أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1911.jpg?v=1786031254&w=220&q=100&f=webp

حياة الحريري

اليونيفيل ليست قدراً... فمتى يصنع لبنان قدره؟

بعد ٤٨ عاماً، تتحضّر قوات حفظ السلام الدولية في لبنان، اليونيفيل، إلى إنهاء مهمّتها إلا إذا تبدّل الموقف الدولي وتحديداً الأمريكي، وهو ما ليس مطروحاً، أقلّه حتى هذه اللحظة.

في العام ١٩٧٨، أنشأ مجلس الأمن قوات اليونيفيل «للتأكد من الانسحاب الإسرائيلي، واستعادة الأمن، ومساعدة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية بناء على طلبها استناداً إلى القرارين ٤٢٥ و٤٢٦». آنذاك، طلب لبنان المساعدة الدولية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي. تحقق الانسحاب عام ٢٠٠٠، لكن الدولة لم تبسط سلطتها، بل تحوّل التحرير إلى تكريس لقوة حزب الله الداخلية.

وكشفت حرب ٢٠٠٦، حدود فاعلية اليونيفيل، إذ تبيّن أن حزب الله عزّز أكثر حضوره العسكري في جنوب لبنان من خلال بناء ترسانة عسكرية في مختلف المناطق التي يجب أن تكون تحت سيطرة الدولة اللبنانية، بالتوازي مع استمرار الخروقات الإسرائيلية. وأدّت الحرب إلى تكريس قوة الحزب ونفوذه، وإرساء نوع من الـ«status-quo» مع إسرائيل فرضته التوازنات الإقليمية آنذاك.

حينها، لم يرسم حزب الله السياسة الداخلية للدولة فحسب، بل أيضاً الحدود التي يسمح لقوات اليونيفيل بالتحرك ضمنها. وإذا ما حاولت تطبيق مهامها، كانت تتعرّض لحوادث أمنية متعددة تستهدفها في ظلّ عجز تام للدولة عن تأمين الحماية لها. لذلك، لم يكن إحجام الدول المشاركة عن القيام بواجباتها نابعاً من الحرص على سلامة جنودها فحسب، بل أيضاً من تقاطع مصالح بعضها مع سوريا في زمن الوصاية ثمّ حزب الله وإيران بعد ٢٠٠٥ (مصالح بعض الدول في المنطقة وفي أفريقيا على سبيل المثال). وهكذا، تحوّل دور اليونيفيل بحكم الأمر الواقع إلى شاهد، وإلى قوة مساهمة في التنمية الاقتصادية والمجتمعية في الجنوب.

بعد السابع من أكتوبر عام ٢٠٢٣ سقط حزب الله في حرب إسناد غزة فتبدّل ميزان القوى لمصلحة إسرائيل. منذ ذلك الوقت، بدأت إسرائيل محاولات استثمار ما حققته في الميدان، فحاولت تعديل القرار ١٧٠١ وتوسيع صلاحيات القوة الدولية، قبل أن يتمّ التمديد لليونيفيل في إطار منح الدولة اللبنانية مزيداً من الوقت لتنفيذ التزاماتها، لا سيّما في ما يتعلّق بسلاح حزب الله. لكن المشهد تبدّل مجدّداً مع قيام حزب الله بإدخال لبنان الحرب لإسناد إيران في مارس ٢٠٢٦. تكرّس التفوّق العسكري الإسرائيلي، فيما فشلت اليونيفيل مجدّداً في منع الحرب، وفشلت قبلها ومعها الدولة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وفشلت وما تزال في التعامل مع حزب الله.

تطلب الدولة اليوم بأركانها تجديداً مؤقّتاً آخر لقوات اليونيفيل خشية الفراغ الأمني في الجنوب. فعليّا، لا يكشف رحيلها الجنوب أمنيّاً، وهو المكشوف أساساً، بقدر ما يكشف الدولة اللبنانية نفسها وسياسة الهروب وشراء الوقت بانتظار تسوية خارجية.

