أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/236.jpg?v=1766066142&w=220&q=100&f=webp

عبداللطيف الضويحي

بطالة المهارات.. هل تغيّر قواعد اللعبة في سوق العمل

لسنوات طويلة كان سوق العمل يعمل وفق معادلة مفهومة تقريباً، حتى وإن لم تكن مثالية: يولّد الاقتصاد وظائف، وتُخرّج الجامعات تخصصات، وتبحث الشركات عن موظفين، وتضع إدارات الموارد البشرية الوصف الوظيفي، وتتولى مؤسسات التدريب سد الفجوات، بينما تستخدم الحكومات سياسات التوظيف والأجور والتوطين والحماية الاجتماعية لضبط التوازن بين العرض والطلب.

كانت قواعد سوق العمل معروفة تقريباً، تدرس تخصصاً مطلوباً، وتحصل على شهادة، وتقدّم على وظيفة، وتلقى تدريباً، واكتسب الخبرة، ثم اصعد السلم الوظيفي، ويتم تحسين دخلك تدريجياً، لكن السرعة التي يتعلم بها الذكاء الاصطناعي مهمة جديدة خلال أسبوع أو أشهر، بينما تحتاج الجامعات والأنظمة سنوات للاعتراف به وقبوله؟

إنها سرعة التغيير التي تهدّد قواعد السوق التي حكمته لعقود من الزمن، فلم يعد سوق العمل يتغيّر ضمن قواعد اللعبة المعتادة. الذكاء الاصطناعي لا يقضي على الوظائف، لكنه يفرّغ الوظائف من محتواها ومهاراتها ومهامها وقيمتها الاقتصادية. وهذا ما يدفع منظمة العمل الدولية للقول إن نحو ربع الوظائف عالمياً تقع في مهنٍ لديها درجة من التعرّض للذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنها تؤكد أن النتيجة الأكثر احتمالاً ليست الاختفاء الكامل للوظائف، بل تحول محتواها ومهامها. هذا يعني أننا قد لا نشهد ببساطة اختفاء «المحاسب» أو «المحامي» أو «المهندس» أو «الإعلامي» أو «المبرمج»، وإنما نشهد اختفاء أجزاء متزايدة مما كان يفعله كل واحد منهم، وهنا يكون التحدي ومكمن الثورة الحقيقية.

مضت عقود بُنيت خلالها أنظمة الموارد البشرية والتعليم والتدريب حول ما يسمى (الوظيفة)، واسم الوظيفة، والوصف الوظيفي لها، والمؤهل المطلوب لها، والراتب المناسب لها، والمرتبة المساوية لها، والمسار الوظيفي لها، لكن دخول الذكاء الاصطناعي نقل الاقتصاد من (اقتصاد الوظائف) إلى اقتصاد سرعة التنقل والتحول بين المهام والمهارات والقدرات، حيث أصبحت الشركات تسأل إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع القيام بالمهام؟ وأيها يقوم بها الإنسان؟ وأيها يحتاج إلى إنسان يستخدم الذكاء الاصطناعي؟ وما المهارات البشرية التي تصبح أكثر قيمة نتيجة لذلك؟ هذه الأسئلة قلبت هندسة سوق العمل رأساً على عقب. لأول مرة، يصبح تخطيط سوق العمل أبطأ من سوق العمل نفسه. وهذه هي التحديات التي تستدعي قلق مخططي التعليم والتوظيف ورأس المال البشري.

الجامعة تخطط لسنوات، والطالب يدرس أربع سنوات، واللوائح التعليمية والجهات التنظيمية وبرامج التدريب تحتاج إلى تصميم ومدربين وميزانيات، بينما يمكن لتقنية ذكاء اصطناعي جديدة أن تغيّر طريقة أداء مهنة كاملة بأقل من شهر، رغم أن تأثيراته تختلف باختلاف القطاعات والمناطق ومستويات المهارة.

سرعة التقنية أعلى من سرعة المؤسسة وسرعة التشريع وسرعة القرار، وهذه قد تكون أخطر فجوة في سوق العمل القادم.

كان صاحب العمل يبحث عن الشهادة والخبرة وسنوات الخدمة. واليوم يسأل: هل تمتلك مهارات بشرية يصعب على الآلة محاكاتها؟ الشهادة لن تختفي، لكنها ستفقد احتكارها في إثبات القدرة، وسينافسها سجل المهارات والخبرات والشهادات المهنية والقدرة المثبتة على الإنجاز.

حتى الخبرة لم تعد قاعدة مضمونة. قد يمتلك الإنسان خبرة كبيرة في شيء تتراجع قيمته، بينما يمتلك شاب قليل الخبرة مهارة جديدة ترتفع قيمتها بسرعة. وهذا يتطلب الانتقال من التدريب المتقطع إلى التعلم المستمر في أثناء العمل، ومن البطالة العامة إلى (البطالة المهارية) والسبب هو أنه توجد آلاف الوظائف الشاغرة في الوقت الذي يوجد فيه آلاف الباحثين عن العمل، لكن الاثنين لا يلتقيان. قد نشهد اتساع الفارق بين شخصين يحملان المؤهل نفسه ويعملان في القطاع نفسه، لأن أحدهما يستخدم الذكاء الاصطناعي لمضاعفة إنتاجيته، بينما يعمل الآخر بالطريقة التقليدية.

أظن أن الدول بحاجة لإيجاد منظومة تعمل مثل الرادار للتكيّف المستمر في سوق العمل بدلاً من جهاز التخطيط الجامد، كما هناك حاجة ربما لمنظومة تلتقط تغيّرات السوق مبكراً وتعدل السياسات بسرعة، ومؤشر وطني يقيس الزمن بين تراجع وظيفة وظهور البديل والتحول المهني والوظيفي وفجوة الانتقال واكتشاف نقص المهارة وتوفير التدريب عليها، وبين قرار التعليم وتغيّر حاجة السوق، ومحفظة فردية لكل لمهارات الموظف يغذيها أينما كان عمله.

إن مفهوم رأس المال البشري الجديد يقوم على القدرة على التحول، لأننا نحتاج إلى إعادة تعريف رأس المال البشري في ظل تأثير الذكاء الاصطناعي ليشمل القدرة على التحول. فالموظف الأكثر قيمة لن يكون بالضرورة صاحب أعلى شهادة أو أطول خبرة، وإنما من يستطيع الانتقال من مهارة إلى أخرى ومن تقنية إلى أخرى ومن وظيفة إلى أخرى دون أن يفقد قدرته على إنتاج القيمة.

ربما نحتاج لإعادة كتابة العقد الذي حكم العلاقة بين التعليم والعمل والمهارة والأجر والإنتاجية والوظيفة والدخل منذ عقود، حيث تنتفي الحاجة لحماية الوظائف القديمة، شريطة عدم ترك ترك الإنسان وحده في مواجهة التحول.

المطلوب حماية قدرة الإنسان على الانتقال من وظيفة إلى أخرى ومن مهارة إلى أخرى دون أن يسقط اقتصادياً واجتماعياً في المسافة بينهما. لا تبنِ نظام التعليم لإعداد الخريج لوظيفة واحدة، بل لإعداده لعشرات التحولات المهنية.

الدولة الأكثر استعداداً لعصر الذكاء الاصطناعي لن تكون بالضرورة الدولة التي تعرف اليوم ما وظائف عام 2040، بل ستكون الدولة التي بنت نظاماً يستطيع اكتشاف الوظيفة الجديدة بسرعة، وتعليم مهاراتها بسرعة، ونقل الناس إليها بسرعة، وحمايتهم اقتصادياً خلال فترة الانتقال.

00:01 | 29-09-2026

فائض الإعلام العربي ومواجهة السرديتين الإسرائيلية والإيرانية

في الأزمات الكبرى نتساءل: أين الحقيقة وسط كل هذا الإعلام؟ فإذا كانت الحقيقة تضيع بسبب غياب الإعلام سابقاً، والمسافات واحتكار أطراف النزاع للمعلومات، فإن الحقيقة اليوم تضيع بسبب فائض الإعلام، ما يجعل العالم ينتقل من أزمة ندرة المعلومات إلى أزمة تضخم المعلومات، ومن الخوف من التعتيم إلى الخوف من الإغراق.

فكلما اتسعت التغطية الإعلامية لأزمة ما، تبدّدت معرفة الجمهور بحقيقتها، فتتراجع الحقيقة أمام كثافة الضجيج، ويزداد الغموض كلما كثر الحديث عنها وزاد عدد المتحدثين عنها.

لقد كشفت أزمة مضيق هرمز وما تبعها وما أحاط بها من تداعيات عسكرية واقتصادية وسياسية في المنطقة والعالم أن الفجوة بين «الإعلام» و«الحقيقة» أصبحت واحدة من أخطر الفجوات المعرفية في العصر الحديث. فالأزمة حاضرة إعلامياً على مدار الساعة بجزئياتها، لكن الصورة الكاملة لا تزال غائبة. فهل تساوى حضور الإعلام وغيابه بشأن الحقيقة؟

صحيح أن الإعلام لا يصنع الحقيقة، لأن الحقيقة ليست منتجاً إعلامياً أو سلعة سياسية. إنما يصنع الإعلام «الصورة العامة للحقيقة» بكشف الوقائع، والتحقق منها، والربط بينها، ووضعها في سياقها، والفصل بين ما حدث فعلاً وما تدّعي الأطراف أنه حدث. فعندما ينتقل الإعلام من الكشف عن الحقيقة إلى صناعتها يصبح طرفاً في الصراع، لا شاهداً عليه.

