أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/236.jpg?v=1766066142&w=220&q=100&f=webp

عبداللطيف الضويحي

التمور السعودية.. من يحمي أسماءها ويستثمر علاماتها التجارية؟

تأتي المملكة في المرتبة الأولى بين الدول المصدّرة للتمور، مع اتساع دائرة التصدير إلى أكثر من 125 دولة. كما بلغت أصناف التمور حسب المركز الوطني للتمور أكثر من 300 صنف من التمور. هذا الرقم مرشح للزيادة إذا عرفنا أن عدد النخيل في المملكة بلغ أكثر من 37 مليون نخلة، وأن إنتاج المملكة من التمور تجاوز 1.9 مليون طن من التمور سنوياً.

هذه الأرقام تعكس أهمية متنامية لهذا القطاع وتطوراً ملحوظاً يشهده قطاع النخيل والتمور، وهنا نطرح سؤالاً جوهرياً حول حوكمة الملكية الفكرية لأسماء التمور وأصنافها وعلاماتها التجارية وحمايتها من الاحتكار الخاطئ والتضليل وتحويل التراث الزراعي إلى أصل ذي قيمة اقتصادية.

إنني أدعو لمبادرة وطنية لحوكمة الملكية الفكرية والتراثية لأسماء التمور.

فعندما نقول: «الحلوة»، «البرحي»، «المجدول»، «الصقعي»، «العجوة» فإننا لا ننطق أسماء سلع زراعية فحسب، بل نستدعي علامات تجارية، وتاريخاً طويلاً من الزراعة والمكان والإنسان والتجارة والذاكرة الشعبية. والاقتصاد الحديث لا يُتاجر بالمنتجات وحدها؛ فهو يتاجر بالأسماء والقصص والثقة والمنشأ والهوية الاقتصادية أيضاً.

فمَن يملك هذه الأسماء؟ هل يملك «الحلوة» أول مُزارع زرعها؟ أم منطقة الجوف التي اشتهرت بها؟ أم جميع المزارعين الذين ينتجون هذا الصنف؟ وهل «العجوة» اسم صنف نباتي يجوز إنتاجه وتسويقه بهذا الاسم في أي مكان، أم أن ارتباطه التاريخي بالمدينة المنورة يمنحه طبيعة جغرافية خاصة؟ وماذا عن «البرحي» و«الصقعي» و«المجدول»؟ وهل يمكن لشركة أن تسبق الآخرين إلى تسجيل أحد هذه الأسماء التاريخية علامةً تجارية ثم تمنع الآخرين من استخدامه؟ هذه الأسئلة في الملكية الفكرية، والاقتصاد الزراعي، والتراث الوطني، والهوية الجغرافية، وعدالة السوق. ومن هنا تبدو الحاجة ماسة إلى إطلاق «مبادرة وطنية لحوكمة الملكية الفكرية والتراثية لأسماء التمور السعودية وأصنافها».

إن القيمة الاقتصادية للمنتج الزراعي لم تعد محصورة في وزنه وجودته ومذاقه. فالقدر الأكبر المتزايد يأتي من قيمة الاسم والمنشأ والسمعة. صحيح أن شجرة النخيل أصل زراعي، لكن اسم تمرتها يعد أصلاً معنوياً لا يقل عنها قيمة.

المشكلة أن الحدود بين أسماء الأصناف والعلامات التجارية والمؤشرات الجغرافية والأسماء التراثية ليست واضحة دائماً للمستهلك، بل وربما لبعض المنتجين، فهناك فرق جوهري بين أن يكون الاسم اسماً لصنف نباتي، وأن يكون وصفاً تجارياً، وأن يكون علامة تجارية خاصة.

يمكن أن تبدأ المبادرة بتحديد مجموعة من أشهر الأسماء، وأن تبدأ بالبحث العلمي والتاريخي والقانوني، فتطرح على كل اسم الأسئلة التي تجيب عن البحث؛ لأن حماية التراث تبدأ بتوثيقه، لا بادعائه.

«العجوة» نموذج يستحق الدراسة، فالعجوة ليست في الوعي الاجتماعي السعودي مجرد تمرة، وإنما اسم شديد الارتباط بالمدينة المنورة وبتراثها الديني والزراعي والتاريخي. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل نحمي «العجوة» باعتبارها اسم صنف أينما زُرع؟ أم نحمي تسمية مرتبطة بمنطقة جغرافية محددة عندما يكون المنتج مستوفياً لشروط المنشأ والإنتاج والجودة؟ وهل يمكن التفريق بين اسم الصنف النباتي والهوية الجغرافية للمنتج النهائي؟ هذا النوع من الأسئلة هو تحديداً ما ينبغي أن تعالجه المبادرة بعيداً عن الاجتهادات الفردية.

الحلوة والصقعي.. مَن يملك الاسم؟ إذا كان اسم أحد أصناف التمور مستخدماً بين المزارعين منذ أجيال، فمن غير المنطقي اقتصادياً وتراثياً أن يتحوّل الاسم المجرد، من دون مبرر قانوني صحيح، إلى ملكية احتكارية تمنع المنتجين الآخرين من تعريف محصولهم الحقيقي. فالذي طوّر علامة تجارية متميّزة يستحق حماية علامته، والذي استنبط صنفاً نباتياً جديداً مستوفياً للشروط يستحق حقوقه النظامية، والذي بنى اسماً تجارياً وشعاراً وهوية وسمعة يستحق حماية استثماره. لكن التراث المشترك شيء، والعلامة الخاصة شيء آخر. وهذه قاعدة ينبغي أن تكون في قلب المبادرة.

وماذا عن «المجدول» و«البرحي»؟ هاتان حالتان مهمتان؛ لأن انتشار الأصناف عبر الحدود يثبت أن ملف التمور لا يمكن التعامل معه بعاطفة محلية فقط. فالصنف قد ينتقل بين البلدان، ويُزرع في قارات مختلفة، ويصبح اسمُه متداولاً في التجارة الدولية.

وهنا لا يكفي القول: «نحن نزرعه إذن نحن نملك اسمه»، فالملكية الفكرية أكثر تعقيداً من ذلك. ولهذا يجب أن تتضمّن المبادرة أطلساً تاريخياً لحركة أصناف النخيل. قد نكتشف عندئذٍ أن بعض الأسماء تُمثّل تراثاً سعودياً خالصاً، وبعضها تراثاً عربياً أو إقليمياً مشتركاً، وبعضها أسماء أصناف دولية لا يمكن احتكارها أصلاً. ولا يقلل ذلك من قيمة التمور السعودية، بل يجعل حمايتها القانونية أكثر مصداقية.

إن المبادرة التي أقترحُها ينبغي ألا تنتهي بدراسة أو مؤتمر، وإنما بإنشاء «السجل الوطني لأسماء وأصناف التمور السعودية». ويصبح لكل اسم في السجل ملف أشبه بـ«شهادة ميلاد معرفية» تتضمّن: أصل الاسم، وأقدم توثيق معروف له، والمنشأ المرجح، ومناطق الزراعة التاريخية والحالية، والصفات النباتية، والأسماء المرادفة، والروايات التاريخية المختلفة، ووضعه القانوني، وتسجيلاته الدولية إن وجدت، ثم يُمنح الاسم تصنيفاً قانونياً واضحاً: صنف نباتي، اسم عام، اسم تراثي، وصف، مؤشر جغرافي، علامة جماعية، علامة تجارية خاصة، أو مزيج من أكثر من مستوى من الحماية بحسب الاستخدام.

مَن يحق له استخدام الاسم؟ ينبغي ألا تكون الإجابة واحدة لجميع التمور.

فإذا كان الاسم اسماً عاماً لصنف نباتي متداول، فمن حيث الأصل ينبغي ألا يحتكره مُنتِج واحد لمجرد تسجيله تجارياً بطريقة تؤدي إلى منع الآخرين من وصف منتجاتهم وصفاً صحيحاً. أما إذا كان الاسم مؤشراً جغرافياً محمياً، فيصبح استعماله مرتبطاً باستيفاء شروط المنشأ والإنتاج والمواصفات المحددة. وإذا كان الاسم علامة تجارية مبتكرة لا تمثل الاسم العام للصنف، فهي حق خاص لصاحبها.

أنا لا أريد خصخصة الذاكرة الزراعية، فالعلامة التجارية تحمي الابتكار التجاري، لكنها ينبغي ألا تصبح وسيلة لخصخصة اللغة الزراعية والذاكرة الشعبية. تستطيع شركة أن تبني حول «الحلوة» أو «الصقعي» علامة تجارية وهوية بصرية وعبوة مبتكرة وقصة تسويقية وشعاراً خاصاً بها، وتحمي كل ذلك نظامياً، لكن ذلك يختلف عن امتلاك اسم الصنف التاريخي نفسه بصورة تمنع المزارعين الآخرين من استخدام الاسم الذي عُرف به محصولهم منذ أجيال.

حوكمة أسماء التمور يمكن أن تصبح مورداً اقتصادياً لا يقل عن عائدات التمور الحالية نفسها. فالتمور السعودية تملك سمعة وفرصة عالمية مثالية. وبدلاً من أن نتنافس عالمياً على بيع كيلوغرام التمر فقط، نستطيع المنافسة على قيمة أسماء التمور.

وهنا يصبح توثيق المنشأ، وحماية المؤشرات الجغرافية، ووضع المواصفات، ومنع التضليل في المنشأ، وبناء القصص التاريخية الموثقة، أدوات لرفع القيمة وليس مجرد إجراءات قانونية.

