيلية مستدامة، بدلاً من أن يكون الفرد من هؤلاء ضحيةً للتحول، سيصبح جزءاً من منظومة إدارة وقيادة التحول. مع التأكيد على أهمية تأسيس صندوق تمويل للتعليم لمن يحتاج ويضطر للتمويل. هنا يصبح التعليم اقتصاداً وليس موازنة. إن التحول ليس مشكلة إذا تمت إدارته اقتصادياً بعين اجتماعية، كما أن التحول يجب أن يستنفد كل سبل إعادة التمكين والتموضع قبل الاضطرار للاستغناء عن بعض العاملين، كما أن الانتقال من نموذج حكومي تقليدي إلى نموذج يعمل بكفاءة يتطلب دائماً التفكير خارج الصندوق وفتح نوافذ وأبواب الابتكار.

إن رأس المال البشري في قطاع التعليم ليس فائضاً وظيفياً كما قد تُظهره الجداول الرقمية، بل هو ذاكرة التعليم، وحضارة سادت لعصور، وعموده التشغيلي. وإن إغفال هذه الحقيقة لا يهدد الأفراد لكنه يهدد جودة التحول نفسه. من هنا أرى أن تمكين قطاع التعليم يحتاج إلى نوع رابع من التحول، بجانب التحولات الثلاثة، وهو التمكين المهني والوظيفي والمالي للمعلمين وبقية رأس المال البشري في قطاع التعليم، وهو تحول لا يقل أهمية وضرورة عن التحول التعليمي والمؤسسي والرقمي.

00:03 | 3-02-2026

القطبية السعودية الإقليمية للأمن والاستقرار والازدهار..

لو أردنا أن نصف التوقيت الدولي الحالي بصفة تُجمّل المشهد الدولي لوصفناها بـ «التحوّلات الكبرى». ومن نتائج - وربما أسباب- هذه التحوّلات هي التحالفات.

فإذا تفكك حلف شمال الأطلسي الناتو، على سبيل المثال، بعد ما يقارب سبعة عقود، وهذا احتمال وارد وقائم، فلن يكون حدثاً عسكرياً فقط، ولن يكون محصوراً في الجغرافيا الأطلسية فحسب، بل سيكون بركاناً سياسياً عالمياً تاريخياً. وأكثر المتأثرين به سلباً وإيجاباً منطقتنا العربية، ما يعني إعادة كتابة منطق جديد للتحالفات الإقليمية والدولية من جذوره، وهو يعني كذلك أن تستثمر دولنا العربية الوازنة في هذه المحطة الزمنية الفارقة وما بعدها..

قام الناتو على فكرة مركزية وهي تهديد واحد، رد جماعي واحد. ومع تصدّع هذه الفكرة، سينتقل العالم من تحالفات قائمة على الجغرافيا السياسية، إلى تحالفات أكثر براغماتية، ومرونة.

إن تفكك الناتو يعني تآكل مفهوم المعسكر الواحد، بالتأكيد لن تختفي التحالفات، لكنها ستتحوّل إلى تكتلات سائلة، تحالفات أمنية، شراكات اقتصادية عابرة للقارات، اصطفافات تقنية وطاقة وموارد.

إن وجود الناتو جعل كثيراً من الدول تتحرك تحت مظلة وسقف شبه جاهز. أما بعد تفككه أو بقائه مهلهلاً، ستجد كثيراً من الدول نفسها أمام فرصة أو عبء المرحلة.

السياق الجيوسياسي يعلمنا أن منطقتنا العربية وجوارها الآسيوي والأفريقي قادمة لتصدّر المشهد المقبل بعد تراجع المشهد الأوروبي، ومن المؤكد أن هذا يتطلب أن يعمّ السلام والأمن والتنمية والاستقرار والازدهار.

تبنّت السياسة السعودية السلام والأمن والاستقرار منذ زمن بعيد، وجعلته برنامجاً في سياستها الخارجية، وقد برهنت عليه الدبلوماسية السعودية من خلال حملتها العالمية للاعتراف بدولة فلسطين، مروراً بمنصة جدة للسلام في السودان، ومساعيها التي أثمرت إعادة السوريين إلى سوريا، و سوريا إلى حضنها العربي، وصولاً إلى حملة المملكة لبسط الأمن والسلام في اليمن وقوفها سداً منيعاً ضد تقسيم الدول العربية وضد المليشيات المستنزفة للدولة العربية.

إن أداء المملكة وإدارتها للملفات الإقليمية يعد ترجمة فعلية وواقعية لسياستها الخارجية القائمة على التعامل مع الحكومات الشرعية للدول وليس التدخل في شؤون الدول من خلال دعم الحركات الانفصالية والمليشيات الإجرامية.

إن المدرسة السياسية التي تتبناها المملكة في نهجها الإقليمي والدولي ليست طارئة، ولا هي عبثية تخريبية.