تمثل أزمة هرمز حرباً على تعريف الواقع نفسه، مثلما تمثل مواجهة عسكرية واضطراباً في الملاحة والطاقة والتجارة العالمية: هل المضيق مغلق أم مفتوح؟ هل حركة السفن متوقفة أم متراجعة؟ هل تدفقات الطاقة تعطلت أم تحوّلت إلى مسارات وآليات أكثر كلفة؟ هل ما يجري انتصار عسكري، أم ضغط تفاوضي وحرب نفسية، أم استنزاف اقتصادي؟ ومن بدأ التصعيد ومن استأنف التصعيد؟ ما هي أطراف أزمة هرمز المباشرة وغير المباشرة؟ ومن يملك القدرة على إنهائها؟

تكمن المشكلة في أن كل طرف يقدّم جزءاً من الواقع باعتباره الحقيقة كاملة. حتى أصبحت الحقيقة تقع بين الروايتين. لقد أثبتت الأزمة أن الحرب الحديثة لا تستهدف السفن والموانئ والمنشآت فقط، بل تستهدف أيضاً قدرة الإنسان على معرفة ما يجري، فكثيراً ما تتعدد المنابر ولا تتعدد المصادر؛ لأن تعدد وسائل الإعلام ليس دليلاً صحياً على تعدد مصادر المعرفة. فأين التعددية عندما تنشر مئات القنوات والصحف والمنصات خبراً واحداً، نقلته جميعها عن مصدر واحد؟

صحيح أن الإعلام حين يغيب لا يعرف الناس ماذا حدث وما يحدث. لكن عندما يحضر إعلام مضلل، فالناس يتوهمون أنهم يعرفون، بينما هم يعرفون صورة مصنوعة أو ناقصة أو مشوهة. ومثلما أن الغياب ينتج جهلاً معلناً، فالتضليل ينتج جهلاً واثقاً من نفسه. وهذا أكثر خطورة؛ لأن الإعلام الغائب يترك فراغاً، بينما الإعلام المضلّل يملأ الفراغ بمعلومات زائفة يصعب اقتلاعها لاحقاً. ولذلك قد يكون الحضور غير المهني أكثر ضرراً من الغياب. وطبيعة حضور الإعلام يجب أن تكون محل تساؤل: هل يأتي ليكشف، أم ليغطي؟ يفسر أم يبرر؟ يبحث عن الحقيقة أم ليمنح رواية معينة مظهر الحقيقة؟

لذلك فإن ما يوصف في «إعلام» بأنه «دفاع عن النفس» يوصف في «إعلام آخر» بأنه «عدوان»، وما يُسمى «ردعاً» في «إعلام» يسمى في إعلام آخر «تهديداً للملاحة الدولية».

وعندما يتعرّض الإنسان يومياً لكميات هائلة من الأخبار العاجلة والخرائط والتسريبات والتوقعات المتناقضة، فإنه يفقد القدرة على ترتيب الأولويات والتمييز بين المهم والهامشي والحقيقي والمحتمل والحدث والتعليق عليه. من هنا.. الحقيقة لا تحجب دائماً بحجب المعلومات، فقد تُحجب الحقيقة بإغراق المتابعين بكم هائل من المعلومات.

كما أن التعمية الإعلامية لا تقوم فقط على إخفاء الحقيقة، بل تقوم على وضعها وسط آلاف التفاصيل المتضاربة حتى يعجز الناس عن الوصول إليها أو تمييزها. وبهذا المعنى.

لقد عانينا في منطقتنا العربية وما زلنا نعاني من تخادم وتناغم السرديتين الإيرانية والإسرائيلية على حساب سردية تتبنى حقوق الشعوب العربية والمصالح العربية والدول العربية، وعلى مدى عقود من الزمن. لقد كشفت حرب اليمن الأخيرة بين الشرعية والفصائل المدعومة إيرانياً الحاجة العربية الماسة لبناء ومراجعة سردية عربية تعري وترفض المشروعين الإيراني والإسرائيلي باعتبارهما يستهدفان الأمة العربية والجغرافيا العربية والمصالح العربية والتاريخ العربي.

لقد حان الوقت للإعلام العربي لأن يتبنى سردية عربية مستقلة، تستند إلى حقوق ومصلحة الشعب العربي وسيادة الدول العربية، دون مجاملة أو مهادنة للسرديتين الصهيونية والفارسية؛ لأنهما لا تختلفان إلا حول حصة كل منهما من الجغرافيا العربية والموارد العربية والتاريخ العربي.

أخيراً، أدعو جامعة الدول العربية أن تتحمل مسؤوليتها وهي تبدأ عهداً جديداً بأمين جديد، وفي هذه المرحلة الخطرة التي يمر بها الوطن العربي، بأن تقوم ببناء وإقرار سردية عربية ترفض المشروعين الصهيوني والإيراني جملة وتفصيلاً وتتصدى لهما، على اعتبار أنهما يستهدفان الإنسان العربي بجغرافيته وتاريخه وموارده من خلال المليشيات الانفصالية وداعميها في أكثر من بلد عربي، ومراجعة عضوية بعض الأعضاء الذين يتأكد ضلوعهم وتورطهم وانخراطهم في أي من المشروعين الصهيوني والفارسي.

00:12 | 22-09-2026

من هم الناجون من خطر الذكاء الاصطناعي؟

لماذا تتزايد الدعوات إلى إبطاء الذكاء الاصطناعي؟ وهل توجد دول أو شركات أو أفراد في مأمن من خطورته؟ ولماذا بدأت تأتي التحذيرات والدعوات لإبطاء الذكاء الاصطناعي ووتيرة تطوير النماذج الأكثر تقدّماً من بعض الذين يصنعونها ويقودون أكبر مختبراتها، ولم تأتِ من أعداء التقنية وخصومها؟

أطرح هذه الأسئلة بعد أن دعا الرئيس التنفيذي لـ«Anthropic» إلى إدخال مقيمين مستقلين إلى شركات الذكاء الاصطناعي وتعزيز التنسيق بين الشركات والدول، وحظيت دعوته بتأييد من قيادات أخرى في صناعة الذكاء الاصطناعي، وعارضتها أصوات سياسية وتقنية تخشى أن يتحوّل الإبطاء إلى خسارة في السباق التكنولوجي والتكنوسياسي. هذا الانقسام نفسه يكشف جوهر المشكلة.

هناك خشيةٌ من التقدّم بسرعة، مما يتسبّب في المخاطر، كما أن هناك خشيةً من التأخر عن المنافسة بين شركات التقنية والدول التي تراهن على الذكاء الاصطناعي للتفوق والهيمنة في ظل التنافس المحموم الذي يشهده العالم.

لقد باتت قدرات الذكاء الاصطناعي تتقدّم أسرع بكثير من تقدّم التشريعات والاختبارات ومعايير السلامة والتفاهمات الدولية. فهل -يا ترى- أن الهدف من دعوات الإبطاء هو شراء الوقت ووضع قواعد دولية قبل أن يدخل الذكاء الاصطناعي سباق تسلح معرفي وتقني لا يستطيع أحد الانسحاب منه بمفرده؟

في سباق عالمي بهذا الحجم، تختلط دوافع السلامة بدوافع المنافسة، والاقتصاد بالأمن القومي، والتنظيم بمحاولة حماية المواقع السوقية. نحن لسنا أمام كارثة وقعت، كما تقول بعض المصادر المفتوحة، لكننا أمام احتمال شديد الأثر، مجهول الاحتمال والتوقيت. وهنا بالتحديد مكمن الخطر والصعوبة. فقد تكون الخشية فيما نتنازل عنه نحن بإرادتنا واختيارنا من قراراتنا للذكاء الاصطناعي، بجانب اعتماد توصيات أو تحليلات أو توقعات دون قدرة بشرية على فهم ومراجعة ومساءلة وتحقق، أي الاعتماد المفرط دون شرط أو قيد على الذكاء الاصطناعي.

إذا خرج نظام ذكاء اصطناعي شديد القدرة عن السيطرة، فمن هم المرشحون للنجاة؟ ومن سيكون في مأمن من الخطر؟ وهل الأقل اتصالاً بالتقنية أكثر أماناً؟ هل الدول المتقدّمة أكثر أماناً أم الدول النامية؟ هل شركات التقنية أكثر أماناً من غيرها، أم أنها المجتمعات الأقل استخداماً للتكنولوجيا؟

الإجابة: للأسف، لا توجد فئة يمكن ضمان نجاتها وأمنها تلقائياً من الخطر، حسب المعطيات! لكن هناك فرق بين التعرّض المباشر والتعرّض غير المباشر.