23:58 | 10-08-2026

كيف ولماذا تغيّر مفهوم الموارد البشرية في السنوات الأخيرة؟

هل السعادة تسبق الإنجاز فتقوده؟ أم أن الإنجاز هو الذي يفتح أبواب السعادة؟ أم أننا، في الحقيقة، داخل دائرة متصلة بين الطرفين كلّ طرف يمدّ الآخر بالحياة ثم يستمدّها منه؟

ولماذا نرى أناساً يكدحون ويحترقون بلا توقف، وينجزون ويحققون، لكن وجوههم تقول شيئاً آخر لا يعكس إنجازاتهم؟ بينما نجد آخرين تملؤهم السعادة الداخلية ويسكنهم الرضا فينجزون دون لهاث أو ركض؟

العلاقة بين السعادة والإنجاز علاقة أشبه بترددات خفية بين قوتين، كلما اقتربت إحداهما من الأخرى أعادت تشكيلها من جديد. فالسعادة ليست محطة وصول، بل طاقة دافعة تُعيد ترتيب خطواتنا للمرحلة التالية. والإنجاز مرآة تعكس لنا من نكون حين ننجح في تحويل الفكرة إلى فعل وأثر.

البعض منا يعتقد أن تحقيق السعادة لا يكون إلا في نهاية المطاف وقطف الثمرة، لكننا نفاجأ بأن السعادة كانت تسير معنا أثناء عملنا على تحقيق الإنجاز وقبل تحقيقه. المعادلة إذاً حلقة دائرية: فالسعادة تُنبت القدرة على الإنجاز، والإنجاز يعيد توليد السعادة من جديد.

نستنتج أن سعادة الموظف ليست رفاهية إدارية، إنما مورد إنتاجي، وهذا ما يفسر لماذا يحقق موظفان يمتلكان المؤهلات نفسها نتائج مختلفة تماماً؛ لأن أحدهما يعمل في بيئة تمنحه الثقة والاحترام والقيمة، بينما يعمل الآخر في بيئة تستنزف طاقته قبل أن يبدأ يومه خاصة من يعملون مع بعض المرضى نفسياً ممن يسمون «مدراء».

بعض الإنجازات تصنع السعادة، كما أن هناك إنجازات تسرق السعادة وتسرق النوم من عيون صاحبها بسبب اللهاث والسباق اللامنتهي. فقد يحقق المدير أرباحاً قياسية، لكنه يخسر أسرته. وقد يبني رجل الأعمال إمبراطورية مالية، لكنه يعجز عن النوم. وقد يحصل الموظّف على ترقية كان يحلم بها، ثم يكتشف أن حياته أصبحت أكثر فقراً من أي وقت مضى. إذاً، السرّ ليس في الإنجاز، بل في فلسفة الإنجاز.

فالإنجاز المنفصل عن الطبيعة البشرية السوية يتحول إلى عبء، بينما الإنجاز المتصل بالغايات السويّة يتحول إلى مصدر للطاقة.

هذا الموضوع أشغل الفلاسفة بين الإنجاز والسعادة منذ القدم، فكان السؤال الفلسفي الأزلي كيف يبلغ الإنسان السعادة؟

كان أرسطو من أوائل من ربطوا السعادة بالإنجاز، وقد رأى أن السعادة هي ازدهار الإنسان عندما يمارس أفضل ما لديه من قدرات وفضائل. فالنجاح الحقيقي عنده ليس امتلاك المال أو السلطة، وإنما تحويل الإمكانات الكامنة إلى واقع نافع. ومن هنا جاءت فكرته الشهيرة التي يمكن تلخيصها بأن الإنسان لا يصبح سعيداً لأنه يملك، وإنما لأنه يفعل، ويُتقن، ويحقق الغاية التي خُلق لها.

أما الرواقيون فيرون الإنجاز ليس فيما نحقّق، بل في الطريقة التي نستجيب بها لما يحدث. هم يرون أننا قد لا نملك النتائج دائماً، لكننا نملك جودة الأداء والانضباط والإتقان، وهذه في ذاتها مصدر للرضا.

أما إبيقور فيذهب أبعد من ذلك فيحذر من أن يتحول الإنجاز إلى سباق لا نهاية له؛ لأن الإنسان إذا جعل السعادة رهينة بهدف المرحلة التالية للإنجاز فلن يصل للسعادة أبداً، إذ إن كل إنجاز سيولد رغبة أكبر منه، وهذا يقتل السعادة.

أما علماء النفس الإنساني، الذين جاؤوا فيما بعد، يقدمون تفسيراً علمياً لهذه العلاقة، وهو أن الإنسان يزدهر عندما يشعر بثلاثة أمور: الكفاءة، والاستقلالية، والانتماء. وكلها تتحقّق بدرجات متفاوتة من خلال الإنجاز الحقيقي.

الآن نعود لسؤالنا في مستهل هذا المقال: هل سعادة الموظف من المنظور الإداري للموارد البشرية نتيجة للإنجاز أم سبب له؟ اعتقدت كثير من المؤسسات لفترات طويلة أن الطريق بسيط والمعادلة سهلة: اعمل أكثر تنجز أكثر فتربح أكثر وتشعر بسعادة أكبر، لكن هذه المفاهيم على ما يبدو تآكلت أمام متغيّرات السوق وواقع اقتصاد المعرفة وهجمات التقنية والرقمنة وهو ما قلب المعادلة. بالتوافق مع ما جاءت به نتائج الدراسات فإن الإنسان السعيد يصبح أكثر إبداعاً، وأكثر تعاوناً، وأكثر قدرة على حل المشكلات، وأكثر إنتاجية وليس العكس.

فهل التغييرات التي مرت بها مسميات إدارات «شؤون الموظفين» أو «إدارة القوى العاملة» مروراً بـ«إدارة الموارد البشرية» ووصولاً إلى «رأس المال البشري» في العقود والسنوات الماضية يُعد ترفاً لغوياً أو وجاهةً إدارية أم إنها انعكاس لمراحل التحولات الكبرى التي شهدتها السوق والاقتصاد والإدارة.

فمن إدارة الأشخاص ومرحلة الإجراءات إلى إدارة القيمة والقدرة التشغيلية للمؤسسة ومنها إلى أن أصبح الإنسان أحد موارد المؤسسة إلى جانب رأس المال والتقنية والمعلومات والمعدات، وهنا لم يعد الموظف مجرد موظف، بل مورداً يجب أن يتم استثماره وتنميته بالتدريب والتطوير والتقييم وإدارة الابتكار وتخطيط المسار الوظيفي والحوافز والثقافة التنظيمية.

غير أن التحوّل الأكبر حصل بعد أن أصبح الإنسان رأس مال بشري، فلم يعد ينظر له على أنه مورد يستهلك، بل رأس مال يولد قيمة متزايدة كلما تم استثمار (وليس استغلال) إمكاناته وقدراته. فالفرق كبير بين «مورد» و«رأس مال». فالمورد ينقص ويستهلك مع الاستخدام، بينما رأس المال يزداد قيمة مع الزمن. وقد تبنّت بعض الدول هذا المفهوم؛ لأن الاقتصاد تغيّر خاصة مع دخول مصطلح اقتصاد المعرفة واعتبار الإنسان هو مصدر الثروة الحقيقية، وهو ما جعل القيمة السوقية للشركات تعتمد بدرجة أكبر على خبرات موظفيها وابتكاراتهم وعلاماتهم التجارية وبراءات اختراعاتهم أكثر من اعتمادها على المصانع والمعدات.

وهذا ما تحوّل معه سؤال إدارات الموارد البشرية من «كيف نجعل الموظفين يعملون أكثر؟» إلى سؤال اليوم «كيف نجعل الموظفين يرغبون في العمل أكثر؟» الفرق بين السؤالين كبير جداً. ولذلك بدأت المؤسسات الرائدة تدرك أن الموظف لا يعمل بدافعية وبكامل طاقته بسبب الراتب وحده، بل لأنه يشعر بأن عمله له قيمة، وأن صوته مسموع، وأن جهده مقدّر، وأن مستقبله يتطور. ولهذا لم يعد مفهوم «إدارة الموارد البشرية» كافياً، بل بدأ العالم يتحدث عن «إدارة رأس المال البشري»، ثم عن «إدارة التجربة الوظيفية»، ثم عن «إدارة الازدهار المؤسسي».

إنها رحلة انتقال من إدارة الأيدي إلى إدارة العقول، ثم إلى إدارة القيمة والمعنى. باختصار: بيئة عمل عادلة ثم شعور بالثقة ثم ارتفاع الدافعية ثم جودة أعلى في الأداء ثم نجاح وإنجاز ثم رضا وسعادة ثم رغبة أكبر في العطاء ثم إنتاجية أعلى.

أي أن السعادة ليست النتيجة الأخيرة، بل جزء من دورة الإنتاج نفسها.

ولهذا فإن المؤسسات التي تكتفي بقياس الأرباح، وتتجاهل مستويات الثقة والانتماء والرضا، تشبه من يقيس سرعة السيارة ويتجاهل مستوى الوقود.