إن موقع المملكة ومكانتها الجغرافية والإسلامية والقومية، وريادة المملكة في الطاقة والتنمية والاقتصاد والرقمية والذكاء الاصطناعي، يجعل المملكة في مكانة متقدّمة بين الأصدقاء من الدول والشعوب، وهو ما يجعل المملكة في مركز القرار الإقليمي الأهم، لكن كل ذلك لم يحل دون ريادة المملكة واحترافية قيادتها لتقديم نموذج فريد إدارياً و دبلوماسياً لملفات المنطقة.

تؤمن المملكة بحق شعوب المنطقة ودولها أن تتشارك معها الأمن والسلام والاستقرار والتنمية والازدهار، والتصدي للمشروعات الخفية الخبيثة في المنطقة، وهذا هو السبيل لنهوض الأمة العربية والشعوب المسلمة للاستفادة من التحوّلات الكبرى في العالم والتموضع مبكراً في المكان والمكانة التي تليق بنا ونستحقها.

23:55 | 26-01-2026

مأسسة الفوضى وتجارة المظلوميات..!

فصل جديد بدأت تتجلى ملامحه في المنطقة من خلال كشف أدعياء الحقوق وتُجّار المظلوميات عبر دكاكين الارتزاق في بعض دول المنطقة. ففي سوريا يسدل الستار على «قسد»، وفي اليمن يسدل الستار على «الانتقالي». لا أحد يقلل من الحقوق، لكن حجم الفظاعات الإنسانية التي تم ارتكابها في هذين البلدين، قادت وكشفت حجم الاصطفاف وراء أجندات خارجية وحجم الإثراء من اقتصاد الحروب الذي تحققه بعض الزعامات على حساب الفئات التي تتم المتاجرة بحقوقهم ومظلومياتهم.

المليشيات وتجارة الحقوق ودكاكين الارتزاق ثلاثية تتغذى بعضها من بعض، وتعمل كمنظومة واحدة في مناطق النزاع. فخلال سنوات ما بعد ما يعرف بالربيع العربي، ابتليت بعض الدول العربية بواجهات سياسية وعناوين فصائلية وزعامات حوّلت المطالب المحقّة إلى دكاكين للارتزاق والمتاجرة بحقوق الأقليات ومظلوميات بعض الفئات، فاختلط الحق العام بالإثراء الشخصي والشأن الداخلي بالأجندات الخارجية، وكل ذلك مدعوم بالمنصات الإعلامية الرقمية والكم الهائل من النشر والبث في شبكات التواصل الاجتماعي لسرديات أدعياء الحقوق وتجار المظلوميات السياسية والطائفية والعرقية والمناطقية الجغرافية، التي يتم المتاجرة بها في الغالب لتحقيق مصالح شخصية وأجندات خارجية.

لقد أثبتت الحكومة السورية الجديدة أنها الأحرص على حقوق الأكراد السوريين وليست «قسد»، فتجسّد ذلك من خلال القرارات الرئاسية، التي أعطت للمكوّن الكردي السوري حقوقه الثقافية، مثلما القيادات اليمنية الجنوبية أثبتت أنها الأحرص على حقوق الجنوب اليمني والجنوبيين، وليس عيدروس الزبيدي من خلال مشروعه، الذي أخذ القضية الجنوبية وانحرف بها عن مسارها، فأساء لحقوق الجنوبيين وتاجر بمظلوميتهم لتحقيق مصالحه الشخصية جنباً إلى جنب أجندات خارجية تمول مشروعه وتمده بالسلاح والخدمات اللوجستية.

لقد عمل عيدروس الزبيدي خلال السنوات الماضية على مأسسة العنف والفوضى والفساد في الجنوب اليمني من خلال مشروعه، لتمكين مشروعه المزعزع لأمن واستقرار اليمن والجزيرة العربية والإقليم. فقد صدم الرأي العام والمهتمون بالشأن اليمني بمشروع الزبيدي المليشياوي، فقد أثبت أن هذا المشروع لا يختلف عن بقية المشروعات الإرهابية لداعش وأخواتها في المتاجرة بحقوق الجنوبيين ومظلوميتهم لتوسيع مشروعه وفرضه على الجنوب والمنطقة وصولاً إلى السودان والصومال والقرن الأفريقي.

لقد أدرك العالم أجمع ودول الإقليم خاصة، أهمية توقيت التحرك السعودي لإجهاض مشروع الزبيدي، مثلما أدرك العالم والإقليم الحكمة والأناة والصبر والنفس الطويل الذي تمتعت به القيادة في المملكة خلال الفترة الماضية، فلكل مرحلة أدواتها وأساليب علاجها.

23:45 | 19-01-2026

الأزمة اليمنية وخوارزميات المشروع الاستعماري ..!

يمكن قراءة وتفسير ما يشهده ويعيشه العالم من نزاعات واضطرابات في مختلف مناطق العالم وتجاوزات غير مسبوقة للقانون الدولي والمؤسسات الدولية بأنه يعني احتضار النظام العالمي في استماتته للدفاع عن آخر حصونه الرأسمالية وقلاعه ومتاريسه الإمبريالية التي بناها مع نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي بلغ توحشها مداه مع سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة مطلع التسعينات من القرن الماضي، وصولاً للمرحلة التي يعيشها العالم هذه الأيام.