قد يكون الإنسان الذي لا يعتمد في عمله على الذكاء الاصطناعي أقل تعرّضاً لبعض أخطائه المباشرة. والمؤسسة التي لا تمنح الأنظمة الذكية صلاحية الدخول إلى أموالها أو بنيتها التشغيلية أقل تعرّضاً لفشل مباشر. لكنه أمن نسبي وحماية نسبية جداً؛ لأن الإنسان الذي لا يستخدم الذكاء الاصطناعي يعيش في اقتصاد تستخدمه البنوك ويشتري من شركات تستخدمه كذلك، ويعيش في دولة تستخدم شبكات رقمية، ويتأثر بأسواق مالية تستخدم الخوارزميات، ويستهلك إعلاماً قد ينتج الذكاء الاصطناعي جزءاً منه. ويعتمد على اتصالات وطاقة ونقل وسلاسل توريد عالمية شديدة الترابط. لذلك يمكنك ألا تستخدم الذكاء الاصطناعي، لكن من الصعب أن تعيش وتعمل في عالم لا يستخدمه.

المفارقة العجيبة أن الأكثر تقدّماً قد يكون أكثر تعرّضاً للخطر. والدولة شديدة الرقمنة تمتلك قدرات أكبر على الدفاع، لكنها تمتلك في المقابل مجال هجوم أكبر من غيرها. وكلما زاد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، ارتفعت فوائده، وارتفعت معه كلفة الفشل. كما أن الدول النامية أقل تعرّضاً للخطر، لكنها أقل قدرة على الصمود من ناحية أخرى.

خلاصة القول: الأشخاص والشركات والدول الأقل عرضة لخطر خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة هم الذين يمتلكون المرونة والاستقلالية والبدائل.

والأشخاص الأكثر أماناً نسبياً هم الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي دون أن يفقدوا قدرتهم على التفكير والعمل واتخاذ القرار دونه. كما أن الشركات الأكثر أماناً هي التي تستطيع العودة إلى التشغيل البشري أو التقليدي عند تعطل النظام، ولا تمنح الذكاء الاصطناعي صلاحيات غير ضرورية.

والدولة الأكثر أماناً ليست الأكثر ذكاءً اصطناعياً بالضرورة، بل الأكثر قدرة على العمل بالذكاء الاصطناعي والعمل دونه عند الضرورة. أي الاحتفاظ دائماً بكادر بشري قادر على إدارة الأنظمة الأساسية إذا فشلت الأنظمة الذكية.

إن أخطر السيناريوهات المستقبلية هو أن يتولى الذكاء الاصطناعي بالنيابة عنا الكتابة، والحساب، والتحليل، والبرمجة، والترجمة، والتخطيط، والتشخيص، والتدريس، والاستشارة، واتخاذ القرار. وهذا يعني فقدان السيطرة، ويستدعي نظام حوكمة المناعة المجتمعية للذكاء الاصطناعي؛ أي التأكد من قدرة الفرد والمؤسسة والدولة على الاستفادة القصوى من الذكاء الاصطناعي دون الارتهان له.

لا بد من التمكين من الاستخدام، والمراجعة، والرفض، والإيقاف، والاستمرار دونه. وأخيراً، يجدر بكل بنك ومؤسسة أن يجيب عن سؤال: ماذا سيحدث إذا اختفت أنظمة الذكاء الاصطناعي التي نعتمد عليها لمدة أسبوع أو شهر؟ الإجابة عن هذا السؤال تكفي لتقدير وتقييم الوضع الاستراتيجي للمؤسسة.

00:14 | 15-09-2026

دفاعاً عن الغباء في عصر الذكاء الاصطناعي

الهواتف ذكية، المنازل ذكية، المدن ذكية، المصانع ذكية، المدارس ذكية، المشافي ذكية، الحكومات ذكية، الاقتصاد ذكي، السيارات ذكية، الزراعة ذكية، السلاح ذكي، وأخيراً ذكاء اصطناعي يريد أن يكون حاضراً ومهيمناً على كل شيء. فهل وصفنا الأشياء بالذكية يعني أن ما عداها غبي؟ وهل كل ما تحتاجه البشرية هو الذكاء فقط؟ وهل يكفي الذكاء ليصل بالبشرية إلى بر الأمان؟ وإذا اختفى كل من نصفهم بالأغبياء، فبمن نقارن الأذكياء؟ وهل سيتم ابتكار وتوليد أغبياء اصطناعيين حينئذ لتتم مقارنتهم بالأذكياء الاصطناعيين؟

صحيح أننا بالمقارنة نعرف السريع سريعاً؛ لأن هناك من هو أبطأ منه، والطويل طويلاً؛ لأن هناك من هو أقصر منه، والمتفوق متفوقاً؛ لأن هناك من أداؤه أقل من أداء الآخرين.

فهل الذكاء أيضاً مفهوم نسبي؟ في الحقيقة، أن كثيراً مما نسميه غباءً لا علاقة له بالغباء على الإطلاق، لكنها اختلاف القدرات والمعرفة أو الخبرة. والدليل أن كثيراً مما تعتبره الأجيال السابقة ذكاءً، ينظر له اليوم بأنه غباء. وأن بعضاً مما نعدّه اليوم ذكاءً، ربما تنظر له الأجيال القادمة على أنه غباء متجذّر.

لا يوجد إنسان ذكي مطلق الذكاء في كل شيء، ولا غبي مطلق الغباء في كل شيء. وإلا لما برع بعضنا في الرياضيات، وبرع آخرون في اللغة العربية، وغيرهم في الفنون التشكيلية، وآخرون في الرياضة البدنية. يوجد من يعرف هنا ويجهل هناك، يُبدع في موقف ويتعثّر في آخر، يُحسن الاختيار والقرار اليوم ويسيء الاختيار والقرار في موقف آخر. كما لا يمكن أن يكون الغباء هوية دائمة لشخص أو جماعة.

البشرية اليوم بأمس الحاجة لما يوصف بـ«غباء» لكي تبقى بشرية. فصحيح أننا نحتفي بالطالب الأول في المدرسة والأول في الحياة، لكننا نادراً ما نسأل: من هو الغبي؟ فالبطيء ليس غبياً، وقليل المعرفة ليس غبياً، والمخطئ ليس غبياً، وصاحب القرار السيئ ليس غبياً، وليس غبياً من ينظر للأمور من زاوية مختلفة.

لكن الذكاء الاصطناعي، على ما يبدو، قلب الطاولة على الجميع! فهل دخلت الآلة المنافسة الشرسة مع القدرات البشرية؟ وهل أصبح أسرع من الطبيب في قراءة ملايين السجلات، وأسرع من المحاسب في الحسابات المالية، وأوسع من الباحث في استرجاع المعرفة، وأقدر من الإنسان على معالجة كميات هائلة من البيانات؟ سيصبح العالم أكثر كفاءة، لكن هل يكون العالم في هذه الحالة أكثر إنسانية؟ أي (أكثر غباءً) بالمقارنة مع الآلة؟ وإذا قبلنا بهذا المنطق، فهل نكون اخترعنا معياراً سينتهي بإدانة الإنسان ومن ثم إبادته؟

ماذا سيحدث للعفوية، مثلاً، والمغامرة والصدفة والمحاولات غير المحسوبة والفكرة العادية؟ وماذا عن القرار الذي يتخذه الإنسان لأنه (يشعر) بأنه صحيح، رغم أن الأرقام لا تؤيده؟ إن كثيراً مما نسميه غباءً ليس إلا المساحة المجهولة من الإنسان. كما أننا إذا قضينا على كل ما لا تستطيع الخوارزميات تبريره، فقد نكتشف أننا قضينا على كثير من الحرية البشرية، فقد تحتاج البشرية لتشريع يكفل لها الحق في الخطأ، وحق الإنسان في اختيارات أقل كفاءة، وحقه في أن يغيّر رأيه، وحق الإنسان في أن يجرب ويفشل، وأن يرفض توصية الخوارزميات، وأن يسلك طريقاً أطول؛ لأنه يرتاح له. إنها معركة الإنسان للاحتفاظ بحقه في ألا يكون آلة مثالية. الذكاء يستطيع مضاعفة القدرة، لكن الحكمة التي يفتقر إليها الذكاء الاصطناعي هي التي تحدد أين ومتى ولماذا تستخدم هذه القدرة.

نحن نتحدّث كثيراً عن الذكاء الاصطناعي، لكن ربما علينا أن نبدأ الحديث أيضاً عن الغباء الاصطناعي. فليس المقصود أن الآلة أصبحت غبية، وإنما أن الإنسان قد يستخدم آلة شديدة الذكاء بطريقة شديدة الغباء. وبهذا يصبح الغباء قضية إدارة وحوكمة، لا مجرد نكتة عن شخص قليل الفهم.

ماذا لو تم القضاء على آخر غبي؟ لنفترض أن البشرية نجحت أخيراً في القضاء على آخر «الأغبياء»، ولم يعد هناك شخص «غبي». فأصبح الجميع يفكر بطريقة «نموذجية». الجميع يتخذ القرار «الأمثل». الجميع يستشير الآلة قبل التصرف. الجميع يتجنّب المخاطر غير المحسوبة. فمن يا ترى سيطرح السؤال الساذج الذي لم يخطر ببال الخبراء؟ من سيشكّك في الإجماع؟ من سيحاول أن يجرب الفكرة التي تقول النماذج إنها ستفشل؟ من سيخاطر أو يغامر؟ من سيخرج عن الطريق الذي رسمته الخوارزميات؟ ومن سيكتشف أن الخوارزميات نفسها كانت مخطئة؟ ربما يكون آخر غبي على الأرض آخر حارس للحرية الإنسانية.