00:00 | 4-08-2026

نظام التعليم الجديد... قراءة متأنية لمتغيّرات فرط صوتية

يتساءل البعض ربما عن الجديد في نظام التعليم الجديد، وكأنهم يقولون بأن كل أو أغلب ما ورد في النظام كان موجوداً وكان معمولاً به. أعتقد أن نظرة فاحصة لمجريات الأمور خلال السنوات الماضية تكشف عن تغييرات كثيرة في التعليم وفي غير التعليم اقتضت ربما صدور هذا النظام. وكثير من تلك التغييرات كانت اجتهادات فردية أو غير فردية فرضتها ربما كمية محتويات التواصل الاجتماعي التي جعلت البعض يتخذ من بعضها مرجعاً لطلابه في المدرسة أو أبنائه في المنزل.

المتغيّر الآخر الذي لا بد أن نستحضره في قراءة وفهم نظام التعليم الجديد هو تحديات مستقبل سوق العمل في ضوء هيمنة الرقمنة والذكاء الاصطناعي والحاجة الماسة لنظام تعليمي يتميّز بالمرونة كي يستجيب للمتغيّرات التي باتت سريعة، فضلاً عن حجم تأثيرها وحجم التغييرات التي فرضتها وستفرضها.

من هنا نفهم لماذا لم يقتصر هذا النظام على تنظيم العلاقة بين المدرسة والطالب والمعلم، بل هو يعيد بناء فلسفة التعليم على أسس أكثر شمولاً، تضم الجودة، والعدالة، والهوية، والمرونة، والارتباط بالتنمية الوطنية.

كما أن إلزامية التعليم حتى سن الخامسة عشرة تؤكد على أهمية الاستثمار المبكر في رأس المال البشري، والحد من التسرّب، بما يضمن وصول كل طفل إلى الحد الأدنى من المعارف والمهارات التي تمكّنه من المشاركة في الاقتصاد والمجتمع.

كما أن النظام يؤكد على أن اللغة العربية لغة أساسية ليس لأنها لغتنا الأم، لكن النظام يستشعر حجم المنافسة العالمية والسوق المفتوح التي تقتضي التأكيد على اعتماد اللغة العربية لغةً أساسية للتعليم أهمية استراتيجية تتجاوز الجانب الأكاديمي، بل هي وعاء الهوية، وأداة التفكير، وحافظة الثقافة الوطنية. وفي الوقت نفسه، فإن السماح بالتدريس بلغات إضافية وفق ضوابط يحقق توازناً مهماً بين ترسيخ الهوية الوطنية والانفتاح على المعرفة العالمية، وهو توازن تحتاجه الدول الطامحة إلى المنافسة الدولية دون التفريط بخصوصيتها الثقافية.

كما أن فلسفة التعليم المتنوع جاءت تحوّلاً من فلسفة التعليم الموحد والذي يعكس النظام وعياً متقدّماً بأن جودة التعليم لا تتحقق بمنهج موحد لجميع الطلاب، بل بتعدد المسارات والفرص، وأن النظام التعليمي لا يزال مفتوحاً على المزيد من المسارات متى ما استدعى الأمر ذلك، بجانب المسارات المهنية والمتخصصة، إنشاء مدارس وفصول للبرمجة، والعلوم، والرياضيات، والفنون، والقرآن الكريم، وغير ذلك بما يراعي اختلاف الميول والقدرات، وتبني المواهب بدلاً من تذويبها في قالب واحد لأن التعليم أكثر ارتباطاً باحتياجات سوق العمل.

كما أن الكشف المبكر عن اضطرابات النمو والسلوك، وتعزيز دمج ذوي الإعاقة، ورعاية الموهوبين، وحماية حقوق الطالب، كلها مؤشرات على أن المدرسة لم تعد مكاناً للتعليم فقط، بل أصبحت بيئة متكاملة للنمو العقلي، النفسي، الاجتماعي، الانفعالي. فالطالب الذي يشعر بالأمان والاحترام والرعاية يكون أكثر استعداداً للتعلم والإبداع والابتكار.

كما أن تنظيم حقوق الطالب، ومنع تكليفه بمهام تخالف الأنظمة، يعزّز ثقافة العدالة المؤسسية داخل المدرسة ويغرس لدى الأجيال مبادئ سيادة النظام واحترام الحقوق وتحمل المسؤولية.

ناهيك عن أهمية تعزيز استقرار المنظومة التعليمية، ورفع كفاءة التخطيط بعيد المدى من خلال استحداث المجلس.

كما أن النظام أراد أن يضع حداً للجدل الدائر بين تيار التعليم الحضوري وتيار التعليم عن بُعد، فأكد على أن الأساس هو التعليم الحضوري مع أهمية الاستفادة من التعليم الإلكتروني في الحالات التي تقتضي ذلك، والاستفادة من التحوّل الرقمي.

أخيراً يبقى التطبيق لأي نظام هو المحك وهو الفيصل للحكم على نجاحه وجودته، مع الأخذ بالاعتبار أهمية أن يتمتع النظام بالمرونة الكافية والقابلية الواعية للتجربة والتطوير والتغيير كلما كان ذلك ضرورياً وحتمياً. فلا ننسى أبداً ودائماً أننا نتحدث هنا عن نظام التعليم وليس أي قطاع آخر، فالتعليم كما هو معروف ليس وزارة أو إدارة، بل هو قاطرة تجر وراءها كل قاطرات التنمية، وأي إخفاق للتعليم أو تعثر سوف ينعكس ويؤثر تلقائياً على كافة قطاعات التنمية في الوطن. أضف إلى ذلك أن المنافسة في رأس المال البشري، التي هي إحدى ميادين العولمة، يتحمّلها ويلام عليها التعليم، ومن هنا يصبح النظام التعليمي في أي بلد هو قطب الرحى وهو محط أنظار العالم اقتصادياً وسياسياً وتقنياً وعسكرياً.. إلخ.

00:01 | 28-07-2026

الحلقة المفقودة لصناعة رأس المال البشري

يتنقل التغيير فيضرب كل مكان وفي كل الاتجاهات، لقد بات التغيير هو القاعدة. فيمضي بتفكيك هياكل المجتمعات والأسر والمؤسسات ويعيد بناءها وفق قواعد غير نهائية وغير معلومة وبشكل سريع وغير قابل للتنبؤ، ويأتي في المقدمة سوق العمل. نحن لم نعد نعرف كيف نُعِدُّ شبابًا قادرين على التكيف مع وظائف لم تُخلق بعد، وتقنيات لم تُبتكر بعد، وأسواق تتغير أسرع من فكر التغيير لأي وقت مضى؟


لقد دخل العالم مرحلة غير مسبوقة؛ فلم يعد التغيير فيها استثناءً، تتغير المهن، وتتبدل المهارات المطلوبة، وتتراجع قيمة بعض التخصصات، بينما تنشأ قطاعات جديدة كل عام. وفي ظل هذه البيئة المتسارعة، لم تعد المدرسة والجامعة وحدهما كافيتين لإعداد الإنسان للحياة العملية، مهما بلغت جودة التعليم.


وهنا تبرز الحاجة إلى التفكير في برنامج تجنيد وطني عصري، لا بوصفه مشروعًا عسكريًا بالمعنى التقليدي، وإنما بوصفه أكبر مشروع وطني لبناء الإنسان، يجمع بين الانضباط العسكري، والتأهيل المهني، والتدريب التقني والرقمي، والثقافة الوطنية، والعمل التطوعي، واللياقة البدنية، والمهارات القيادية، والثقة بالنفس، ليخرج الشاب أكثر قدرة على فهم نفسه وما حوله وأكثر قدرة على معايشة هذا الكم من المتغيرات وتحمل المسؤولية خدمة لأسرته ووطنه في السلم كما في الطوارئ.


إن مثل هذا البرنامج لا يهدف فقط إلى إعداد احتياط وطني عند الأزمات، بل إلى تنمية رأس المال البشري الوطني، وصناعة جيل قادر على قيادة اقتصاد المعرفة، وأكثر جاهزية وتنافسية في سوق عمل هو الأسرع تغيرًا في التاريخ، جيل منضبط محب للتعلم قادر على العمل وتحمل المسؤولية وتقديم التضحية عند الحاجة، لا ينتظر الفرص، بل يصنعها، ولا يكون ضحية لتقلبات السوق، بل يمتلك من المرونة والمهارة ما يجعله قادرًا على أخذ زمام المبادرة فكراً وعملاً لإعادة بناء مستقبله كلما تغيرت الظروف.


ولعل أعظم ما يمكن أن يحققه هذا البرنامج أنه يهيئ الإنسان نفسياً وبدنياً وذهنياً قبل أن يؤهله مهنياً. فهو يبني الأهلية البدنية، والنفسية، والذهنية، والمهنية، والتقنية في إطار واحد متكامل، بدلاً من ترك الشباب يجمعون مهارات متناثرة من دورات وبرامج متفرقة، قد تضيف معلومة، لكنها لا تصنع شخصية، ولا تبني ثقافة عمل متماسكة.


إن التجنيد الوطني، بهذا المفهوم، لا يصنع جنديًا فقط، بل يصنع ثقافة. ثقافة احترام الوقت، والانضباط، وتحمل المسؤولية، والعمل الجماعي، والقيادة، والاعتماد على النفس، والابتكار والإنتاج، والمبادرة، والقدرة على العمل تحت ظروف الضغط. وهذه ليست مهارات منفصلة، وإنما منظومة متكاملة من القيم والعادات والسلوكيات التي يصعب اكتسابها من خلال برامج قصيرة ومتفرقة.