هناك من يقرأ أحداث العالم إقليمياً، ومن خلال محركات إقليمية للنزاعات الإقليمية تبعاً للقوى والموارد والصراعات في كل إقليم على حدة. هنا تكون قراءة المشهد في القارتين الأمريكيتين بمعزل عما تشهده القارة الأوروبية، أو ما تشهده منطقة أقصى الشرق، أو ما تشهده منطقتنا العربية الآسيوية والأفريقية. ففي كل إقليم من أقاليم العالم محركات إقليمية تشعل الحرائق والنزاعات تبعاً للمصالح الإقليمية والأخطار في ذات الإقليم بصرف النظر عن المؤثرات الدولية. وهذا ما يفسر اعتراف الكيان الاستعماري النازي في تل أبيب باستقلال أحد أقاليم دولة الصومال، وهي ذاتها التي أماطت الغموض عن استمرار الحرب العبثية الرامية لتقسيم السودان أو ليبيا، وهي ذاتها التي فضحت حلفاء الكيان في سوريا، مثل مليشيات قسد، ومليشيات الهجري في السويداء، وهو ذات المشروع الاستعماري الذي ضرب مؤخراً اليمن في جنوبه.

لكن هناك من يرى أن القراءتين السابقتين تتكاملان وتعملان سوية إقليمياً وعالمياً عند إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي صدرت مؤخراً، والتي أعادت تعريف موقع الولايات المتحدة الأمريكية أمنياً، وعسكرياً، واقتصادياً في العالم وفقاً لتنامي قوى عالمية منافسة، حيث حددت الإستراتيجية، وفقاً لذلك خارطة المصالح الأمريكية في العالم، وكان اللافت أنها تجاوزت مشروع العولمة؛ لأنه لا يحقق المصالح الأمريكية، حيث سبقتها تسونامي الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي على كثير من دول العالم، كما أن الإستراتيجية أعادت النظر بالالتزامات الأمريكية وتحالفاتها الدولية، وكان أبرز المتضررين هنا هو الاتحاد الأوروبي الذي يعيش أسوأ حالاته ومراحله، نتيجة لتغيّر أولويات الولايات المتحدة. كما فعّلت هذه الإستراتيجية على ما يبدو مبدأ مونرو، الذي يمنع أي قوة تسعى لأن تكتسب نفوذاً في نصف الكرة الغربي والمجال الأمريكي، وهو ما يقرؤه بعض المحللين في فهم الاعتداء الأمريكي الأخير على فنزويلا.

من أبرز وأحدث جبهات الصراع التي قفزت إلى الواجهة هي الأزمة اليمنية. وهي قضية ملحّة ومهمة لليمن وللأمن القومي العربي والملاحة البحرية في البحر الأحمر وبحر العرب وبحر عدن، وكان يجب أن يأتلف الإخوة اليمنيون ويصلون إلى حل لهذه الإزمة التي عانى منها الشعب اليمني في شماله وجنوبه.

لقد بذلت المملكة العربية السعودية جهوداً كثيرة ومتعدّدة في سبيل وضع حد لهذه الأزمة التي طال أمدها، وتفاقمت آثارها، ولا تزال تعمل بكل إخلاص على رعاية كل ما يؤدي لإنهائها. ومن المؤكد أن تبقى المملكة وفيّة ومخلصة لكل ما يحقّق أمن وسيادة واستقرار اليمن وازدهاره، وهو ما ينسجم ويلتقي مع أمن المملكة واعتباره خطاً أحمر.

اليمنيون هم من يقرّر مصير اليمن ولا أحد يتدخل في خياراتهم، وقد يكون مؤتمر الرياض للأشقاء اليمنيين فرصة ذهبية للفرقاء اليمنيين في هذه المرحلة التاريخية التي توقفت فيها مفاعيل القرارات الأممية وانتهى فيها دور القانون الدولي والمؤسسات الدولية، ويعيش فيها اليمن مفترق طرق خطرة، ما يتطلب درجة عالية من اليقظة والحذر من المشروع الاستعماري في المنطقة، الذي يقوم على تجزئة وتقسيم الدول العربية، وتهجير الشعب الفلسطيني إلى الدول المجزأة المنتظرة، واليمن أحد مستهدفات المشروع الاستعماريحسب المعطيات المتوفرة.

إن ما يقوم به الكيان الاستعماري في تل أبيب من افتعال حروب وأزمات في سوريا، والسودان، وليبيا، واليمن يؤكد أنه يستشعر الخطر القادم من الممولين له ورعاته في الغرب. فالأوروبيون عاجزون عن تمويل أنفسهم ويعيشون أزمة اقتصادية خانقة، ومنها عجزهم عن تمويل حربهم في أوكرانيا، ويعانون انقساماً حول مشروع السطو على أموال روسيا في البنوك الأوروربية.