نحن لا نحتاج إلى تمجيد الغباء، بل إلى إنقاذ النقص. فالدفاع عن الغباء لا يعني الدفاع عن الجهل، ولا عن التخلف، ولا عن القرارات الحمقاء، ولا عن رفض العلم. إنه دفاع عن شيء أهم وأعمق. إنه دفاع عن حق الإنسان في أن يكون ناقصاً.

00:40 | 8-09-2026

حق المواطن العادي بالابتكار.. ومبادرة الابتكار للجميع

بدايةً أدعو بأن يكون لكل إنسان في المملكة حق الابتكار، من خلال إيجاد وتأمين طريق قصير وعادل ومعلوم للابتكار منذ بداية المشكلة إلى بلورة الفكرة إلى التجربة إلى السوق.

لا يجوز أن تضيع في المملكة فكرة جيدة؛ لأن صاحبها لا يعرف إلى أين يذهب، أو لا يملك المال، أو يعيش بعيداً عن المدن الكبرى، أو لا يحمل مؤهلاً علمياً، أو يعمل في مهنة لا تُصنّف تقليدياً ضمن قطاعات الابتكار. لا بد أن يصبح الابتكار متاحاً للجميع، وحقوق الابتكار مكفولة كالماء والهواء.

فلم تعد ثروة الدول تُقاس فقط بما تختزنه أراضيها من نفط وغاز ومعادن ومياه، ولا بمساحتها وعدد سكانها وموقعها الجغرافي. فثمة «الابتكار» المورد الجديد الذي أخذ يعيد تشكيل خريطة القوة والثروة في العالم.

من هنا يمكن النظر إلى الابتكار باعتباره بديلاً نسبياً للموارد الطبيعية، وزناداً يطلق طاقات الموارد البشرية. فالندرة بالموارد الطبيعية كثيراً ما تكون دافعاً وسبباً للبحث الدؤوب عن مورد بديل للدول.

الابتكار ليس بديلاً كاملاً عن الموارد الطبيعية، إلّا أنه يظل قادراً على تقليل الاعتماد على الموارد، وتعظيم قيمتها، وابتكار بدائل لها. فالماء المحدود والأرض الزراعية المحدودة والمواد الخام المحدودة يجعلها الابتكار موارد ذات قيمة إضافية وممتدة.

كل الدول تمتلك موارد بشرية، لكن الفارق الكبير بينها يكمن في قدرتها على إطلاق مارد الابتكار والمبتكرين والاستفادة القصوى من العقول.

هناك حلقة مفقودة، هي القدرة على تحويل المعرفة إلى فكرة، والفكرة إلى تجربة، والتجربة إلى منتج، والمنتج إلى سوق، والسوق إلى ثروة، بذلك يتم إعمال زناد الموارد البشرية، ويتحوّل الإنسان من مستهلك للمعرفة إلى منتج لها، ومن مُنفّذ للعمل إلى مطوّر له، ومن متعايش مع المشكلة إلى باحث عن حلٍّ لها.

ليس كلّ الناس مبتكرين بالدرجة نفسها، لكن معظمهم يمتلكون قابلية ما للابتكار. وصحيح أن الحاجة أم الاختراع، لكن هناك ابتكارات تولد من الطموح والفضول والمنافسة والخيال والإبداع. قد تشعل الأزمات شرارة الابتكار، لكن المنظومة والبيئة يمكنها أن تحوّل الشرارة إلى طاقة وقوة وتأثير.

قد تكون الشرارة من الأسرة والمدرسة والجامعة أو حاضنات الابتكار والمختبرات والمعامل والأبحاث، لكن أخطر تلك المراحل المتعثّرة هي حقوق التجربة وحقوق التمويل وحقوق الملكية الفكرية وحقوق تحويل المشروع إلى شركة أو مصنع أو بيع المشروع.

ليس صحيحاً أن العاملين في قطاع التقنية هم الأوفر حظاً بالابتكارات، إذا أدركت القطاعات الحكومية والجهات المسؤولة ضرورة دفع القطاعات الأقل ابتكاراً إلى التغيير، وألا تكتفي بالدعوة إلى الإبداع، بل أن تبني المنافسة والحوافز والأسواق التي تجعل الابتكار مجدياً. على سبيل المثال، نحن بحاجة لاقتصاد يحمي الثقافة ويستثمر فيها من خلال الابتكار، بدلاً من اقتصاد يسلّع الثقافة.

لقد نجحت قيادة المملكة ورؤيتها في تحقيق الكثير بمجال الابتكار خلال هذه المرحلة، وقد حان الوقت للتوسع بالابتكار من نشاط نخبوي إلى فرصة مجتمعية متاحة لكلّ فرد.

فالمملكة تمتلك بالفعل بنية مهمة: هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، كما توجد برامج لدى «منشآت» لدعم النماذج الأولية والابتكار وريادة الأعمال. لكن التحدي التالي هو إيصال هذه المنظومة إلى المواطن العادي خاصة في بعض المناطق والمحافظات التي لا تزال فروع المؤسسة الحكومية والإدارة المحلية فيها بعيدةً عن التحوّل والتغيير ومواكبة مستهدفات الرؤية وبرامجها.

خلاصة القول، إنني أدعو لمشروع وطني يمكن تسميته (الابتكار للجميع)، يقوم على الآليات المترابطة التالية:

1- بوابة وطنية موحدة: (لديّ فكرة) للتحرر من المنصات الحكومية المنتمية لمؤسسة بعينها ولتستوعب أي تصنيف من الابتكارات المختلفة وربطها بالممكّنات القائمة لدى هيئة البحث والتطوير والابتكار و(منشآت) والجامعات والصناديق والجهات القطاعية.

2- مراكز ابتكار مجتمعية في كل محافظة، لا ينبغي أن يبقى مختبر الابتكار داخل الجامعات والمدن الكبرى. نحتاج إلى مراكز صغيرة مجهزة بالنمذجة والطباعة ثلاثية الأبعاد والتصميم والبرمجة والإرشاد التجاري، يستطيع دخولها الطالب والمتقاعد والمزارع والحرفي والموظف.

3- محفظة ابتكار لكلّ مواطن، بحيث يمكن إنشاء «محفظة ابتكار» رقمية للفرد تسجّل أفكاره والتحديات التي شارك في التغلب عليها، بذلك يصبح الابتكار مساراً تراكمياً لا مسابقة عابرة.

4- تحويل المشكلات الحكومية إلى سوق للابتكار. كل مؤسسة ومشفى وجامعة تنشر سنوياً قائمة بالمشكلات لديها، وتدعو المبتكرين لتقديم الحلول لها.

5- (قسيمة الابتكار) لكل صاحب فكرة واعدة. فمن أبرز أسباب موت الأفكار أن صاحبها لا يستطيع دفع تكلفة النموذج الأولي أو الاستشارة الهندسية أو الاختبار.

6- تحفيز الموظفين والمتطوعين والمتقاعدين وكل فئات المجتمع مادياً ومعنوياً من خلال دعوتهم لتقديم حلول.

7- حق التجربة والفشل المنضبط. لا يمكن أن يكون لدينا مجتمع مبتكر إذا كانت كل فكرة تحتاج إلى سلسلة من الموافقات. نحتاج إلى مساحات اختبار صغيرة وآمنة في مختلف القطاعات، بحيث يستطيع المبتكر اختبار فكرته دون تحمل التكلفة.

8- سوق وطني للأفكار وليس معرضاً للأفكار. المشكلة ليست في نقص المعارض والجوائز بقدر ما هي في ماذا يحدث للفكرة بعد المعرض.

أخيراً، أقترح إنشاء «المسار السريع للمبتكر». بمجرد اجتياز الفكرة تقييماً أولياً يحصل صاحبها، عبر نافذة واحدة، على خمسة أشياء: حماية أولية للملكية الفكرية، مستشار فني، إمكانية استخدام مختبر، تمويل نموذجي صغير، وربطه بجهة يمكن أن تكون أول عميل له. هنا سنختصر على المبتكر رحلة ربما تستغرق شهوراً. علينا ألا نطلب من الناس الذهاب إلى الابتكار، بل نجعله يذهب إليهم في ميادين أعمالهم.

ختاماً، علينا أن ننتقل من رعاية المبتكرين إلى مفهوم أوسع وهو حقوق المبتكرين.

00:14 | 1-09-2026

كود المقابر وصناعة الفرق بين الأموات والأحياء

استوقفني خبر منشور من حساب المكتب الاستراتيجي لتطوير منطقة الجوف على منصة «إكس» عن مبادرة الحفاظ على نظافة مقبرة القرعاء في منطقة الجوف بمشاركة عدد من المتطوعين في المنطقة.