من المؤكد أن يكون لهذا البرنامج أثر اجتماعي لا يقل أهمية عن أثره الاقتصادي. فالتجربة الوطنية المشتركة توسع دوائر التعارف والثقة بين الشباب من مختلف المناطق والخلفيات، وتبني شبكات علاقات مهنية وإنسانية قد تتحول لاحقًا إلى فرق ابتكار أو شراكات اقتصادية، أو مشاريع ريادية، أو مبادرات تطوعية تخدم المجتمع. فالاقتصادات الحديثة لا تقوم على المهارات الفردية وحدها، بل على قوة الشبكات البشرية، والثقة المتبادلة، والقدرة على العمل الجماعي.


كما أنه من المرجح أن يلعب البرنامج دورًا كحاضنة وطنية لاكتشاف الموهوبين أنفسهم قبل غيرهم ومعرفة ميولهم واهتماماتهم الحقيقية التي لم تجد البيئة المناسبة قبل ذلك. فكثير من الشباب يضيع عمره في تخصصات ومسارات مهنية ليست له، ولا تستجيب لطبيعته وحقيقة تفكيره وميوله فلا يكتشفون قدراتهم إلا بعد فوات الأوان وسنوات من الدراسة والعمل، وربما بعد تجارب مكلفة من تغيير التخصص أو الوظيفة.


لكن التجربة العملية المكثفة في بيئة منضبطة ومتنوعة، تساعد الشباب على اكتشاف ميولهم وقدراتهم في القيادة، أو التقنية، أو الصناعة، أو الإسعاف، أو الأمن السيبراني، أو الإدارة، أو ريادة الأعمال، في وقت مبكر، فيبنون مسارهم المهني على معرفة وتجربة، لا على التخمين.


ومن الآثار التي تستحق التأمل أيضًا أن البرنامج قد يسهم في إعادة ترتيب أولويات الحياة لدى كثير من الشباب. فيغرس قيمة التخطيط للمستقبل، والادخار، وتحمل المسؤولية، والعمل المنتج، وبناء الأسرة على أسس مستقرة. وعندما تترسخ هذه القيم، يصبح الزواج مشروع حياة، لا مناسبة اجتماعية يطغى فيها الإنفاق الاستعراضي والمضاهاة على الاستثمار في مستقبل الأسرة.


فالمجتمع يحتاج إلى ثقافة تجعل بناء الأسرة والبيت والمشروع المشترك أولى من المبالغة في تكلفة ليلة واحدة.


هذا لا يعني أن شباب اليوم يفتقرون إلى القيم أو الطموح أو الرؤية، فكثير من الأجيال الحالية أثبتت قدرتها على الإنجاز في ميادين عديدة وبكفاءة عالية، لكن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية أصبحت أعمق وأسرع من أن تواجهها برامج تدريبية متفرقة أو حلول جزئية. وما يحتاجه الشباب هو إطار وطني متكامل يواكب هذا التحول، ويمنحهم قاعدة مشتركة من المهارات والقيم والخبرات العملية.


إن التجنيد الوطني العصري لا ينبغي أن يؤطّر بالمفهوم التقليدي للتجنيد فقط، بل بوصفه أولاً استثمارًا إستراتيجيًا في الإنسان؛ لأن الدول التي تريد أن تتصدر اقتصاد المعرفة تحتاج إلى مواطن يجمع بين الانضباط والابتكار، وبين اللياقة البدنية والكفاءة الرقمية، وبين روح الفريق والقدرة على القيادة، وبين الانتماء الوطني والاستعداد للتعلم مدى الحياة.


ولعل الوقت قد حان للانتقال من مفهوم «التجنيد لإعداد الجندي» إلى مفهوم «التجنيد لإعداد المواطن». فالمواطن المؤهل هو أساس الأمن، ومحرك الاقتصاد، وركيزة المجتمع، وضمانة المستقبل. وإذا نجح هذا المشروع في بناء الإنسان، فإنه يكون قد أنجز أهم استثمار: الاستثمار في رأس المال البشري، الذي يصنع كل أشكال التنمية الأخرى لتضم مسارات عسكرية، وتقنية، صحية، صناعية، زراعية، بيئية، سيبرانية، مع منح المشاركين شهادات مهنية معتمدة، في مختلف مجالات رأس المال البشري، واقتصاد المعرفة.

00:30 | 21-07-2026

كأس العالم.. منافسة المنتخبات أم منافسة السرديات الدولية ؟

لم تعد صافرة البداية في كأس العالم تعني بدء مباراة في كرة القدم فقط، لكنها باتت تعني بدء تسعين دقيقة من التنافس على الانتباه العالمي.

في الملعب يتنافس فريقان، أما خارج الملعب فتتنافس دول، وثقافات، وهويات، وصور ذهنية، وسرديات وطنية كاملة على مساحة زمنية ثمينة محددة في وعي العالم.

فهل لا تزال كأس العالم بطولة كروية فحسب؟ أم أنها تحوّلت إلى أكبر وأهم منصة عالمية لإعادة توزيع القوة الرمزية بين الدول والشعوب؟

هناك قوة صاعدة يصعب إدراجها في الموازنات العسكرية أو القوائم المالية، لكنها شديدة التأثير وهي قوة صناعة الانطباع، وهو أن تجذب دولةٌ انتباه العالم، وأن تثير إعجابه، وأن تجعل الملايين يبحثون عن اسمها وموقعها وثقافتها وتاريخها، وأن ترتبط في الخيال العالمي بقصة أو قيمة أو إنجاز، وأن تستطيع تقديم أو إعادة تقديم نفسها إلى شعوب لم تكن تعرف عنك إلا القليل، فهذه ليست مجرد نتيجة رياضية، إنها مكسب استراتيجي في سوق الانتباه العالمي.

فمن يربح مساحة في خيال العالم؟

إن القوة الرمزية لأي دولة تبدأ حين تصبح حاضرة في خيال الآخرين. بعض الدول لا تحتاج إلى شرح طويل حتى تستدعي في أذهاننا صورة أو قيمة أو سردية. يكفي ذكر اسمها حتى تتحرك شبكة كاملة من الانطباعات والصور والمعاني. هذه الشبكة لم تتشكل بالمصادفة.

لقد أصبحت المنصات الرياضية العالمية أقصر الطرق فعلاً إلى بناء جزء من «الرصيد الرمزي» في عصر ما بات يعرف بـ«اقتصاد الانتباه». فهدف واحد في مباراة يجعل الملايين ينطقون اسم بلد للمرة الأولى، واحتفال لاعب بطريقة مستمدة من ثقافته قد يتحول إلى مادة بصرية عالمية.

وقميص أو لون أو رقصة شعبية أو حركة جماهيرية أو قصة لاعب قد تصبح بوابة يدخل منها العالم إلى هوية شعب بأكمله، من هنا فإن المنتخبات لا تلعب وحدها في كأس العالم، لكن الدول تلعب كذلك، والمنتخب ينافس على النتيجة، لكن الدولة تنافس على المحتوى والسردية. واللاعب يبحث عن المرمى، والمؤسسات الوطنية تبحث عن نافذة إلى الوعي العالمي، المدرب يضع خطة لتسعين دقيقة، فهل هناك من يضع خطة الدولة لاستثمار التسعين دقيقة سردياً؟

إن كأس العالم أكبر غرفة انتباه في العالم، وهي حالة إستراتيجية استثنائية لتكثيف وتركيز الانتباه العالمي. وفي فترة زمنية قصيرة لا تتكرر، لا بد أن نعرف ما الذي نريد أن يعرفه العالم عنا خلالها؟ وما هي القصة التي نريد أن تروى عن بلادنا؟ وما القيمة التي نريد أن ترتبط باسم بلدنا وشعبنا، والصورة التي نريد أن تبقى عالقة في أذهان الجماهير بعد خروج المنتخب، والكلمات التي نريد أن يستخدمها الإعلام العالمي في وصف بلادنا؟

هذه أسئلة لا تخص المدرب ولا اتحاد كرة القدم، إنها أسئلة موجهة إلى مؤسسة مسؤولة عن وضع وصيانة وتشخيص السرديات عن الدولة وشعبها. ولذلك يمكن القول بثقة: «قد تخسر المباراة وتربح العالم»! وفي المقابل يمكن لمنتخب أن يقدّم أداءً رياضياً مدهشاً، وتفشل مؤسسات دولته في تحويل ذلك النجاح إلى قيمة وطنية مستدامة. هنا يظهر الفرق بين الحدث واستثمار الحدث.

حين يحقّق منتخب مفاجأة عالمية، تبدأ نافذة زمنية قصيرة جداً لتساؤلات العالم، لذلك فالسرديات الوطنية لا تُكتب بعد المباراة بل يجب أن تكون جاهزة قبل صافرة البداية. فهل كانت سردياتنا لمنتخباتنا العربية جاهزة في كأس العالم الأخيرة ولماذا؟ وهل نجحنا في تقديم أنفسنا؟ ومَن مِن دولنا استطاعت تحويل المشاركة الرياضية إلى قصة وطنية؟ ومن جهّزت القصص الإنسانية والثقافية والسياحية مسبقاً؟ ومن هيأت اللاعبين السرديين، لا مجرد نجوم رياضيين؟ فقد يصنع اللاعبون لحظة تاريخية، ثم تكتفي المؤسسات الرسمية بالتهنئة فقط، وإعادة بث الأهداف، وترديد عبارات الفخر.