أما الأمريكيون فقد أعلنوا من خلال إستراتيجية الأمن القومي بأنهم في حلٍ من التزاماتهم الدولية، وهذا يعني ضمنياً وقف دعم «الكيان» في تل أبيب، ربما على المدى المتوسط والبعيد، ناهيك عن الصورة الإجرامية القبيحة لإسرائيل في العالم، التي ربما جعلت نهايته قريبة رغم كل ما يتمتع به في الوقت الراهن، وهذا ما يفسر سلوك هذا الكيان في غاراته وهجماته هنا وهناك من منطقتنا في ذعر وهستيريا، بحثاً عن أمنٍ لا يستطيع أن ينعم به المجرم حتى لو امتلك أحدث السلاح وأقوى فيتو في مجلس الأمن.

00:08 | 6-01-2026

قانون تجريم الاستعمار.. بدأته الجزائر فهل تتبناه فلسطين ؟

أقرّ البرلمان الجزائري، الأسبوع الماضي، قانون تجريم استعمار فرنسا للجزائر الممتد ما بين عامَي (1830 - 1962)، ويعد قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر الاحتلال بأنه «جريمة دولة»، ويطالب فرنسا بتقديم اعتراف واعتذار رسمي، ويحمِّلها المسؤولية القانونية عن الفظاعات التي اقترفها الاستعمار الفرنسي والمآسي التي تسبّب بها، كما يأتي على الجرائم غير القابلة للتقادم، التي منها الإعدام خارج القانون، والإبادات الجماعية، والتعذيب، والاغتصاب، والترحيل، والتجارب النووية، ونهب ثروات الجزائر، مؤكّداً أن التعويض الشامل عن الأضرار المادية والمعنوية «حق ثابت للدولة والشعب الجزائري».

جاء يوم حساب المستعمرين وأصبح للاستعمار كلفة بالغة، إذا ما نجحت الجزائر بالدفع بقرارها وفرضه ضمن سياستها الخارجية، فالتقديرات الجزائرية تشير إلى أن جرائم الاستعمار أودت بحياة ما لا يقل عن 1.5 مليون شهيد، وفرنسا لا تزال ترفض تحمّل المسؤوليّة، رغم أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أقرّ مسبقاً بأن استعمار فرنسا للجزائر كان «جريمة ضد الإنسانية» لكنه لم يقدّم اعتذاراً.

رغم التساؤلات حول سبب تأخر هذا القرار، الذي تأجل مراراً، إلا أن التوقيت الجزائري والإقليمي والعالمي لهذا القرار يجعله بالغ الأهمية. فهذا القرار يدشّن مرحلة جديدة لتفكيك منظومة الاستعمار الأوروبي، كما يفكك ثقافة منظومة قبول الاستعمار، فمن المنتظر والمتوقع أن يُلهم قرار الجزائر كثيراً من الدول لتحذو حذو الجزائر لتصفية الاستعمار المباشر وغير المباشر وتحميل المستعمرين تكلفة جرائمهم.

تأتي أهمية توقيت القرار الجزائري؛ لأن العالم اليوم يعيش بلا قانون وتحكمه فوضى عارمة، بسبب أو نتيجة للمرحلة الانتقالية والتحوّلية ما بين نظامَين عالميَّين: نظام قطب واحد ينحسر ويتهاوى ويتداعى ويتشظى، ونظام تعددي جديد يتشكّل وينمو وتتسع قاعدته. نظام رأسمالي غربي يعاني من جفاف أخلاقي وشح في الموارد ويترنّح اقتصادياً، تجعل الفجوة تتسع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مقابل نظام عالمي أكثر عدلاً ولا يتعامل إلا بعملات أعضائه (منظمة شنقهاي) (مجموعة بريكس).

لعل دولة فلسطين والشعب الفلسطيني أكثر وأهم المستفيدين من توقيت القرار الجزائري بتجريم الاستعمار؛ لأن المتورط الأول والأبرز في معاناة الشعب الفلسطيني وكل الجرائم التي عانى ولا يزال يعاني منها الشعب الفلسطيني هي بريطانيا. صحيح أن الولايات المتحدة هي الداعم السياسي والعسكري والاقتصادي الأول للكيان الاستعماري في تل أبيب، وصحيح أن هناك العديد من العواصم الأوروبية المتورطة بدعم تل أبيب، لكن المسؤولية القانونية والأخلاقية الأولى والأبرز تقع على بريطانيا، التي لم تدفع حتى الآن تكلفة ما اقترفته من فظاعات في فلسطين والعديد من دول العالم.