لا أعرف في الحقيقة إن كان اهتمام المكتب الاستراتيجي بهذه المبادرة نابع من تعزيز ثقافة العمل التطوعي، أم نابع من الاهتمام والعناية بالمقابر ذاتها التي يعاني بعضها من العشوائية والتشوهات داخل أسوار المقابر وخارجها. بكل الأحوال أسجل شكري للمتطوعين وللمكتب الاستراتيجي على المبادرة الفريدة، مع التأكيد على أن نظافة المقابر يجب ألا تكون موسمية، ولا بد أن تتولاه جهة رسمية على مدار العام.

نتحدث كثيراً عن جودة الحياة، ربما حان الوقت لنتحدث أيضاً عن جودة المكان في لحظة الموت. فالمقبرة ليست مجرد مساحة لدفن الموتى، بل مرفق إنساني واجتماعي وديني يمر به كل مجتمع، ويقف فيه الإنسان في واحدة من أصعب لحظات حياته.

يوجد بالفعل دليل فني لإنشاء وترميم المقابر، وهو دليل سارٍ يضع الحد الأدنى من المتطلبات والمعايير الفنية لإنشاء المقابر وترميمها. لكن واقع كثير من المقابر يتطلب مراجعة ربما مشروع (كود المقابر) ليس باعتبارها أرضاً وأسواراً وقبوراً فحسب، وإنما باعتبارها مرفقاً إنسانياً متكاملاً من خلال جودة الخدمات والنظافة وانسيابية التنظيم، وإزالة التشوهات البصرية وكافة أنواع التشوهات.

في كثير من مناطق المملكة تصل درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة، وقد يقف أهل المتوفى والمشيعون والمعزون وقتاً طويلاً تحت الشمس. فلماذا لا تشتمل المقابر على مساحات انتظار واستقبال خارج نطاق القبور أو في المواقع المسموح بها شرعاً، مزودة بمظلات موحدة التصميم تحمي كبار السن والأطفال وذوي الإعاقة من الشمس والظروف الجوية؟ المظلة ليست ترفاً معمارياً، وإنما خدمة إنسانية، على أن يكون موقعها وتصميمها متفقين مع حرمة المكان شرعياً وتنظيمياً.

هناك حاجة للإضاءة تراعي الضرورات التي تحتّم الدفن ليلاً، وهذا يتطلب تصميم منظومة إضاءة وظيفية للمداخل والمواقف والمباني الخدمية ونقاط الاستقبال، بما يحقق السلامة دون المساس بهيبة المكان ووقاره.

كما أن هناك حاجة للترقيم الجغرافي والرقمي المنظم للقبور التي تفتقد للترقيم حتى الآن بما يتيح خدمة الاستعلام عن قبر المتوفى وموقعه عبر المنصة. بحيث يصبح لكل مقبرة رقم، ولكل قطاع رمز، ولكل صف رقم، ولكل قبر معرّف رقمي مرتبط بقاعدة بيانات رسمية فيستطيع ذوو المتوفى الوصول إلى موقع القبر بسهولة.

كما أن طبيعة الطقس الحار والشكل العام لكل مدينة ربما يقتضي دراسة فكرة التشجير المناسب حول المقابر ومرافقها الخارجية ومواقفها ومداخلها وفق الضوابط الشرعية والفنية والبيئية ودون أن تتحول الأشجار إلى عائق أمام الدفن أو سبب في الإضرار بالقبور.

المطلوب ليس زخرفة القبور وتجميلها، وإنما تحسين البيئة المحيطة بالمقبرة، وتخفيف الحرارة والغبار، وإزالة التشوهات البصرية عن الأسوار والمداخل والمرافق بما يحفظ وقار المكان، فسور المقبرة في نهاية الأمر هو جزء من هوية المدينة. هناك حاجة لتعميم نموذج موحد لأسوار المقابر ومداخلها والقضاء على التفاوتات الكبيرة في مستويات الأسوار والبوابات والمداخل التي قد يسمح بعضها بدخول الحيوانات البرية للمقابر.

المقبرة مرفق عام ينبغي أن تخضع لنظافة مستمرة ومكافحة الحشرات والقوارض ومعالجة تجمعات المياه وصيانة الأسوار والبوابات والمواقف وإزالة الأعشاب والمخلفات مع وجود فرق تشغيل وصيانة بعقود ومستويات خدمة قابلة للقياس والمحاسبة، شريطة ألا يتحمل المواطن أي تبعات مالية.

لحظة الوفاة لا يحتاج أهل الميت إلى مزيد من الأعباء. ولذلك يمكن أن يحدد الكود في المقابر الكبيرة منطقة خدمة خارج نطاق الدفن توفر بصورة بسيطة ومنظمة مياه الشرب والقهوة ومقاعد لكبار السن ومرافق لخدمة ذوي الإعاقة. لا ينبغي أن تتحول هذه الخدمة إلى صالات عزاء أو باب جديد للمباهاة الاجتماعية. لا يفوتني الإشارة إلى أهمية أن تسهم الجمعيات الأهلية المتخصصة بتنظيم وتمويل هذه المبادرة من خلال كوادرها.

ما أقترحه قد يكون بعضه موجوداً في بعض المقابر، وهو ليس بدعاً أو تغييراً في مفهوم المقابر الإسلامية ولا إدخال مظاهر تتعارض مع بساطتها، بل هو يفصل تماماً بين حرمة القبر وبين جودة الخدمات المحيطة به.

باختصار يمكن إجمال مقترح (كود المقابر) بما يلي: التخطيط والتنظيم لمداخل المقابر، المواقف، الأسوار، المظلات، مناطق انتظار أهل المتوفى والمشيعين والمعزين، مرافق كبار السن وذوي الإعاقة، النظافة والصيانة، التشجير الخارجي، الضيافة الأساسية، إدارة الجنائز والحشود، السلامة، والترقيم والخرائط الرقمية للقبور، مع إخضاع كل ذلك للضوابط الشرعية، ومراعاة أن يتم تصنيف المقابر بحسب حجم المدن وأعداد السكان، فلا تُعامل مقبرة قرية صغيرة بالطريقة نفسها التي تعامل بها مقبرة مدينة تستقبل آلاف الجنائز سنوياً.

أخيراً، إن المقبرة المنظمة والنظيفة والآمنة ليست ترفاً، ولا تجميلاً للموت، إنها ببساطة احترام للإنسان حياً وميتاً.

00:00 | 25-08-2026

في الجوف.. تأهيل المزارع القديمة «الحوطة» وليس إزالتها

لم تكن «الحَوْطة» في مجتمعات منطقة الجوف مجرد مزرعة صغيرة أو استراحة ملاصقة للمنزل يمكن فصلها عن حياة أصحابها، بل إنها في زمن مضى، كانت التوأم للبيت. وإذا كان المنزل يؤوي أفراد الأسرة، فإن الحوطة تطعمهم وتسقيهم وتمنحهم مساحة للعمل والراحة والحياة ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً.

فالحوطة والأسرة في الجوف، منظومتان قديمتان تكمل كل منهما الأخرى اقتصادياً واجتماعياً. ففي الحوطة بئر ماء ونخيل وأشجار فواكه وخضار، وفيها طيور وأغنام حيث اللحوم ومنتجات الألبان. و«الحوطة» متنفس العائلة وملتقاهم ومقر أعمالهم المهنية المختلفة صيفاً وشتاءً. وبلغة عصرنا اليوم الحوطة منظومة مصغرة للأمن المائي والغذائي والاجتماعي للأسرة.

عندما تغيّرت المدينة وتم تحديثها، بقيت الحوطة -وجمعها الحُوَط- القديمة في موقعها وعلى أوضاعها السابقة. فقد تمدد العمران، وتحوّلت أطراف الأمس إلى أحياء سكنية، وأصبحت بعض تلك «الحوط» فضاءات مهجورة ومحاطة بالمنازل والشوارع والخدمات.

تحوّلات تستحق التوقف عندها بعد أن أصبحت «الحوطة» مصدر تهديد وخطر على أصحابها وعلى الحي والبيئة. فالآبار القديمة غير المؤمنة والمياه الراكدة والمستنقعات بيئة مناسبة لتكاثر البعوض والحشرات، والنخيل المهمل تحوّل إلى بؤرة لسوسة النخيل الحمراء. ولم تعد «الحوطة» المهجورة مسألة تخص أصحابها وحدهم، كما أن الكثير من هذه «الحوط» موروثة عبر أجيال عديدة، وتتعدد فيها حصص الورثة، فلا أحد منهم يستطيع منفرداً تطويرها أو بيعها أو حتى تحمّل مسؤولية صيانتها. وقد لا تتوافر لدى بعضهم وثائق ملكية مكتملة وفق المتطلبات الحالية.

إنني أدعو مكتب الجوف الإستراتيجي لتبني برنامج تأهيل الحوطة كجزء أصيل من الهوية الاقتصادية الثقافية لمنطقة الجوف من خلال دراسة وتأهيل «الحوطة» قانونياً وعمرانياً، بيئياً، سياحياً، وثقافياً، واقتصادياً بشكل متكامل، بما يحفظ حقوق الملاك، ويحفظ هوية مدن المنطقة وثقافة سكانها والسلامة العامة وجودة الحياة، وربط كل ذلك بالهوية الاقتصادية للمنطقة.