وهنا بالتحديد، يجب أن تبدأ السردية، فهل هي مسؤولية وزارات الإعلام؟

ربما حان الوقت للاعتراف بأن إدارة الصورة الوطنية والسرديات الدولية أصبحت أكبر من أن تكون «مهمة إعلامية» بالمعنى التقليدي، وزارة الإعلام قد تدير سياسات إعلامية، ووزارة السياحة تروّج للوجهات السياحية، ووزارة الثقافة تقدّم المكوّنات والمنتجات الثقافية، والاتحاد الرياضي يدير المنتخب، والبعثات الدبلوماسية تتحرك في نطاقها.

لكن من يجمع كل ذلك في سردية وطنية واحدة ويشخّص الصورة الذهنية للدولة في العالم ويراقب تحوّلات هذه الصورة ويحدد الفجوة بين الواقع والكيفية التي يرانا بها الآخرون؟

ومن يبني بنك السرديات الوطنية ويحدد السردية المناسبة لكل دولة ولكل شعب ولكل منصة ولكل موقف، ويجهز الدولة للحظات الانتباه الخاطفة ويتدخل عندما يمنح حدث رياضي أو ثقافي أو سياسي الدولة نافذة عالمية لا تتكرر؟

إن الحاجة تتضح يوماً بعد يوم إلى جهاز وطني احترافي للسرديات والصورة الذهنية والقوة الرمزية، ليس جهازاً دعائياً أو مصنعاً للشعارات، وليس إدارة للعلاقات العامة، بل مركز إستراتيجي متعدد التخصصات، يعمل فيه خبراء الإعلام والسياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس السلوكي والبيانات والثقافة والتاريخ واللغات والذكاء الاصطناعي. يقوم بدراسة موقع الدولة في الوعي العالمي ويشخص سردياتها ويبنيها ويصونها ويختبر قدرتها على الانتقال بين الثقافات ويراقب السرديات المضادة ويقيس أثر كل ذلك بمؤشرات علمية.

أظن أننا بحاجة إلى غرفة عمليات سردية تعمل قبل كأس العالم وقبل كل مناسبة عالمية أو إقليمية أو محلية وازنة ومهمة، وتدرس الدول والأسواق الإعلامية واتجاهات البحث واهتمامات الجماهير والصور النمطية السائدة عن الدولة، وتأخذ على عاتقها بناء عشرات القصص القابلة للتداول وبلغات مختلفة، وتدرّب اللاعبين والبعثة والجماهير والمؤثرين على تقديم عناصر الهوية بصورة طبيعية غير مصطنعة، وتربط كل مباراة بفرصة ثقافية أو سياحية أو اقتصادية.

إن من لا يمتلك سرعة سردية توازي سرعة الحدث يخسر الانتباه ولو امتلك الحقيقة والقصة والإنجاز، فكأس العالم إحدى أكبر أسواق السمعة والقوة الرمزية في العالم، فهناك دول تحصد الأهداف في الملعب، ودول تحصد الانتباه، ودول تحصد الإعجاب، ودول تعيد تقديم هويتها، ودول تدخل خيال الشعوب للمرة الأولى، أما الدول التي لا تمتلك سردية جاهزة فقد تشارك، وتفوز، وتحتفل، ثم تغادر المسرح العالمي دون أن تترك قوة رمزية في وعي العالم وأثراً يوازي حجم اللحظة التي مُنحت لها.

00:01 | 14-07-2026

حروب السرديات وإعادة تعريف دور وزارة الإعلام!

في ظل تصاعد «حروب السرديات» الإقليمية والدولية وتحديداً مع تداخل خيوط الصراع المعقد بين أمريكا وإسرائيل وإيران، برز دور وزارة الإعلام السعودية كركيزة صلبة لحماية الوعي الوطني، ولم تكن الرسالة الإعلامية مجرد تغطية إخبارية بل صمام أمان منح المجتمع الطمأنينة والاستقرار وسط فيض المعلومات المضللة.

لقد تغيّر الإنسان المعاصر أكثر مما تغيّر الإعلام. فالإنسان المعاصر يعيش وسط فيض هائل من الرسائل والمعلومات والبيانات، ولم يعد يملك الوقت ليفحص كل معلومة. ولذلك أصبح يعتمد على الاختصارات الذهنية، وعلى الأشخاص الموثوقين الذين يشرحون ويقرّبون له المعنى، وعلى القصص التي تقرّب المعنى وتمنحه تفسيراً سريعاً للعالم. وهنا دور السردية ومكمن قوتها.

كثيراً ما تنتصر السردية أو الرواية في تقديم الحقيقة من زاويتها لأنها أكثر قدرة على مخاطبة الإنسان من موقعه وكما هو، لا كما يفترضه أو يخطط له الخبراء. فهي تخاطب المشاعر قبل الأرقام، والهوية قبل المنطق، والانتماء قبل التحليل، والرمز قبل الوثيقة، فالحقيقة لا تتحدث دائماً عن نفسها، ولا تدافع عن معناها، ولا تنتشر تلقائياً. إنما تحتاج الحقيقة إلى من يرويها، ويشرح دلالاتها، ويقدّمها بلغة يفهمها الناس ويثقون به. فعندما تغيب هذه المهمة، تتقدّم السردية أو السرديات المنافسة لتملأ الفراغ، سواء كانت صادقة أو مضللة.

لقد تحوّل العالم من عصر «حروب المعلومات» إلى عصر يمكن تسميته بـ«حروب السرديات». ففي الماضي كان السؤال: من يمتلك المعلومة؟ أما اليوم فأصبح السؤال: من يمتلك القصة والرواية التي تمنح تلك المعلومة معناها والدلالة؟ وأزمة مضيق هرمز أوضح صورة لهذا الموضوع.

لكن السردية ليست مجرد رواية خيالية للأحداث، بل هي الإطار الذي يحدد كيف يفهم الناس تلك الأحداث، ومن هو الضحية، ومن هو البطل، وما الذي يجب أن يصدّق، وما الذي ينبغي أن يرفض. من هنا فالسردية قادرة على إعادة ترتيب الحقائق داخل عقل المتلقي، دون المساس بالحقيقة.

أبلغ الأخطاء التي تقع فيها بعض المؤسسات هو الاعتقاد بأن نشر البيانات الرسمية أو عقد المؤتمرات الصحفية يكفي لكسب الرأي العام وكفيل بإيضاح الصورة. لكن البيان الصحفي ليس سردية، والإحصائية والأرقام ليست قصة، والمؤتمر الصحفي ليس بالضرورة عملاً مقنعاً.

ولعل أخطر وأصعب المعطيات الرقمية أن خوارزميات المنصات الرقمية لا تكافئ الحقيقة، بل تكافئ التفاعل بأعداد المتابعين. فهي تمنح الانتشار لما يثير الانتباه، ويستفز المشاعر، ويحفّز المشاركة، بصرف النظر عن مستوى دقته ومصداقيته. وبهذا تصبح الحقيقة، إن قُدّمت بطريقة جامدة، أقل قدرة على الوصول من رواية مثيرة، حتى لو كانت مشوّهة أو مجتزأة.

وهنا تبدأ حروب السرديات، وهي صراع على تفسير الواقع أكثر من كونها صراعاً على الواقع نفسه. فالأطراف المختلفة لا تتنافس فقط على نقل ما حدث، بل على تحديد ماذا يعني ما حدث، وكيف يجب أن يتذكره الناس، وما القرارات التي ينبغي أن يبنوا عليها مواقفهم.

ولهذا أصبحت السردية أصلاً من الأصول الإستراتيجية التي لا تقل أهمية عن الأصول الاقتصاد أو التقنية أو القوة العسكرية. فالدولة التي تفقد القدرة على تفسير أفعالها للداخل والخارج، قد تجد أن الآخرين يتولون كتابة قصتها نيابة عنها. ومن يكتب القصة، يمتلك في كثير من الأحيان القدرة على تشكيل الانطباعات، وتوجيه الرأي العام، وصناعة الشرعية أو نزعها.

لكن يجب التمييز بوضوح بين بناء السردية وصناعة الوهم. فالسردية المهنية لا تعني تجميل الواقع أو إخفاء الحقائق أو التلاعب بالجمهور، وإنما تعني تنظيم الحقائق داخل إطار واضح ومفهوم ومقنع، يحفظ الدقة ويُحسن التواصل. أما الدعاية، فتعتمد على الانتقائية والتضليل والتشويه، حتى وإن نجحت مؤقتاً.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى سردية؟ بل لماذا لا نبني السردية في أوقات الاستقرار، ثم ما هي السردية الصلبة التي يمكن البناء عليها، ولماذا لا يستثمر في القدرات البشرية الخبيرة والضالعة في بناء تلك السرديات؟

إن المؤسسات الناجحة لم تعد تكتفي بإدارة الإعلام، بل أصبحت تعرف كيف يفكر جمهورها، وما الذي يقلق هذا الجمهور، وما اللغة التي يتفاعل معها، ثم تبني رسائلها بما يحافظ على الحقيقة ويجعلها قابلة للفهم والتبني من موقع هذا الجمهور.

كما أن السردية الناجحة لا تُصنع وقت الأزمات فقط، بل تُبنى في أوقات الاستقرار. فالثقة التي تُراكمها الدول أو المؤسسات خلال سنوات، تصبح رأس مالها الحقيقي عندما تواجه أزمة أو شائعة أو حملة تضليل. أما من يتذكر التواصل فقط عند وقوع الأزمة، فإنه يبدأ من نقطة الصفر بينما تكون السرديات المنافسة قد قطعت شوطاً بعيداً.