يجب أن تتلقف القوى الفلسطينية الحية القرار الجزائري والبناء عليه باتخاذ قرار فلسطيني يجرّم الاستعمار البريطاني، ويطالبها بالاعتراف والاعتذار للشعب الفلسطيني عن الفظاعات التي ارتكبها الاستعمار البريطاني، وصولاً إلى الحملات القمعية التي تقوم بها الأجهزة البريطانية القمعية ضد البريطانيين الذين يتظاهرون ضد الإبادة الجماعية والتجويع التي يقوم بها الكيان الغاصب في تل أبيب وداعموه المستعمرون الغربيون.

لقد حان الوقت بأن تحذو جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والمنظمات الحية حذو الجزائر بقرارها المهم بتجريم الاستعمار وفتح ملف الاستعمار على مصراعيه ومطالبة جميع المستعمرين بالاعتراف والاعتذار ودفع التعويضات خاصة بريطانيا في فلسطين.

00:01 | 30-12-2025

الابتكار وحوكمة سوق العمل أو انقراض اللغة العربية..

ما تحقّق للغة العربية من انتشار وتأثير في العالم هو نتيجة لأسباب دينية وتجارية وثقافية تاريخية، لا علاقة لها بالمؤسسات المختصة المعاصرة إلا فيما ندر. ما يقتضي مراجعة سياسات وإجراءات تلك المؤسسات انسجاماً مع متغيّرات قواعد اللعبة.

أغلب ما يبذل من جهد مؤسساتي أو فردي لخدمة اللغة العربية في الوقت الراهن، لا يخرج عن النظرة التراثية والمتحفيّة التقليدية الضيقة للغة العربية، والمبنية على أن اللغة العربية كائن شعري رومانسي يرمز له بمعلقات الشعر الجاهلي والمتنبي وجرير والفرزدق والأخطل وبعض الإبداعات العربية التاريخية مكتوبةً ومخطوطةً أو منقوشةً على الجدران واللوحات بخط الرقعة والنسخ أو الكوفي أو من خلال الشاشات داخل مبنى متحف محصن ومعزول عن المجتمع والحياة والشمس والهواء والتفاعل.

هذه الجهود -على أهميتها- لا بد أن ترى من زاوية أوسع لاستغلال الفضاء الإلكتروني وابتكار أدوات جديدة ومنهجيات عصرية للخروج باللغة العربية من المتحف إلى الشارع والمدرسة والسوق والمصنع والبنك والمجتمع.

لم توظف اللغة العربية في السياحة التي تعيشها كثير من البلدان العربية، ولم توظف العربية في المشروعات الاستثمارية العملاقة والمتعددة في بلادنا ولم توظف اللغة العربية في الإعلام الرياضي أو الإعلام التنموي والمالي والإعلام الغذائي والدوائي، ناهيك عن الغياب المطلق عن المؤتمرات والندوات التي تعقد لدينا أو نشارك بها في العالم، وكذلك الغياب عن إعلام المشاهير والتواصل الاجتماعي.

اللغة العربية بحاجة إلى الحماية كونها هوية وثقافة، لكن اللغة العربية بحاجة أكثر للدخول للابتكار والاستثمار، لا بد من التعامل مع اللغة العربية كأصل اقتصادي وأداة إنتاج ولغة سوق ولا بد من ربط مشروعات اللغة العربية بمؤشرات النمو ومؤشرات التوظيف والابتكار والتنافسية.

لكن الابتكار اللغوي لا يمكن أن ينجح إذا لم يقترن بمردود مهني ومادي، وهذا يعني أن تصبح العربية لغة تشغيل مؤسسي، بما يعنيه ذلك من بنية تحتية وأنظمة مراسلات داخلية وخارجية ذكية باللغة العربية ونماذج عقود بالعربية المبسطة ولوائح داخلية بلغة عربية واضحة وتبسيط مستديم للغة العربية الإدارية وتحويلها إلى لغة عملية مباشرة غير متكلّفة.

من هنا، تبرز الحاجة إلى مختبرات لغوية مؤسسية (Language Innovation Labs) داخل الوزارات والشركات الكبرى وصولاً لابتكار مصطلحات جديدة واختبار لغة المستخدم. هناك حاجة لمواءمة اللغة العربية مع التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي والخدمات الذكية مرجعية علمية مركزية للتقعيد والتحديث.

إن الحاجة اليوم تقتضي حضور الابتكار اللغوي في السوق والاقتصاد، ناهيك عن اتخاذ العربية ميزة تنافسية تجارية وتطوير علامات تجارية بأسماء عربية ذكية، مثلما أن الضرورة تقتضي تحسين لغة الإعلانات ووصف المنتجات وتجربة العميل وتحويل وتمكين العربية لتصبح عنصر ثقة وهوية محلية.

لا بد من تحفيز ريادة الأعمال اللغوية، من خلال دعم شركات تقنية لغوية (LanguageTech وتطبيقات تعلم العربية وأدوات كتابة وتصحيح ذكية وحاضنات أعمال متخصصة في المحتوى العربي، بجانب الابتكار الرقمي والتقني والاستثمار في معالجة اللغة العربية والمساعدات الصوتية العربية الترجمة الآلية بجودة عالية ودعم البيانات العربية المفتوحة مع شريك عالمي داعم للغات في العصر الرقمي مثل اليونسكو.