لقد باتت الحاجة ماسة إلى تبني «مبادرة تأهيل الحُوطة والمزارع القديمة» من خلال حصر وإعادة توظيف وإنتاج دور «الحوطة» وليس إزالتها. كما يجدر تصنيف «الحُوَطة» داخل النطاقات السكنية إلى عدد من التصنيفات بدلاً من إخضاعها جميعاً لتصنيف واحد.

ينبغي ألا تكون معالجة هذه الظاهرة حرباً على الحوط التاريخية القديمة أو إزالتها، فهي جزء من الذاكرة الاجتماعية للمنطقة. كثير من «الحوط» يمكن إعادة تأهيلها زراعياً، وبعضها يمكن تأهيلها لتصبح حدائق ومتنزهات وساحات عامة داخل الأحياء، وبعضها يمتلك مقوّمات التحوّل إلى نُزُل أو مزارع سياحية ومطاعم ومقاهٍ ريفية وأسواق للمنتجات المحلية، وبعض المواقع يمكن إعادة تخطيطها عمرانياً.

بل يمكن أن تنشأ منها تجربة سياحية خاصة مع الإفطار أو الغداء أو العشاء في نزل ريفية صغيرة لنحافظ على قصة الإنسان وحولنا العبء العقاري إلى أصل اقتصادي.

كما يمكن تشجيع ملاك «الحُوَط» المتجاورة على تجميعها في مشاريع مشتركة، أو إدخال مستثمرين لتطويرها بعقود طويلة الأجل، أو إنشاء شركة تطوير متخصصة في الحوط القديمة تتولى إعادة تأهيلها وتشغيلها سياحياً أو عقارياً أو زراعياً، مع احتفاظ الملاك بحصصهم في المشروع.

وفي الحالات التي تقتضيها المصلحة العامة، يمكن دراسة نزع الملكية والتعويض العادل وفق الأنظمة والإجراءات النظامية، سواء بالتعويض المالي أو بدراسة بدائل أخرى تسمح بها الأطر النظامية، بما يحقق مصلحة المالك والمدينة معاً.

إن «الحوطة» التي أعطت بالأمس للعائلة الحياة، يمكن أن تعطي اليوم للحي والمدينة الهوية، والسائح التجربة، وصاحبها عائداً اقتصادياً.

أخيراً، أتوجه بهذه الأفكار إلى مكتب الجوف الإستراتيجي للعمل على «الحوطة» إحدى أيقونات المنطقة التراثية والزراعية والسياحية، وتطويرها لتستعيد المنطقة مكانتها الاستثمارية والسياحية على خارطة السياحة والاستثمار. وأن يتمكن ويعمل المكتب الإستراتيجي (والمكتب بالمناسبة الأقدر والأكثر فهماً وجديّة للتطوير في المنطقة بين كافة مؤسسات المنطقة) على تأهيل «الحوطة» وإعادة تعريف دورها وتحويلها من إرث عائلي معطّل إلى أصلٍ حضري وسياحي واقتصادي نابض بالحياة وربط كل ذلك بهوية المنطقة الاقتصادية.

00:00 | 18-08-2026

التمور السعودية.. من يحمي أسماءها ويستثمر علاماتها التجارية؟

تأتي المملكة في المرتبة الأولى بين الدول المصدّرة للتمور، مع اتساع دائرة التصدير إلى أكثر من 125 دولة. كما بلغت أصناف التمور حسب المركز الوطني للتمور أكثر من 300 صنف من التمور. هذا الرقم مرشح للزيادة إذا عرفنا أن عدد النخيل في المملكة بلغ أكثر من 37 مليون نخلة، وأن إنتاج المملكة من التمور تجاوز 1.9 مليون طن من التمور سنوياً.

هذه الأرقام تعكس أهمية متنامية لهذا القطاع وتطوراً ملحوظاً يشهده قطاع النخيل والتمور، وهنا نطرح سؤالاً جوهرياً حول حوكمة الملكية الفكرية لأسماء التمور وأصنافها وعلاماتها التجارية وحمايتها من الاحتكار الخاطئ والتضليل وتحويل التراث الزراعي إلى أصل ذي قيمة اقتصادية.

إنني أدعو لمبادرة وطنية لحوكمة الملكية الفكرية والتراثية لأسماء التمور.

فعندما نقول: «الحلوة»، «البرحي»، «المجدول»، «الصقعي»، «العجوة» فإننا لا ننطق أسماء سلع زراعية فحسب، بل نستدعي علامات تجارية، وتاريخاً طويلاً من الزراعة والمكان والإنسان والتجارة والذاكرة الشعبية. والاقتصاد الحديث لا يُتاجر بالمنتجات وحدها؛ فهو يتاجر بالأسماء والقصص والثقة والمنشأ والهوية الاقتصادية أيضاً.

فمَن يملك هذه الأسماء؟ هل يملك «الحلوة» أول مُزارع زرعها؟ أم منطقة الجوف التي اشتهرت بها؟ أم جميع المزارعين الذين ينتجون هذا الصنف؟ وهل «العجوة» اسم صنف نباتي يجوز إنتاجه وتسويقه بهذا الاسم في أي مكان، أم أن ارتباطه التاريخي بالمدينة المنورة يمنحه طبيعة جغرافية خاصة؟ وماذا عن «البرحي» و«الصقعي» و«المجدول»؟ وهل يمكن لشركة أن تسبق الآخرين إلى تسجيل أحد هذه الأسماء التاريخية علامةً تجارية ثم تمنع الآخرين من استخدامه؟ هذه الأسئلة في الملكية الفكرية، والاقتصاد الزراعي، والتراث الوطني، والهوية الجغرافية، وعدالة السوق. ومن هنا تبدو الحاجة ماسة إلى إطلاق «مبادرة وطنية لحوكمة الملكية الفكرية والتراثية لأسماء التمور السعودية وأصنافها».

إن القيمة الاقتصادية للمنتج الزراعي لم تعد محصورة في وزنه وجودته ومذاقه. فالقدر الأكبر المتزايد يأتي من قيمة الاسم والمنشأ والسمعة. صحيح أن شجرة النخيل أصل زراعي، لكن اسم تمرتها يعد أصلاً معنوياً لا يقل عنها قيمة.

المشكلة أن الحدود بين أسماء الأصناف والعلامات التجارية والمؤشرات الجغرافية والأسماء التراثية ليست واضحة دائماً للمستهلك، بل وربما لبعض المنتجين، فهناك فرق جوهري بين أن يكون الاسم اسماً لصنف نباتي، وأن يكون وصفاً تجارياً، وأن يكون علامة تجارية خاصة.

يمكن أن تبدأ المبادرة بتحديد مجموعة من أشهر الأسماء، وأن تبدأ بالبحث العلمي والتاريخي والقانوني، فتطرح على كل اسم الأسئلة التي تجيب عن البحث؛ لأن حماية التراث تبدأ بتوثيقه، لا بادعائه.

«العجوة» نموذج يستحق الدراسة، فالعجوة ليست في الوعي الاجتماعي السعودي مجرد تمرة، وإنما اسم شديد الارتباط بالمدينة المنورة وبتراثها الديني والزراعي والتاريخي. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل نحمي «العجوة» باعتبارها اسم صنف أينما زُرع؟ أم نحمي تسمية مرتبطة بمنطقة جغرافية محددة عندما يكون المنتج مستوفياً لشروط المنشأ والإنتاج والجودة؟ وهل يمكن التفريق بين اسم الصنف النباتي والهوية الجغرافية للمنتج النهائي؟ هذا النوع من الأسئلة هو تحديداً ما ينبغي أن تعالجه المبادرة بعيداً عن الاجتهادات الفردية.

الحلوة والصقعي.. مَن يملك الاسم؟ إذا كان اسم أحد أصناف التمور مستخدماً بين المزارعين منذ أجيال، فمن غير المنطقي اقتصادياً وتراثياً أن يتحوّل الاسم المجرد، من دون مبرر قانوني صحيح، إلى ملكية احتكارية تمنع المنتجين الآخرين من تعريف محصولهم الحقيقي. فالذي طوّر علامة تجارية متميّزة يستحق حماية علامته، والذي استنبط صنفاً نباتياً جديداً مستوفياً للشروط يستحق حقوقه النظامية، والذي بنى اسماً تجارياً وشعاراً وهوية وسمعة يستحق حماية استثماره. لكن التراث المشترك شيء، والعلامة الخاصة شيء آخر. وهذه قاعدة ينبغي أن تكون في قلب المبادرة.

وماذا عن «المجدول» و«البرحي»؟ هاتان حالتان مهمتان؛ لأن انتشار الأصناف عبر الحدود يثبت أن ملف التمور لا يمكن التعامل معه بعاطفة محلية فقط. فالصنف قد ينتقل بين البلدان، ويُزرع في قارات مختلفة، ويصبح اسمُه متداولاً في التجارة الدولية.