ولعل المرحلة المقبلة ستشهد انتقال المنافسة بين الدول من سباق الموارد إلى سباق القدرة على تفسير الذات. فالقوة لن تُقاس بما تملكه الدول من إمكانات فحسب، بل أيضاً بقدرتها على تحويل إنجازاتها إلى قصة يفهمها مواطنوها، ويقتنع بها العالم. وهذا كله ضمن أربعة عناصر متلازمة: حقيقة راسخة، وسردية ذكية، وتوقيت مناسب، وثقة متراكمة. ولا ننسى أبداً أن حماية الحقيقة لا تبدأ بجمع الأدلة فقط، بل تبدأ أيضاً بإتقان فن روايتها.

أخيراً، ليس من التهويل القول بأن السردية الوطنية تعد جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني والذي يتطلب إعادة تعريف دور ومنطلقات وزارة الإعلام وإدارات الإعلام من خلال إيجاد بنك للسرديات الوطنية وقاعدة معرفية تحتوي على القصص الوطنية والإنجازات والشخصيات والرموز والأزمات السابقة والدروس المستفادة. كما يتطلب رصداً لحروب السرديات وقد يدخل فيها رصد الشائعات والحملات المنظمة والاتجاهات الرقمية والتحوّلات في الرأي العام والسرديات الخارجية في المنصات الاجتماعية ومحركات البحث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والموسوعات الرقمية والمحتويات متعددة اللغات.

00:01 | 7-07-2026

تشريع حكومي يعتق العروسين اجتماعياً من مديونية العمر

لم تعد تكاليف حفلات الزواج ترفاً اجتماعياً أو شأناً عائلياً خاصاً، بل أصبح قضية مجتمعية واقتصادية تستنزف طاقات الأسر، وتؤخر زواج الشباب، وتدفع بعضهم إلى الديون، وتحوّل مناسبة الفرح إلى مشروع مالي مرهق، يبدأ قبل ليلة الزواج ولا ينتهي بعدها إلا بسنوات من سداد المديونية والضغط النفسي والاجتماعي.. وهذا ربما أحد أهم الأسباب التي أدت إلى انخفاض معدلات الزواج وربما ارتفاع معدلات الطلاقات وبالتالي انخفاض نسبة المواليد.

لقد خرجت كثير من مناسبات الزواج عن حجمها الطبيعي ونطاقها المنطقي. فلم تعد المسألة وليمة فرح، ولا اجتماع أهل، ولا إعلان مرحلة أسرية جديدة، بل تحوّلت في بعض الحالات إلى سباق مكلف في القاعات، والضيافة، والتجهيزات، والتصوير، والهدايا، والبروتوكولات، والمظاهر، وحتى صار العريس وأسرته والعروس وأهلها أسرى لتوقعات اجتماعية لا تنتهي. وكلما حاولت أسرة أن تعتدل وتتزن، وجدت نفسها تحت ضغط المقارنة والمباهاة: ماذا سيقول الناس؟ فهل نحتفل بزواجات أبنائنا وبناتنا، أم نتباهى بحفلة ليلة ستصبح كابوساً مالياً يلاحق العروسين وأسرتيهما وربما ينهي أحلامهما الزوجية؟

وهل يدخل آلاف الشباب والفتيات الحياة الزوجية وهم يحملون حلماً جميلاً أم يدخلون وهم يحملون قروضاً ومديونيات والتزامات مالية قد تمتد سنوات طويلة.

هنا تتضح الحاجة إلى تدخل رشيد لا يصادر الفرح، ولا يمنع الناس من الاحتفال، ولكنه يعيد الأمور إلى نصابها. فالتشريعات الحكومية في مثل هذه القضايا لا تتدخل في الخصوصيات، لكنها تحمي المجتمع من عرفٍ مرهق تحوّل إلى كابوس شبه أبدي. كما أن التشريع لا ينبغي أن يكون عقابياً فقط، بل حاضناً ومسانداً ومشجعاً على الاعتدال.

نحن بحاجة إلى تشريع يضع بروتوكولاً وسقفاً أعلى للالتزامات المالية في مناسبات الزواج، وينظم عدد الفعاليات المصاحبة للاحتفال، ويحد من الهدر الغذائي، ويمنع المبالغات التي تحوّلت إلى معيار اجتماعي لا يمت للزواج بِصِلة.

ليس من العدل أن يُدفع شاب في بداية حياته إلى الاقتراض من أجل ليلة واحدة، ولا أن تتحوّل الأسرة الجديدة إلى مشروع مديونية بدلاً من أن تبدأ حياتها بمسكن، وادخار، واستقرار، وخطة مستقبل.

الأهم من التشريع نفسه أن يكون مصحوباً بمبادرات حكومية واجتماعية ترفع الحرج عن الناس. فالناس لا يسرفون لأنهم يريدون الإسراف، بل لأنهم يخشون كلام المجتمع. لذلك فإن وجود سقف نظامي واضح يمنح الأسر عذراً نبيلاً أمام الآخرين: «النظام لا يسمح»، هكذا يتحوّل التشريع من قيد إلى حماية، ومن منع إلى انعتاق وانفراج.

ويمكن أن تتبنى الجهات الحكومية والجمعيات الاجتماعية مبادرات مثل: «الزواج الرشيد»، و«زواج بلا مديونية»، و«فرح بلا هدر»، بحيث تمنح الأسر الملتزمة تسهيلات وشهادات، وحوافز، وخصومات، وأولوية في بعض برامج الدعم، مع اعتماد قاعات أفراح مسؤولة تقدم باقات معتدلة ومعلنة وتتبنى ذات المنهج، فتلتزم بتقليل الهدر، وتنظيم عدد الضيوف، وتحجيم مظاهر البذخ ومزادات عدد الضيوف وحجم المائدة.

كما ينبغي أن يتكامل هذا التشريع مع خطاب ديني واجتماعي وإعلامي يعيد تعريف الفرح ومفهوم الزواج. فالفرح لا يقاس بحجم المائدة ولا بعدد المدعوين الذين لا نعرف أغلبهم ولا فخامة القاعة، ولا بكثافة التصوير، بل بنجاح الخطة وفق الإمكانات دون تضحيات من البعض لحساب صورة وهمية بالية من التفاخر الشكلي، وبراحة النفوس، وكرامة العروسين، وسلامة الأسرة من المديونية والضغوط.

إن المجتمع الذي يربط زواج أبنائه وبناته بالبذخ والضيافة العشوائية الفوضوية، يتسبب من حيث يدري ولا يدري في تأخير أعداد كبيرة من الشباب، ويساهم بتوسيع الفجوة بين القدرة والرغبة.

إن فوضى مناسبات الزواج ليست مجرد هدر مالي، بل هدر للمعنى والقيمة والدلالة. حين تصبح ليلة الزواج أهم من الحياة الزوجية نفسها، وحين يصبح رضا الناس مقدماً على مصلحة العروسين، وحين تُستنزف ميزانية الأسرة في مظاهر عابرة، فإننا أمام خلل ثقافي اجتماعي أخلاقي يحتاج إلى مراجعة شجاعة في المعالجة.

المطلوب اليوم ليس إلغاء الاحتفال، بل تهذيبه وتحديث مفهومه. ووضع مؤشرات تقيس مستهدفات الزواجات البعيدة عن التفاخر والمباهاة وإنقاذهم من عرف اجتماعي صار أثقل من قدرتهم.

إن التشريع الحكومي الرشيد، إذا جاء متوازناً ومدعوماً بمبادرات توعوية وحوافز اجتماعية، يمكن أن يصنع تحوّلاً كبيراً في ثقافة الزواج، ويعيد المناسبة إلى معناها الأصيل، بداية أسرة، لا بداية مديونية؛ وبناء حياة، لا طهبلة ليلة؛ وفرح مبارك، لا سباق مكلف في البذخ والهدر، خاصةً مع انعدام تحديد المسؤولية عن فوضى الهدر والبذخ.

لقد آن الأوان أن نقول بوضوح إن الزواج ليس ميدان منافسة اجتماعية، بل ميثاق حياة. وكل ريال يُنقذ من الهدر يمكن أن يتحوّل إلى استقرار، وكل عادة تُرشّد يمكن أن تفتح باباً لزواج ميسّر، وكل تشريع عاقل في هذا الباب هو حماية للمجتمع من نفسه، ورحمة بالشباب، وإنصاف للأسر، واستثمار في مستقبل أكثر اتزاناً. خاصة في ظروف اقتصادية جعلت الكثير من الشباب خارج دائرة العمل وخارج الدورة الاقتصادية، وفي ظروف اجتماعية تخيم عليها انخفاض معدلات الزواج وارتفاع معدلات الطلاق.

00:03 | 30-06-2026

متحف ومسجد عمر بن الخطاب في الجوف

ليست كل الخسائر ممكنة التعويض أو سهلة التعويض كالخسائر المادية والاقتصادية، فبعض تلك الخسائر تمس الذاكرة والهوية والوجدان والتاريخ. وحين ينهار أثر تاريخي عريق أو يتعرّض للإهمال حتى يفقد أصالته، فإن ما يضيع ليس حجارةً وطيناً فحسب، بل جزء من قصة المكان وسيرة الإنسان وذاكرة الوطن.

وفي منطقة الجوف تقف قلعة مارد شامخة منذ قرون طويلة، شاهدة على تعاقب الحضارات والأمم والقوافل والجيوش. إنها واحدة من أقدم القلاع والحصون في الجزيرة العربية، وواحدة من أبرز المعالم التاريخية التي ارتبط اسمها بتاريخ شمال الجزيرة العربية منذ عصور سحيقة.