لا يمكن أغفال الابتكار في المحتوى الرقمي من خلال تشجيع البودكاست العربي والفيديو القصير والسرد التفاعلي، وهذا يستحسن استخدام العربية بأساليب معاصرة شبابية غير متكلّفة، وأن يشمل الابتكار المجتمعي والتعليمي كذلك بحيث يكون تعليم العربية بطريقة مبتكرة، ومنها مشاريع تطبيقية وكتابة محتوى مناظرات محاكاة إعلامية وتمكين الشباب كمبتكرين لغويين بالمسابقات مثل ابتكار المصطلحات والكتابة الرقمية والمحتوى الإبداعي ودعم المؤثرين الذين يستخدمون العربية بجودة عالية.

كما أن الركيزة الثانية الكفيلة بإخراج اللغة العربية من متحف الرومانسي للمؤسسات المعنية باللغة العربية هي الحوكمة والسياسات الداعمة بما يشتمل عليه ذلك من تشريعات تشجع الابتكار اللغوي وحوافز ضريبية للشركات المنتجة للمحتوى العربي وأولوية في العقود الحكومية للمحتوى العربي المبتكر جوائز وطنية للابتكار اللغوي.

اللغة العربية تزدهر حين تدخل السوق، وتُدرَّس بالمتعة، وتُستخدم في التقنية، وتُكافأ بالفرص.

لعل ذلك يتطلب إطاراً مؤسسياً يشمل ربما جهة مستقلة تُنسّق بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص، والتعليم، والإعلام، بالإضافة إلى مرجعية عربية مشتركة عبر إحدى مؤسسات جامعة الدول العربية لتوحيد المعايير والمصطلحات المهنية، بالإضافة لوحدات لغوية داخل الوزارات والهيئات تضمن الالتزام بالتطبيق اليومي، فالعربية لغة العمل الأساسية في العقود، الموارد البشرية، والمراسلات الداخلية مع السماح اللغات الأخرى عند الحاجة التشغيلية، دون إقصاء العربية، كما أن سياسات مشتريات حكومية لا بد أن تشترط دعم العربية في الأنظمة التقنية والبرمجيات، وكذلك معايير التوظيف لا بد أن تتطلب كفاءة لغوية مهنية بالعربية للوظائف الإدارية والقيادية.

أما الحوكمة داخل سوق العمل فتقتضي حوكمة الشركات، وذلك بإدراج الالتزام بالعربية ضمن مؤشرات ESG والحوكمة، واستخدام الحوافز بدل العقوبات مثل مزايا ضريبية/تصنيفية للشركات الملتزمة ونماذج تشغيل ثنائية اللغة العربية لغة أصلية، واللغة الأجنبية داعمة (لا بديلة).

00:04 | 23-12-2025

فلسطين وأوكرانيا.. تعدّدت الأزمات والحل واحد!

تتعقّد الأزمات وتستعصي على الحلول عندما يتم التعامل مع كل أزمة بمفردها، وبمعزل عمّا سواها من أزمات لها ربما ذات الجذور ويقف وراءها ذات المتسببين حتى لو اختلفت الظروف.

الأوروبيون هم المتسببون بأزمة فلسطين والأزمة الأوكرانية وهم المتسببون بالكثير من أزمات العالم. والأوروبيون لا يزالون يقفون وراء معاناة الفلسطينيين وهم من لا يزالون يقفون وراء معاناة الأوكرانيين. الأوروبيون يرمون بأزماتهم تاريخياً على الآخرين، ظناً منهم أنهم نجحوا بالتخلص من الأزمة وكعقيدة سياسية لديهم وهي إشغال جيرانهم وإغراقهم بمشكلات لا تنتهي، ليعيش الأوروبيون وأوروبا بأمن وسلام، وليحترق بعد ذلك العالم. ليس مهماً ما يعانيه الشعب الفلسطيني أو الشعب الأوكراني، طالما أن الأول يخلّص أوروبا من اليهود والثاني يشاغل الروس ويستنزفهم!

ما يعانيه الشعب الفلسطيني والشعب الأوكراني والعديد من شعوب العالم هو في الأصل نتيجة مباشرة لعدم محاسبة الأوروبيين عما تسبّبوا به إبان الحقبة الاستعمارية لتلك الشعوب والدول وما ارتكبوه بحقهم من فظاعات يندى لها الجبين، ونتيجة طبيعية لعدم إلزام المجتمع الدولي للمستعمرين الأوروبيين بالاعتراف بمسؤوليتهم عن كل الفظاعات التي ارتكبوها وإلزامهم بدفع تعويضات عن كل ما تعرّضت له تلك الشعوب المنكوبة ولا تزال تعانيه إلى اليوم وفي المستقبل. وهذا ما يفسر تمترس الأوروبيين خلف أسوار ما يسمى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو وذلك للحيلولة دون فتح ملف الاستعمار الأوروبي والذي لو فُتح لأصبحت الدول الأوروبية لا تختلف عن دول العالم الثالث.