وهنا لا يكفي القول: «نحن نزرعه إذن نحن نملك اسمه»، فالملكية الفكرية أكثر تعقيداً من ذلك. ولهذا يجب أن تتضمّن المبادرة أطلساً تاريخياً لحركة أصناف النخيل. قد نكتشف عندئذٍ أن بعض الأسماء تُمثّل تراثاً سعودياً خالصاً، وبعضها تراثاً عربياً أو إقليمياً مشتركاً، وبعضها أسماء أصناف دولية لا يمكن احتكارها أصلاً. ولا يقلل ذلك من قيمة التمور السعودية، بل يجعل حمايتها القانونية أكثر مصداقية.

إن المبادرة التي أقترحُها ينبغي ألا تنتهي بدراسة أو مؤتمر، وإنما بإنشاء «السجل الوطني لأسماء وأصناف التمور السعودية». ويصبح لكل اسم في السجل ملف أشبه بـ«شهادة ميلاد معرفية» تتضمّن: أصل الاسم، وأقدم توثيق معروف له، والمنشأ المرجح، ومناطق الزراعة التاريخية والحالية، والصفات النباتية، والأسماء المرادفة، والروايات التاريخية المختلفة، ووضعه القانوني، وتسجيلاته الدولية إن وجدت، ثم يُمنح الاسم تصنيفاً قانونياً واضحاً: صنف نباتي، اسم عام، اسم تراثي، وصف، مؤشر جغرافي، علامة جماعية، علامة تجارية خاصة، أو مزيج من أكثر من مستوى من الحماية بحسب الاستخدام.

مَن يحق له استخدام الاسم؟ ينبغي ألا تكون الإجابة واحدة لجميع التمور.

فإذا كان الاسم اسماً عاماً لصنف نباتي متداول، فمن حيث الأصل ينبغي ألا يحتكره مُنتِج واحد لمجرد تسجيله تجارياً بطريقة تؤدي إلى منع الآخرين من وصف منتجاتهم وصفاً صحيحاً. أما إذا كان الاسم مؤشراً جغرافياً محمياً، فيصبح استعماله مرتبطاً باستيفاء شروط المنشأ والإنتاج والمواصفات المحددة. وإذا كان الاسم علامة تجارية مبتكرة لا تمثل الاسم العام للصنف، فهي حق خاص لصاحبها.

أنا لا أريد خصخصة الذاكرة الزراعية، فالعلامة التجارية تحمي الابتكار التجاري، لكنها ينبغي ألا تصبح وسيلة لخصخصة اللغة الزراعية والذاكرة الشعبية. تستطيع شركة أن تبني حول «الحلوة» أو «الصقعي» علامة تجارية وهوية بصرية وعبوة مبتكرة وقصة تسويقية وشعاراً خاصاً بها، وتحمي كل ذلك نظامياً، لكن ذلك يختلف عن امتلاك اسم الصنف التاريخي نفسه بصورة تمنع المزارعين الآخرين من استخدام الاسم الذي عُرف به محصولهم منذ أجيال.

حوكمة أسماء التمور يمكن أن تصبح مورداً اقتصادياً لا يقل عن عائدات التمور الحالية نفسها. فالتمور السعودية تملك سمعة وفرصة عالمية مثالية. وبدلاً من أن نتنافس عالمياً على بيع كيلوغرام التمر فقط، نستطيع المنافسة على قيمة أسماء التمور.

وهنا يصبح توثيق المنشأ، وحماية المؤشرات الجغرافية، ووضع المواصفات، ومنع التضليل في المنشأ، وبناء القصص التاريخية الموثقة، أدوات لرفع القيمة وليس مجرد إجراءات قانونية.

23:58 | 10-08-2026

كيف ولماذا تغيّر مفهوم الموارد البشرية في السنوات الأخيرة؟

هل السعادة تسبق الإنجاز فتقوده؟ أم أن الإنجاز هو الذي يفتح أبواب السعادة؟ أم أننا، في الحقيقة، داخل دائرة متصلة بين الطرفين كلّ طرف يمدّ الآخر بالحياة ثم يستمدّها منه؟

ولماذا نرى أناساً يكدحون ويحترقون بلا توقف، وينجزون ويحققون، لكن وجوههم تقول شيئاً آخر لا يعكس إنجازاتهم؟ بينما نجد آخرين تملؤهم السعادة الداخلية ويسكنهم الرضا فينجزون دون لهاث أو ركض؟

العلاقة بين السعادة والإنجاز علاقة أشبه بترددات خفية بين قوتين، كلما اقتربت إحداهما من الأخرى أعادت تشكيلها من جديد. فالسعادة ليست محطة وصول، بل طاقة دافعة تُعيد ترتيب خطواتنا للمرحلة التالية. والإنجاز مرآة تعكس لنا من نكون حين ننجح في تحويل الفكرة إلى فعل وأثر.

البعض منا يعتقد أن تحقيق السعادة لا يكون إلا في نهاية المطاف وقطف الثمرة، لكننا نفاجأ بأن السعادة كانت تسير معنا أثناء عملنا على تحقيق الإنجاز وقبل تحقيقه. المعادلة إذاً حلقة دائرية: فالسعادة تُنبت القدرة على الإنجاز، والإنجاز يعيد توليد السعادة من جديد.

نستنتج أن سعادة الموظف ليست رفاهية إدارية، إنما مورد إنتاجي، وهذا ما يفسر لماذا يحقق موظفان يمتلكان المؤهلات نفسها نتائج مختلفة تماماً؛ لأن أحدهما يعمل في بيئة تمنحه الثقة والاحترام والقيمة، بينما يعمل الآخر في بيئة تستنزف طاقته قبل أن يبدأ يومه خاصة من يعملون مع بعض المرضى نفسياً ممن يسمون «مدراء».

بعض الإنجازات تصنع السعادة، كما أن هناك إنجازات تسرق السعادة وتسرق النوم من عيون صاحبها بسبب اللهاث والسباق اللامنتهي. فقد يحقق المدير أرباحاً قياسية، لكنه يخسر أسرته. وقد يبني رجل الأعمال إمبراطورية مالية، لكنه يعجز عن النوم. وقد يحصل الموظّف على ترقية كان يحلم بها، ثم يكتشف أن حياته أصبحت أكثر فقراً من أي وقت مضى. إذاً، السرّ ليس في الإنجاز، بل في فلسفة الإنجاز.

فالإنجاز المنفصل عن الطبيعة البشرية السوية يتحول إلى عبء، بينما الإنجاز المتصل بالغايات السويّة يتحول إلى مصدر للطاقة.

هذا الموضوع أشغل الفلاسفة بين الإنجاز والسعادة منذ القدم، فكان السؤال الفلسفي الأزلي كيف يبلغ الإنسان السعادة؟

كان أرسطو من أوائل من ربطوا السعادة بالإنجاز، وقد رأى أن السعادة هي ازدهار الإنسان عندما يمارس أفضل ما لديه من قدرات وفضائل. فالنجاح الحقيقي عنده ليس امتلاك المال أو السلطة، وإنما تحويل الإمكانات الكامنة إلى واقع نافع. ومن هنا جاءت فكرته الشهيرة التي يمكن تلخيصها بأن الإنسان لا يصبح سعيداً لأنه يملك، وإنما لأنه يفعل، ويُتقن، ويحقق الغاية التي خُلق لها.

أما الرواقيون فيرون الإنجاز ليس فيما نحقّق، بل في الطريقة التي نستجيب بها لما يحدث. هم يرون أننا قد لا نملك النتائج دائماً، لكننا نملك جودة الأداء والانضباط والإتقان، وهذه في ذاتها مصدر للرضا.

أما إبيقور فيذهب أبعد من ذلك فيحذر من أن يتحول الإنجاز إلى سباق لا نهاية له؛ لأن الإنسان إذا جعل السعادة رهينة بهدف المرحلة التالية للإنجاز فلن يصل للسعادة أبداً، إذ إن كل إنجاز سيولد رغبة أكبر منه، وهذا يقتل السعادة.

أما علماء النفس الإنساني، الذين جاؤوا فيما بعد، يقدمون تفسيراً علمياً لهذه العلاقة، وهو أن الإنسان يزدهر عندما يشعر بثلاثة أمور: الكفاءة، والاستقلالية، والانتماء. وكلها تتحقّق بدرجات متفاوتة من خلال الإنجاز الحقيقي.

الآن نعود لسؤالنا في مستهل هذا المقال: هل سعادة الموظف من المنظور الإداري للموارد البشرية نتيجة للإنجاز أم سبب له؟ اعتقدت كثير من المؤسسات لفترات طويلة أن الطريق بسيط والمعادلة سهلة: اعمل أكثر تنجز أكثر فتربح أكثر وتشعر بسعادة أكبر، لكن هذه المفاهيم على ما يبدو تآكلت أمام متغيّرات السوق وواقع اقتصاد المعرفة وهجمات التقنية والرقمنة وهو ما قلب المعادلة. بالتوافق مع ما جاءت به نتائج الدراسات فإن الإنسان السعيد يصبح أكثر إبداعاً، وأكثر تعاوناً، وأكثر قدرة على حل المشكلات، وأكثر إنتاجية وليس العكس.