فمرحلة ما بعد اليونيفيل تضع الدولة أمام مسؤوليات وتحديّات لا سيّما قدرتها على منع حزب الله من إدخال لبنان في حروب جديدة، ونزع السلاح، بالإضافة إلى التعامل مع المسار الأمريكي الذي يسعى إلى إعادة صياغة الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان بين لبنان وإسرائيل بدءا من اتفاق الإطار.

بعد ٤٨ عاماً، لا تكمن المشكلة في رحيل قوات اليونيفيل من عدمه، بل في الدولة اللبنانية نفسها. فإذا أراد أهل الحكم في لبنان إخراج البلد من حالة الاستنزاف بين تعنّت حزب الله وسلاحه والاحتلال الإسرائيلي، وجب عليهم تحمّل مسؤوليتهم بدل الالتفاف على القرارات الدولية قبل أن يسقط البلد مجدّداً في دوّامات من العنف والفوضى. اليونيفيل ليست قدراً... فمتى يصنع لبنان قدره؟

منذ 13 ساعة

ماذا لو وقعت الصين في الفخ الأمريكي في دعمها لإيران؟

لم تكن الحرب الأمريكية على إيران منذ لحظتها الأولى تقف عند حدودها الجغرافية. يتحرك الرئيس دونالد ترمب منذ اللحظة الأولى ضمن خطة مدروسة. لنأخذ مثلاً، تصريحاته حول ضرورة دخول الدول الأوروبية الحرب. آنذاك، اعتبر كثيرون أن ترمب يتخبط ولا يملك رؤية واضحة حول الحرب، وبالتالي يريد جرّ الأوروبيين لتخفيف خسائره. يخطئ هؤلاء. فتصريحات ترمب المتكررة منذ بداية الحرب حول الدور المفترض للدول الأوروبية تحت عنوان تأمين مصالحها لم تكن ردّة فعل على مأزق، بل ضمن سياسة مدروسة تهدف إلى إعادة تشكيل السياسة الأمريكية في العالم، ومعها حدود ودور كل دولة، ضمن رؤية ترمب ومصلحته الأمريكية. عاندت الدول الغربية طلب ترمب في مضيق هرمز، فأتقن هو لعبة سياسة الاستنزاف خلافاً للتوقعات التي استندت إلى شخصيته في إدارة السياسة الأمريكية. أربك جميع الدول، بما فيها إيران التي استخدم ترمب لعبتها، فلجأت إلى رفع مستوى التهديدات والاعتداءات والابتزاز، هذه المرة عبر وكيلتها من جماعة الحوثيين في باب المندب بعدما فقدت ورقة مضيق هرمز.

وضاقت الخيارات أيضاً على حلفاء ترمب الذين رفضوا الحرب، أي الدول الأوروبية، إذ وجدت نفسها مجبرة على الإعلان عن استعدادها للدخول إلى ملعب ترمب. إذا، يبدو أن ترمب يكسب رهانه أو يحقق رؤيته في ما يخص الدول الأوروبية، والتي سأتناولها في مقالات مفصّلة لاحقة. لكن، ماذا عن الصين؟

للصين حسابات مختلفة مع ترمب. بين الصين والولايات المتحدة مزيج من الحرب الباردة وتقاطع المصلحة أحياناً، لكن العنوان الذي يحدّد العلاقة بينهما هو: النفوذ والدور والموقع في النظام العالمي. هذا الموقع تحدده عناصر عدة من التكنولوجيا إلى الطاقة إلى سلاسل التوريد، وجميعها تجتمع تحت عنوان واحد: الممرّات والمضائق. من هنا، إن ما يحدث في إيران لا يمكن فصله عن صلب التنافس الصيني-الأمريكي، بل هو البوصلة التي ستحدد اتجاه هذا التنافس.