إن الخطر الذي يواجه المواقع التاريخية والآثار ليست الحروب والكوارث الطبيعية فحسب، بل ذلك التآكل البطيء الذي يحدث بصمت عاماً بعد عام، عندئذ تصبح عملية الإنقاذ أمراً بالغ الصعوبة والكُلفة. قلعة مارد وأسوارها وحصونها تحتاج إلى تدخل احترافي عاجل وفق أعلى معايير المحافظة على التراث، قبل أن تتفاقم الأضرار أو نفقد أجزاء من هذا المعلم الذي لا يمكن تعويضه إذا انهار أو تشوهت ملامحه الأصلية.

أهيب بوزارة الثقافة الحفاظ على المواقع الأثرية القائمة ذات القيمة التاريخية العالية وصيانتها وترميمها ببالغ الأهمية، خاصة عندما يكون الموقع بعراقة حصن مارد وقيمة مسجد عمر بن الخطاب ومئذنته الأقدم في الإسلام.

كما أنني أتمنى أن تتآكل الفجوة التنموية والإدارية والإجرائية بين القطاعين العام والخاص ليصار إلى تأسيس متحف الخليفة عمر بن الخطاب بجوار مسجد عمر بن الخطاب في الجوف وضمن الواحة التي تضم قلعة مارد ومسجد عمر بن الخطاب وحي الدرع، فذلك أهم تكريم في نظري لهذا الخليفة، لأسبقية إنجازاته وتعددها وأهميتها وتأثيرها في العالم.

إن التعامل مع هذه المواقع بوصفها آثاراً صامتة فقط يمثل هدراً لفرصة تنموية وسياحية وثقافية كبيرة. يجب أن تتحوّل القلاع والحصون والأحياء التاريخية إلى محركات اقتصادية تدر دخلاً مستداماً، فما ينقصنا ليس التاريخ، بل الاستثمار الذكي في التاريخ.

إن مشروعاً متكاملاً لتأهيل قلعة مارد ومسجد عمر بن الخطاب وحي الدرع يمكن أن يحوّل المنطقة إلى واحدة من أهم الوجهات التراثية السياحية في المملكة والمنطقة العربية. ويمكن أن يشمل ذلك إنشاء مسارات سياحية تفاعلية، ومراكز للزوّار، ومتاحف رقمية، وعروضاً ضوئية وصوتية تحكي تاريخ الجوف، ومهرجانات ثقافية موسمية، وأسواقاً للحرِف التقليدية، ومقاهي ومطاعم ذات طابع تراثي، إضافة إلى برامج تعليمية وبحثية تستقطب الباحثين بالآثار والمهتمين بها.

تمتلك المنطقة ميزة تنافسية عالية تتمثل في العديد من القلاع والحصون والمواقع الاستيطانية الأقدم، ومنها قلعة زعبل في سكاكا، وموقع الرجاجيل، وموقع الشويحطية الذي تشير التنقيبات أنه أقدم استيطان بشري في آسيا، بالإضافة إلى جبل الجمل الذي يعد الوحيد في العالم من حيث التكنيك المستخدم لنحت الجمل بالكامل على الجبل. كما أن عدداً من البعثات الأجنبية تعمل على اكتشاف المزيد من المواقع الأثرية الكامنة التي تزخر بها منطقة الجوف نظراً لموقعها الإستراتيجي وتعاقب العديد من الحضارات والجيوش عليها منذ آلاف السنين. لكن ذلك كله للأسف لم يقنع إدارة جامعة الجوف بفتح كلية أو قسم للآثار والسياحة في الجامعة مثلما أن الهوية الاقتصادية الزراعية لمنطقة الجوف لم تقنع إدارة جامعة الجوف حتى الآن بفتح كلية زراعة في جامعة الجوف.

إنني أحيي جهود التنقيب والبحث عن الآثار التي تزخر بها كافة مناطق المملكة التي تقوم بها بعثات التنقيب بإشراف ومتابعة من الجهات الحكومية وفي مقدمتها وزارة الثقافة، لكن ترميم المواقع الأثرية والآثار القائمة وصيانتها يجب ألا يقل أهمية عن جهود التنقيب.

إن السؤال الذي يجب أن يوجه لوزارة الثقافة ليس: كم ستكلف أعمال الترميم؟ بل: كم سيكلفنا التأخر في الترميم؟ فكل عام يمضي دون معالجة شاملة يزيد من احتمالات التدهور ويرفع فاتورة الإنقاذ المستقبلية، وقد يقود إلى خسائر لا يمكن تعويضها مهما أنفقنا بعدها من أموال.

كما أن المواقع الأثرية يجب أن تكون مجالاً سياحياً من خلال تذليل كل الصعوبات التي تحول دون استثمار تلك المواقع من قبل روّاد الأعمال بالمطاعم والكافيهات وغيرها من وسائل الثقافة المصاحبة.

إنني لا أعرف معنى لإغلاق موقع مارد أو مسجد عمر وغيرهما في وجه الزوّار والسيّاح، مثلما أنني لا أجد سبباً يحول دون صيانة وترميم هذه المواقع دائماً وباستمرار. إننا يجب ألا نكتفي بكتابة التاريخ، بل أن نحوّل إرث الماضي إلى فرص في الحاضر.

00:10 | 23-06-2026

ثقافة المسافة في علاقاتنا المهنية والاجتماعية

رغم أن هناك فرقاً بين ما يسمى «العلاقات الاجتماعية» وما يسمى «العلاقات المهنية»، إلا أنهما يشتركان في تنامي الحاجة لخلق ما يسمى «ثقافة المسافة».

فبعدما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على اختراق أدق تفاصيل حياتنا، يبدو الحديث عن «المسافة» بين الناس حديثاً غير مألوف، بل وربما يُساء فهمه أحياناً على أنه دعوة إلى البرود أو الانعزال. لكن الحقيقة أن كثيراً من العلاقات لا تضعف بسبب البعد، وإنما بسبب الاقتراب المفرط، وأن كثيراً من الروابط الإنسانية لا تنهار بسبب قلة التواصل، وإنما بسبب غياب الحدود.

فكما أن لكل دولة حدوداً تحفظ سيادتها، ولكل منزل أبواباً تحفظ خصوصيته، فإن لكل إنسان مساحة شخصية يحتاج إليها ليحافظ على توازنه النفسي وكرامته واستقلاليته. ومن هنا تأتي أهمية ما يمكن تسميته بـ«ثقافة المسافة».

المسافة هنا لا تقاس بوحدة القياس الرياضية والإحصائية ولا تعني القطيعة، ولا تعني الجفاء، ولا تعني جفاف المشاعر الإنسانية أو انعدام الود، ولا تعني التخلي عن الواجبات الاجتماعية والأخلاقية أو المسؤوليات والواجبات المهنية، لكنها تعني إدراك الحدود المناسبة «المرئية» و«غير المرئية» التي تجعل العلاقة صحية وتضمن الاستدامة والاستمرارية الطبيعية دون تقلبات.

في دائرة الأصدقاء، كثيراً ما تبدأ المشكلات عندما يتحوّل الصديق إلى مراقب دائم لتفاصيل حياة صديقه، أو عندما تتحوّل الصداقة إلى شعور بالملكية والوصاية. فالصديق الحقيقي لا يحتاج إلى أن يعرف كل شيء عن صديقه، ولا أن يكون حاضراً في كل لحظة، ولا أن يفسر كل غياب على أنه تقصير أو إهمال. فالصداقة الناضجة تمنح مساحة للحرية بقدر ما تمنح مساحة للمودة.

أما في بيئة العمل، فإن ثقافة المسافة تصبح أكثر أهمية. فالعلاقات المهنية الناجحة تحتاج إلى قدر من الاحترام المتبادل والوضوح في الأدوار والحدود. وعندما تختلط العلاقات المهنية بالعلاقات الشخصية بشكل مفرط، قد تتعقد القرارات، وتختلط المصالح، وتظهر حساسيات تصعب إدارتها. ولذلك فإن كثيراً من المؤسسات الناجحة لا تبني ثقافتها على القرب الشخصي بقدر ما تبنيها على الاحترام المهني.

وفي العلاقات الأسرية والقرابة، يتكرر الأمر ويصبح تحدياً أكبر. فالمحبة العائلية لا تعني التدخل المستمر في تفاصيل حياة الآخرين، ولا تعني فرض الوصاية على القرارات الشخصية. من أجل ربما أصبحنا نتفاجأ بحجم التوتر أو القطيعة بين بعض الأشقاء، والتي يتم تفسيرها جهلاً بأنها تضارب مصالح أو أطماع أو غير ذلك من الأسباب الظاهرية، لكننا أبداً لا نعير اهتماماً ولا ننتبه للأسباب الناجمة عن كثرة وتكرار التدخل غير المبرر وعدم مراعاة المسافة التي تضمن مساحة من الحرية للأخ أو الصديق أو الزميل، وعدم إدراك أن المحبة لا تمنحك حق السيطرة.

حتى الجيرة، التي تعد من أرقى العلاقات البشرية، تحتاج إلى هذه الثقافة. فالجار الصالح ليس من يقتحم خصوصيات جاره، وإنما من يعرف متى يقترب ومتى يبتعد، ومتى يقدم المساعدة ومتى يترك لصاحبه حق الاختيار والخصوصية.