فهل التغييرات التي مرت بها مسميات إدارات «شؤون الموظفين» أو «إدارة القوى العاملة» مروراً بـ«إدارة الموارد البشرية» ووصولاً إلى «رأس المال البشري» في العقود والسنوات الماضية يُعد ترفاً لغوياً أو وجاهةً إدارية أم إنها انعكاس لمراحل التحولات الكبرى التي شهدتها السوق والاقتصاد والإدارة.

فمن إدارة الأشخاص ومرحلة الإجراءات إلى إدارة القيمة والقدرة التشغيلية للمؤسسة ومنها إلى أن أصبح الإنسان أحد موارد المؤسسة إلى جانب رأس المال والتقنية والمعلومات والمعدات، وهنا لم يعد الموظف مجرد موظف، بل مورداً يجب أن يتم استثماره وتنميته بالتدريب والتطوير والتقييم وإدارة الابتكار وتخطيط المسار الوظيفي والحوافز والثقافة التنظيمية.

غير أن التحوّل الأكبر حصل بعد أن أصبح الإنسان رأس مال بشري، فلم يعد ينظر له على أنه مورد يستهلك، بل رأس مال يولد قيمة متزايدة كلما تم استثمار (وليس استغلال) إمكاناته وقدراته. فالفرق كبير بين «مورد» و«رأس مال». فالمورد ينقص ويستهلك مع الاستخدام، بينما رأس المال يزداد قيمة مع الزمن. وقد تبنّت بعض الدول هذا المفهوم؛ لأن الاقتصاد تغيّر خاصة مع دخول مصطلح اقتصاد المعرفة واعتبار الإنسان هو مصدر الثروة الحقيقية، وهو ما جعل القيمة السوقية للشركات تعتمد بدرجة أكبر على خبرات موظفيها وابتكاراتهم وعلاماتهم التجارية وبراءات اختراعاتهم أكثر من اعتمادها على المصانع والمعدات.

وهذا ما تحوّل معه سؤال إدارات الموارد البشرية من «كيف نجعل الموظفين يعملون أكثر؟» إلى سؤال اليوم «كيف نجعل الموظفين يرغبون في العمل أكثر؟» الفرق بين السؤالين كبير جداً. ولذلك بدأت المؤسسات الرائدة تدرك أن الموظف لا يعمل بدافعية وبكامل طاقته بسبب الراتب وحده، بل لأنه يشعر بأن عمله له قيمة، وأن صوته مسموع، وأن جهده مقدّر، وأن مستقبله يتطور. ولهذا لم يعد مفهوم «إدارة الموارد البشرية» كافياً، بل بدأ العالم يتحدث عن «إدارة رأس المال البشري»، ثم عن «إدارة التجربة الوظيفية»، ثم عن «إدارة الازدهار المؤسسي».

إنها رحلة انتقال من إدارة الأيدي إلى إدارة العقول، ثم إلى إدارة القيمة والمعنى. باختصار: بيئة عمل عادلة ثم شعور بالثقة ثم ارتفاع الدافعية ثم جودة أعلى في الأداء ثم نجاح وإنجاز ثم رضا وسعادة ثم رغبة أكبر في العطاء ثم إنتاجية أعلى.

أي أن السعادة ليست النتيجة الأخيرة، بل جزء من دورة الإنتاج نفسها.

ولهذا فإن المؤسسات التي تكتفي بقياس الأرباح، وتتجاهل مستويات الثقة والانتماء والرضا، تشبه من يقيس سرعة السيارة ويتجاهل مستوى الوقود.

00:00 | 4-08-2026

نظام التعليم الجديد... قراءة متأنية لمتغيّرات فرط صوتية

يتساءل البعض ربما عن الجديد في نظام التعليم الجديد، وكأنهم يقولون بأن كل أو أغلب ما ورد في النظام كان موجوداً وكان معمولاً به. أعتقد أن نظرة فاحصة لمجريات الأمور خلال السنوات الماضية تكشف عن تغييرات كثيرة في التعليم وفي غير التعليم اقتضت ربما صدور هذا النظام. وكثير من تلك التغييرات كانت اجتهادات فردية أو غير فردية فرضتها ربما كمية محتويات التواصل الاجتماعي التي جعلت البعض يتخذ من بعضها مرجعاً لطلابه في المدرسة أو أبنائه في المنزل.

المتغيّر الآخر الذي لا بد أن نستحضره في قراءة وفهم نظام التعليم الجديد هو تحديات مستقبل سوق العمل في ضوء هيمنة الرقمنة والذكاء الاصطناعي والحاجة الماسة لنظام تعليمي يتميّز بالمرونة كي يستجيب للمتغيّرات التي باتت سريعة، فضلاً عن حجم تأثيرها وحجم التغييرات التي فرضتها وستفرضها.

من هنا نفهم لماذا لم يقتصر هذا النظام على تنظيم العلاقة بين المدرسة والطالب والمعلم، بل هو يعيد بناء فلسفة التعليم على أسس أكثر شمولاً، تضم الجودة، والعدالة، والهوية، والمرونة، والارتباط بالتنمية الوطنية.

كما أن إلزامية التعليم حتى سن الخامسة عشرة تؤكد على أهمية الاستثمار المبكر في رأس المال البشري، والحد من التسرّب، بما يضمن وصول كل طفل إلى الحد الأدنى من المعارف والمهارات التي تمكّنه من المشاركة في الاقتصاد والمجتمع.

كما أن النظام يؤكد على أن اللغة العربية لغة أساسية ليس لأنها لغتنا الأم، لكن النظام يستشعر حجم المنافسة العالمية والسوق المفتوح التي تقتضي التأكيد على اعتماد اللغة العربية لغةً أساسية للتعليم أهمية استراتيجية تتجاوز الجانب الأكاديمي، بل هي وعاء الهوية، وأداة التفكير، وحافظة الثقافة الوطنية. وفي الوقت نفسه، فإن السماح بالتدريس بلغات إضافية وفق ضوابط يحقق توازناً مهماً بين ترسيخ الهوية الوطنية والانفتاح على المعرفة العالمية، وهو توازن تحتاجه الدول الطامحة إلى المنافسة الدولية دون التفريط بخصوصيتها الثقافية.

كما أن فلسفة التعليم المتنوع جاءت تحوّلاً من فلسفة التعليم الموحد والذي يعكس النظام وعياً متقدّماً بأن جودة التعليم لا تتحقق بمنهج موحد لجميع الطلاب، بل بتعدد المسارات والفرص، وأن النظام التعليمي لا يزال مفتوحاً على المزيد من المسارات متى ما استدعى الأمر ذلك، بجانب المسارات المهنية والمتخصصة، إنشاء مدارس وفصول للبرمجة، والعلوم، والرياضيات، والفنون، والقرآن الكريم، وغير ذلك بما يراعي اختلاف الميول والقدرات، وتبني المواهب بدلاً من تذويبها في قالب واحد لأن التعليم أكثر ارتباطاً باحتياجات سوق العمل.

كما أن الكشف المبكر عن اضطرابات النمو والسلوك، وتعزيز دمج ذوي الإعاقة، ورعاية الموهوبين، وحماية حقوق الطالب، كلها مؤشرات على أن المدرسة لم تعد مكاناً للتعليم فقط، بل أصبحت بيئة متكاملة للنمو العقلي، النفسي، الاجتماعي، الانفعالي. فالطالب الذي يشعر بالأمان والاحترام والرعاية يكون أكثر استعداداً للتعلم والإبداع والابتكار.

كما أن تنظيم حقوق الطالب، ومنع تكليفه بمهام تخالف الأنظمة، يعزّز ثقافة العدالة المؤسسية داخل المدرسة ويغرس لدى الأجيال مبادئ سيادة النظام واحترام الحقوق وتحمل المسؤولية.

ناهيك عن أهمية تعزيز استقرار المنظومة التعليمية، ورفع كفاءة التخطيط بعيد المدى من خلال استحداث المجلس.

كما أن النظام أراد أن يضع حداً للجدل الدائر بين تيار التعليم الحضوري وتيار التعليم عن بُعد، فأكد على أن الأساس هو التعليم الحضوري مع أهمية الاستفادة من التعليم الإلكتروني في الحالات التي تقتضي ذلك، والاستفادة من التحوّل الرقمي.

أخيراً يبقى التطبيق لأي نظام هو المحك وهو الفيصل للحكم على نجاحه وجودته، مع الأخذ بالاعتبار أهمية أن يتمتع النظام بالمرونة الكافية والقابلية الواعية للتجربة والتطوير والتغيير كلما كان ذلك ضرورياً وحتمياً. فلا ننسى أبداً ودائماً أننا نتحدث هنا عن نظام التعليم وليس أي قطاع آخر، فالتعليم كما هو معروف ليس وزارة أو إدارة، بل هو قاطرة تجر وراءها كل قاطرات التنمية، وأي إخفاق للتعليم أو تعثر سوف ينعكس ويؤثر تلقائياً على كافة قطاعات التنمية في الوطن. أضف إلى ذلك أن المنافسة في رأس المال البشري، التي هي إحدى ميادين العولمة، يتحمّلها ويلام عليها التعليم، ومن هنا يصبح النظام التعليمي في أي بلد هو قطب الرحى وهو محط أنظار العالم اقتصادياً وسياسياً وتقنياً وعسكرياً.. إلخ.

00:01 | 28-07-2026