الصين لا تريد حربا مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها حتما تريد أمريكا مستنزفة في إيران وغير قادرة على استثمار أي مكسب سياسي أو عسكري. تدعم الصين حليفتها إيران، عبر شراء النفط وتقديم الدعم الاستخباراتي والتسليحي الذي وصل إلى وكلائها أيضاً، أي جماعة الحوثيين، بحسب ما سرّبته الصحافة الغربية، على الرغم من عدم اعتراف ترمب بالخبر، وهذا أيضاً ليس صدفة.

عندما وصل ترمب إلى سدّة الرئاسة، وضع تأمين المصالح الأمريكية في صلب سياسته الخارجية، وهذا يعني بالنسبة إليه السيطرة والنفوذ على أنواعه، وتطويق المنافسين ومناطق نفوذهم. من هنا، فإن عين ترمب الأساسية هي على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، على الصين ونفوذها.

اليوم، تحوّل سلوك النظام الإيراني إلى عبء وإلى نموذج يهدّد الأمن العالمي. فإيران تقدّم نموذجاً من القرصنة والابتزاز يسهل على أي مجموعة خارجة عن القانون تطبيقه في أي دولة. تدرك بكين ذلك، وتدرك عبء استمرار سياسة الحرس الثوري عليها. رغم ذلك، فهي لم تتخلّ بعد عن نظام إيران.

أما ترمب، فسيعمل على استثمار سلوك إيران لإضفاء الشرعية على خطوته المقبلة في المحيطين الهندي والهادئ، وهي السيطرة على الممرات والمضائق في تلك المنطقة تحت عنوان الحفاظ على حرية الملاحة وتأمين حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال تعزيز الوجود والنفوذ الأمريكيين على أراضي حلفائه وزيادة طلب التسليح من الولايات المتحدة الأمريكية.

فهل تقع الصين في فخّ سياستها مع إيران، وتمهّد بذلك المسار الذي يريده ترمب لمحاصرتها في «عقر دارها» لاحقاً؟ للحديث تتمّة.

00:02 | 2-10-2026

إلى إيران: إنها المملكة العربية السعودية

كثيرة هي التصريحات الإيرانية التي تفاخر بنقطة واحدة تشكّل حتى يومنا هذا عقدة النظام الإيراني، وربما تكون سبب سقوطه أو تفككه: السيطرة والنفوذ. ثمّة لهاث إيرانيّ غير عاديّ طبع مسار هذا النظام منذ نشوئه عام ١٩٧٩ إلى يومنا هذا للسيطرة على المنطقة العربية وإن أدى الأمر إلى إحراق إيران والنظام نفسه.

على مدى أعوام، تفاخر المسؤولون الإيرانيون بما اعتبروه «امتداد قوة إيران الجغرافية إلى شرق المتوسط»، وباتساع حدود ما أسمته «الردع التقليدي» وأن لا قضية في المنطقة يمكن حلّها دون إرادة طهران كما صرّح على سبيل المثال لا الحصر حسين سلامي، القائد العام للحرس الثوري الإيراني الذي قتلته إسرائيل عام ٢٠٢٥، وصولاً إلى التصريح الشهير لمسؤول إيراني بأن إيران «تسيطر على أربعة عواصم عربية» وأن الحوثيين، الذين يعتدون على المملكة العربية السعودية، هم «إحدى نتائج الثورة الإيرانية». كثيرة هي التصريحات الإيرانية المشابهة، تماماً كمفاخرة أركان النظام الإيراني اليوم بسياسة «رفع الكلفة على الدول العربية» بذرائع مختلفة لهدف واحد.

وهنا تكمن مشكلة نظام إيران الحالي، لا بل عقدته. إنها الدول العربية، وكسر النموذج الذي تمثّله، وفي مقدّمتها المملكة العربية السعودية. وإذا كانت مشكلة إيران مع العراق كما أشرت في مقالي الأسبوع الماضي، الجغرافيا والقوة العسكرية، فمشكلتها مع المملكة العربية السعودية هي أكبر وأشمل وأعمق، فهي تتعلّق بالدور والثقل والمكانة.