عندما ضاقت المجتمعات الأوروبية ذرعاً باليهود، تخلصوا منهم تحت شعار وطن قومي لليهود في فلسطين، على حساب الشعب الفلسطيني الأصلي والأصيل، ليشغلوا ويشاغلوا العرب والمسلمين في ديارهم، لكي ينعم الأوروبيون بما سرقوه مادياً ومعنوياً، وليحترق بعد ذلك العرب والمسلمون. وعندما ضاقت أوروبا بمشكلاتها الاقتصادية وأزماتها الأمنية، افتعلوا الأزمة الأوكرانية وأحرقوا الأوكرانيين في سبيل إشغال مجتمعاتهم عن المشكلات الحقيقية ولمشاغلة روسيا واستنزافها.

ستستمر معاناة الشعب الفلسطيني وستستمر معاناة الشعب الأوكراني، ما دام الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو قائمين. والأمل كل الأمل هو بتفكيك المنظومات الأوروبية، لينعم العالم الجديد بالأمن والسلام والازدهار بعيداً عن المكائد والحيل والألغام التي يضعها الأوروبيون في طريق أي حل تقوم به الإدارة الأمريكية للأزمة الروسية الأوكرانية.

من هنا، يرى كثير من المحللين والمهتمين، أن الأزمة بين الأوروبيين والأمريكيين في الملف الأوكراني، مرشحة لأن تتفاقم، وهو ما قد يسفر عاجلاً أو آجلاً إلى تفكك حلف الناتو، وهو ما جاء على لسان بعض مسؤولين أمريكيين، بل إن الاتحاد الأوروبي نفسه مرشح للتفكك وتقويض هذه المنظومة المهترئة اقتصادياً وسياسياً إلا من العقلية الاستعمارية العنصرية. ناهيك عمّا تعانيه دول الاتحاد الأوروبي من تحديات حقيقية تتمثّل بالتراجع الحاد في نسبة المواليد والخصوبة إلى ما دون المستويات الطبيعية، بجانب تنامي معدلات المهاجرين ونسب اللاجئين الذين يعتقد أن تهيمن نسبتهم خلال السنوات القادمة على أعداد السكان في دول الاتحاد.

لعل الإدارة الأمريكية تدرك قبل فوات الأوان وقبل انتهاء فترة الرئيس دونالد ترمب، الذي يبدو أنه متحمس لإنهاء أكبر عدد من الحروب والأزمات خلال فترة رئاسته، أن الحل الجذري والحقيقي للأزمة الفلسطينية لا يكون إلا بترحيل ونقل وإعادة الإسرائيليين من فلسطين إلى بلدانهم الأوروبية في أوكرانيا وبولندا وروسيا البيضاء وإيطاليا وغيرها، لكي تعود نسبة السكان الأوروبيين في أوروبا إلى وضعها الطبيعي، من خلال إعادة ما يسمى بالإسرائيليين إلى بلدانهم الحقيقية في أوروبا، بعيداً عن بلاد العرب والمسلمين التي يشعر الكيان بالخوف والرعب للبقاء بينهم محتلاً لبلدانهم، ولكي تنعم أوروبا بمعدلات مواليد طبيعية من السكان الأوروبيين الأصليين مقارنة بأعداد المهاجرين واللاجئين الأجانب المرشحة أعدادهم للتزايد في ظل التناقص الحاد للمواليد والخصوبة بين الأوروبيين الأصليين في عدد من الدول الأوروبية، ولكي تنعم في المقابل فلسطين والوطن العربي بالأمن والسلام والاستقرار والرخاء والازدهار بعيداً عن تلك العناصر الإجرامية التي لا يمكن أن تعيش في مجتمعات طبيعية ولا يمكن أن يتقبلها ويتعايش معها أي مجتمع بشري سوي لشدة عنصريتها وإجرامها وخطورتها على العالم.

00:08 | 16-12-2025

هل يعود الإعلام الرسمي أقوى بعد تسونامي التزييف؟

رغم الاعتماد الجزئي للإنترنت والمنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي على محتوى الإعلام التقليدي ومنه الرسمي مباشرة أو غير مباشرة سواء المقروء منه أو المسموع أو المرئي في كثير من مخازنها المعرفية وخزائنها المعلوماتية وبياناتها، إلا أن هناك قناعة بدأت تتشكّل وتتبلور لدى الكثير من المهتمين بالعمل الإعلامي والممارسين له والمتخصصين والخبراء في مجال الإعلام والأكاديميين بأن الإعلام الرسمي (الإذاعة والتلفزيون والصحافة) ربما يلفظ أنفاسه الأخيرة وأنه ينحسر ويتآكل بوتيرة متسارعة، وأن أغلب المتوفر منه يعيش في غرفة الإنعاش ومن خلال المغذيات المتمثلة بالدعم الحكومي وبعض شرائح المجتمع التي لا تزال ترتبط بهذا النوع من الإعلام، رغم زحف منصات رقمية وشبكات التواصل الاجتماعي واكتساحها لإمبراطوريات الإعلام التقليدية وسحبها البساط من تحت أقدامه. وأن هذا الدعم الحكومي لو قُطع عن الإعلام الرسمي لتوقفت عنه الحياة وانقطعت أنفاسه.