ومن المفارقات أن بعض الناس يظنون أن قوة العلاقة تقاس بمقدار القرب، بينما تشير تجارب الحياة إلى أن قوة العلاقة تقاس بقدرتها على البقاء. والعلاقات التي تبقى طويلاً هي غالباً تلك التي نجحت في الحفاظ على التوازن بين القرب والمسافة، بين الحضور والغياب، وبين الاهتمام والاحترام.

ثقافة المسافة ليست ثقافة تباعد، بل ثقافة نضج. وهي لا تقلل من قيمة العلاقات، بل تحميها من الاستهلاك والابتذال ومن تجاوز خطوط الاستقلالية والصدام أو الاحتكاك المفرط الذي يحول المودة إلى ضيق ونفور، والاهتمام الزائد إلى رقابة، والقرب إلى عبء. فالمسافة الحكيمة هي الجسر الذي يحفظ العلاقة من الانهيار، ويمنحها فرصة الاستمرار والنمو عبر الزمن.

المسافة المطلوبة للحفاظ على من تربطنا بهم علاقة وود، تشبه إلى حد كبير المسافة بيننا وبين النار في ليالي الشتاء. إذا ابتعدنا عنها كثيراً شعرنا بالبرد، وإذا اقتربنا منها أكثر مما ينبغي تعرضنا للاحتراق.

لعل هذه الإشكالية هي ما جعل الغالبية يؤثرون التواصل مع أصدقائهم وزملائهم من خلال الهاتف والواتساب وغيرهما من قنوات التواصل الاجتماعي، وذلك لسهولة التحكم بالمسافة من خلال الحظر أو عدم الرد أو العديد من أساليب وقف المضايقات من دائرة المقربين.

أخيراً، إذا كنا نتجاوز هذه الظاهرة في العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع حسب نوع العلاقات الاجتماعية، فهل يمكن غض النظر عن هذه الظاهرة عندما تقوم بها الشركات وأرباب العمل مع موظفيهم خارج العمل وفي بيوتهم وفي إجازاتهم وخلال إجازة نهاية الأسبوع؟

في المؤسسات والشركات العامة وغير العامة من يستغل حاجة الموظفين الماسة للوظيفة، خاصة صغار الموظفين، وهناك من يستغل جهل الموظفين الجدد بحقوقهم فيكلفهم في منازلهم وفي إجازاتهم ويستنزفهم بالإيميل والواتساب والهاتف للقيام بعمل دون تكليف ودون مقابل. إذا لم يكن هذا استغلالاً، فما الذي يمكن أن يكون؟

لقد حان وقت سن تشريعات وخلق ابتكارات تلزم المؤسسات وأرباب العمل بأن تحفظ حقوق الموظفين أمام مديريهم وزملائهم في العمل والذين يستغلون حاجتهم للوظيفة أو الذين يجهلون حقوقهم فيشغلونهم سخرةً خارج أوقات الدوام أو يبتزونهم بطريقة غير مباشرة بإعطائهم إجازاتهم مقابل الإبقاء على قنوات الشغل مفتوحة خلال إجازات الأسبوع والأعياد والإجازات السنوية وحتى أنصاف الليالي.

هناك حاجة ماسة لحفظ حقوق صغار الموظفين والموظفين الجدد من بعض أرباب العمل ومن المديرين والعاملين الذين يستغلونهم كحلقة ضعيفة تكافح للبقاء في الوظيفة وعدم خسارتها.

00:14 | 16-06-2026

المؤسسات والتحوّل من السلطة الإدارية المطلقة إلى سلطة البيانات..

على مدى أكثر من قرن، بُنيت المنظمات الحديثة على نموذج هرمي واضح: المعلومات تصعد إلى الأعلى، والقرارات تنزل إلى الأسفل. وكانت السلطة مرتبطة بالموقع الوظيفي، وكلما ارتفع الشخص في الهيكل التنظيمي ازدادت قدرته على الوصول إلى المعلومات وصلاحياته وبالتالي اتخاذ القرار. لكن الثورة الرقمية قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب، وبدأت تعيد تعريف مفهوم السلطة وخطوطها داخل المؤسسات.

كان المدير أو الرئيس يمتلك سلطة شبه مطلقة تبعاً لما يمتلكه ويحتكره من المعرفة بتفاصيل المنظمة ومجالات عملها. التي تحرك المنظمة وتتحرك بها المنظمة. فالتقارير تمر عبره، والبيانات تتجمع عنده، والموظفون يعتمدون عليه وعلى مكتبه في تحليل وفهم الواقع.

لكن الواقع الرقمي الجديد خلط الأوراق في المنظمات. فقد مكّنت سلطة البيانات بعض العاملين وبعض الإدارات الوسطى من نفس البيانات والتحليلات التي يتحصّل عليها المدير وربما أكثر، وأصبحت تلك البيانات متاحة رسمياً لكل من لديه صلاحية الوصول، بجانب «العاملين عليها» من الفنيين و المتخصصين عبر لوحات التحكم الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي ومنصات التحليل المتقدّمة. فإذاً، لم يعد السؤال (مَن يملك المعلومات؟) بل أصبح (مَن يستطيع تفسير البيانات واتخاذ القرار الصحيح بناءً عليها؟).

من ناحية أخرى، تسبّب الواقع الرقمي الجديد بتقليص المسافة بين صانع القرار والواقع التشغيلي للمنظمة. فالمدير التنفيذي أصبح مطالباً بالإلمام بأبجدية قراءة مؤشرات الأداء، والإنتاجية وحركة المبيعات، ورضا العملاء، ليختصر المرور بسلسلة طويلة من الإدارات الوسطى. وهنا بدأت تظهر أولى علامات التحوّل في مراكز القوة داخل المنظمات.

الإدارات الوسطى كانت تقليدياً تؤدي دور الوسيط بين القيادة العليا والتنفيذ. لكنها اليوم تواجه تحدياً غير مسبوق. فكلما ازدادت الأنظمة الرقمية ذكاءً، تراجعت الحاجة إلى بعض الوظائف التي تعتمد أساساً على نقل المعلومات وتجميع التقارير وإعداد الملخصات وقراءة النتائج. وأصبحت قيمة الإدارة الوسطى مرتبطة بقدرتها على التحليل والتوجيه والتمكين.

فهل نحن أمام نهاية السلطة الهرمية التقليدية؟ المنظمات لا تعمل دون قيادة ومسؤوليات واضحة، لكن ما يحدث هو تحوّل تدريجي من «سلطة المنصب» إلى «سلطة المعرفة والبيانات». فالقرار لم يعد يستمد شرعيته فقط من توقيع المدير، بل أصبح يستمد رشده ونضجه من الأدلة الرقمية التي تدعمه.

إننا نشهد صعود نموذج جديد يمكن تسميته «السلطة الأفقية للبيانات». ففي هذا النموذج تتدفق المعلومات عبر المنظمة كلها في الوقت نفسه، ويصبح بإمكان فرق العمل المختلفة الوصول إلى مؤشرات الأداء ذاتها. وهنا تتحوّل القوة من احتكار المعلومة إلى القدرة على قراءتها واستثمارها.

ولعل أخطر ما في هذا التحوّل أنه يغيّر طبيعة القيادة نفسها. فالقائد الرقمي لا ينجح لأنه الأكثر إصداراً للأوامر، بل لأنه الأكثر قدرة على بناء الأنظمة، وطرح الأسئلة الصحيحة، وقراءة الإشارات المبكرة وتوجيه المنظمة بناءً على البيانات.

وقد تشهد المرحلة القادمة ظهور هياكل تنظيمية أكثر أفقيّة وأقل هرميّة، حيث تتراجع المستويات الإدارية المتعددة لصالح فرق عمل مرنة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وفي بعض المنظمات قد يصبح محلل البيانات أو مهندس الخوارزميات أكثر تأثيراً في القرار من مدير تقليدي يمتلك سلطة إدارية كبيرة، لكن دون فهم عميق للبيانات.

ومع ذلك فالمستقبل لا يشي بصراع بين المدرستين: التقليدية الهرمية والرقمية الأفقية، بل ستتبنى أغلب المنظمات الدمج بين النموذجين. فالمنظمة الناجحة ستكون تلك التي تجعل البيانات أساس القرار، دون أن تتخلى عن الدور البشري في تفسير الدلالات وصناعة القرارات المستقبلية.

إن أكبر تحوّل تشهده المؤسسات اليوم ليس انتقال القرار من مدير إلى موظف، بل انتقاله مِن «مَن يملك السلطة؟» إلى «مَن يملك الفهم الأعمق للبيانات؟». وعندما تصبح البيانات لغة المنظمة المشتركة، فإن النفوذ لن يُقاس بعدد المرؤوسين في الهيكل التنظيمي، بل بقدرة الفرد أو الفريق على تحويل البيانات إلى قيمة، والمعلومات إلى قرار، والقرار إلى أثر.

عندئذ يكون السؤال الأهم (كيف نعيد تصميم السلطة نفسها في عصر البيانات؟)؛ لأن السلطة التي لا تتكيّف مع الرقمنة قد لا تختفي فحسب، بل قد تصبح غير ذات صلة في عالم يتخذ قراراته بفاعلية وسرعة فائقتين.

كما أن الفرصة سانحة للجهات المهتمة بالتغيير الإداري، لإجراء دراسة استكشافية وتشخيصية شاملة لكافة القطاعات والوقوف على المرحلة التي يمكن من خلالها التنبؤ بالإتجاهات الإدارية المستقبلة للمؤسسات، وما إذا كان هناك تفاوت واختلاف بين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة في هذا المجال.

00:19 | 9-06-2026