تؤرق السعودية إيران منذ نشوء نظامها عام ١٩٧٩. تحلم إيران بالعظمة في منطقتنا، ليس بالتطوّر والتنمية والشراكات، لكن بالتدمير والاعتداءات والسيطرة. منذ نشوء النظام الإيراني، هاجم المرشد الإيراني الخميني دول الخليج، وحاول عبثا فرض نفسه «كحامي للمسلمين» فخسر رهانه. لذلك، كان لا بدّ من استغلال القضية الفلسطينية من بوابة الثورة الإيرانية التي تدّعي نصرة «المستضعفين»، وذلك للتمدد في العالم العربي، وقد نجحت نسبيّا في مرحلة معيّنة من اختراق مجتمعات عربية في دول مثل لبنان وسوريا وهي دول تحتلّ إسرائيل أجزاء من أراضيها.

وشكّل سقوط العراق عام ٢٠٠٣ فرصة لإيران لتوسيع نفوذها ولتبديل ميزان القوى لصالحها. لسنوات، عملت على محاصرة المملكة لكن دون جدوى، فكانت خطوتها دعم الحوثيين منذ عام ٢٠٠٩.

من لبنان إلى سوريا فالعراق واليمن، كل ما زرعته إيران من ضرب لسيادة الدولة لعقود في هذه البلدان والذي ندفع ثمنه اليوم، لم يكفِ. وكلما كانت تهدم مقدّرات دول المنطقة، كانت المملكة تضع حجرا للبناء وللتقدّم.

تستكمل إيران اليوم مشروعها في استهداف المملكة ومن خلالها المنطقة العربية ككلّ. وهنا، لا بدّ من التنبيه إلى أنه حتى وإن تقاطعت مصالح بعض الدول مع ما تقوم به إيران عبر وكيلتها جماعة الحوثيين في البحر الأحمر، واستفادت منه للضغط على السعودية، فإن إيران نفسها في حسابات هذه الدول ليست إلا أداة مرحليّة، تماما كما تستخدم هي أدواتها في دول المنطقة. فالجميع يدرك أنه لا يمكن تجاوز المملكة سياسيا ودينيا واقتصاديّا، وأن أمن المملكة من أمن المنطقة.

ثمة صفة تلازم تاريخ المملكة العربية السعودية منذ نشوء دولتها قبل ٩٦ عاماً إلى يومنا هذا: الثقل، وهي صفة واكبت مسار المملكة بكل تقلّبات مراحلها والأحداث التي عرفتها داخلياً وخارجياً.

هذا الثقل هو معادلة فرضتها الطبيعة للداخل والخارج، بأن ثمّة خطّاً أحمر لا يمكن لأي كان تجاوزه وكسره. ففكرة وراثة المملكة هي مقتلة من يقع في أسرها، وهذا ما لا تفهمه إيران بعد.

00:00 | 25-09-2026

السياسة الإيرانية تجاه العرب.. صراع الجغرافيا وتمدد النفوذ

تاريخيّا، ثمّة علاقة ملتبسة بين إيران وبين الدول العربية، لكن للعراق خصوصية يختلف بها عن باقي الدول. فالعراق بوابة إيران إلى الدول العربية، وفي العراق أيضاً، صراع تاريخيّ على الجغرافيا والموارد العراقية ومن خلالها، إلى الدول العربية منذ زمن الدولتين العثمانية والفارسية وصولاً إلى عصر الشاه.


البداية من الصراع على شطّ العرب، وهو ممرّ التقاء لنهريّ الدجلة والفرات يمتدّ إلى الخليج، ويقع ضمن واحدة من أغنى المناطق النفطية. ورغم توقيع البلدين على معاهدة عام ١٩٣٧ كرّست عمليّا السيطرة العراقية على معظم الممرّ الملاحي، أعلنت إيران إلغاء المعاهدة في العام ١٩٦٩ ليعود الصراع مجدداً على الملاحة والسيادة في المنطقة.