كان لافتاً تدشين الرئيس الروسي فلاديمر بوتين تلفزيونRT الروسي بالهند في زيارته الأخيرة إلى نيوديلهي، وقد حظي هذا التدشين بتغطيات عالمية واسعة، بجانب النتائج والاتفاقات العسكرية والاقتصادية والتجارية التي أسفرت عنها الزيارة. فلماذا تدشن روسيا قناة RT الهندية في زمن ساد فيه الاعتقاد بأن انتشار المنصات الرقمية وهيمنة شبكات التواصل الاجتماعي على المشهد الإعلامي، قضى ربما نهائياً على الإعلام الرسمي وألغى دوره وتأثيره؟

يصف الرئيس الروسي الخطوة بأنها «حدث مهم وذو دلالة بالغة»، وأنها تعد خطوة نوعية في تعزيز الحوار الإعلامي والثقافي بين روسيا والهند، ووسيلة لتقديم رؤية موضوعية ومتوازنة حول القضايا الدولية، بعيداً عن الأطر الأحادية السائدة في المشهد الإعلامي العالمي.

كما أن الرئيس الروسي «يعوّل كثيراً على أن تساهم RT في توجيه الرأي العام في كلا البلدين نحو القضايا والأولويات الأساسية في مسار تعاونهما الإستراتيجي»، معتبراً أن إطلاق النسخة الهندية من RT سيفتح الباب أمام ملايين المواطنين الهنود للاطلاع بشكل أقرب وأدق على واقع روسيا -سياسياً واقتصادياً وثقافياً- بعيداً عن التشويه أو التحيّز، وهو ما يسهم في بناء شراكة قائمة على المعرفة المتبادلة والاحترام المتبادل. يأتي هذا التصريح عن أهمية الإعلام الروسي الذي يحمل السردية الروسية بين السرديات العالمية المختلفة والتي يحمل كل منها سرديته الملازمة لمشروعه ورؤيته.

إن فوضى المعلومات وقلب الحقائق وتزييفها التي تعيشها البشرية والمجتمعات بسبب التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، تشير بوضوح للانتكاسة والأضرار البالغة التي قد نُمنى بها في المستقبل القريب على مستوى الفرد والمجتمع والدولة والأمة والبشرية.

يجب أن يكون الإعلام الرسمي هو الشغل الشاغل للحكومات والدول ووزارات الإعلام في المرحلة القادمة. لأن هذه الفوضى التي تسبّبت بها المعلومات المزيفة والمعلومات المنقوصة والمعلومات المغلوطة والمعلومات غير الدقيقة والمعلومات المشوهة والمعلومات المتضاربة والمعلومات الفائضة والمعلومات مجهولة المصدر والمعلومات الموجهة كلها تعكس وجهاً واحداً وهو الفوضى سواء بحسن نية وهو قليل أو بسوء نية وهو الغالب من خلال أجهزة استخبارات أصبحت تتحكم بعلاقات الشعوب فضلاً عن علاقات الحكومات.

كما أن الحرب على غزة خلال السنتين الماضيتين جسدت حجم التضليل والكذب والتزوير الذي يلعبه الإعلام الغربي في سبيل تشويه العرب والمسلمين والحقوق الفلسطينية، في المقابل يقوم بتلميع الكيان وإخفاء التواطؤ للدول الغربية مع هذا الكيان الاستعماري النازي المجرم في المنطقة العربية والحقوق العربية.

في كل هذه التحوّلات والتغييرات الرقمية والإعلامية، ولما للإعلام الرسمي من دور مهم في كشف التزييف وتوثيق المعلومات وتوسيع دائرة المعرفة، لابد من رسالة لوزارة الإعلام في المملكة بأن تدرس الخيارات والإمكانات والمعطيات لحماية هذه الأجيال والأجيال القادمة في المملكة وفي المجتمعات الشقيقة والصديقة من تسونامي التزييف وتغيير الحقائق وإعادة تشكيل المستقبل، بعدما تأكد أن الإعلام الرسمي لن ينقرض وأن وجوده ضرورة وطنية وأخلاقية تمليها وتقتضيها القيم والمصالح، ناهيك عن أهمية حماية الفرد صحياً ونفسياً من المخاطر والأضرار البليغة التي بدأت تتكشف تشخيصاتها مما يسمى بـ«التعفن الدماغي» الناتج عن إدمان المقاطع القصيرة وما تتسبّب به من إضعاف للقدرات الإدراكية للإنسان وتشتيت التركيز لديه.

00:01 | 9-12-2025