وعندما انسحبت القوات البريطانية من منطقة الخليج العربي عام ١٩٧١، أراد شاه إيران أن «يرث» المنطقة من البريطانيين، والهدف السيطرة على موارد المنطقة العربية وفرض ما يشبه الوصاية الإيرانية على المنطقة تحت عنوان «حماية الخليج» كبديل عن بريطانيا. احتلت إيران جزر أبو موسى وطنب الصغرى والكبرى قرب مضيق هرمز. ومن بوابة العراق، استغلت إيران ورقة الأكراد الذين يطالبون منذ ذلك الحين بالحكم الذاتي، كوسيلة للضغط على صدام حسين للقبول بإعادة ترسيم الحدود بما يناسب الشروط الإيرانية.


وبعد سقوط دولة الشاه وقيام دولة ولاية الفقيه بعد الثورة الإسلامية الإيرانية، حاولت القيادة الإيرانية الجديدة استمالة الدول العربية بادعاء تخليها عن أهداف الشاه التوسعية، لكنها في الوقت نفسه، كانت تعمل على ضرب أمن الدول العربية من خلال مبدأ تصدير الثورة كوسيلة للسيطرة، فقامت بتحريك ودعم الجماعات العرقية والإثنية والمجموعات المسلّحة أيضا من بوابة العراق، ليعود الصراع الإيراني-العراقي حول الحدود والنفوذ. هذه المرة، لم تستخدم إيران فقط ورقة الأكراد، بل قامت كذلك بتحريض العراقيين الشيعة على الانقلاب على الدولة آنذاك، ليردّ العراق بدوره بمحاولة استمالة الإيرانيين العرب للضغط على إيران لاسترجاع حدوده وأمنه، فاستمرّ الصراع بين البلدين إلى حين اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية.


خلال كل تلك المراحل، من الشاه إلى دولة ولاية الفقيه، لم تكن إيران تعتبر العراق خصماً سياسيّاً لها فحسب، بل مصدر التهديد الأول لها في المنطقة العربية لما كان يتمتّع به من قوة عسكرية قادرة على وضع حدّ لطموحها في فرض نفوذها على المنطقة وفي «وراثة» النفوذ البريطاني. وكانت في المقابل، تراهن على ما تعتبره قوّة لها في المساحة الجغرافية وعدد السكان. وبسبب فشله في تحقيق الحسم العسكري، اعتمد النظام الإيراني على حرب الاستنزاف مع السعي للحفاظ على حريّة تصدير النفط كأداة أساسية في الحرب، ظنّاً منه أنه سينجح بذلك في إسقاط نظام صدام حسين وفتح الطريق على المتشددين العراقيين للسيطرة على الحكومة وبالتالي إحكام القبضة الإيرانية على الدولة والموارد والجغرافيا. لكن حساباته كانت خاطئة، فاستنزف هو أيضاً في مستنقع الحرب ورضخ في النهاية لاتفاق.


في العام ٢٠٠٣، سقط العراق بعد اجتياح أمريكيّ، وثأر النظام الإيراني من العراق، فاستطاع تحويله إلى ساحة نفوذ عسكريّة وسياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة لعقود. ومنذ بداية الحرب الحالية الأمريكية-الإيرانية، يمعن النظام الإيراني في ثأره مجددا من العراق من خلال محاربة قرار الدولة العراقية في استعادة سيادتها، كما يعتدي على الدول العربية بلعبة الاستنزاف نفسها، مدّعيا أنه يريد «إخراج الأمريكيين من المنطقة». فعليّا، يريد الإيرانيون «وراثة» المنطقة من الأمريكيين بالاعتداء عليها وتهديد الملاحة فيها واحتلال ممرّاتها. مجدداً، إنها لعنة الثأر، والتاريخ.

23:33 | 17-09-2026

لعبة التطويق والكلفة الأمريكية-الإيرانية

الأمريكيون يحاربون إيران بأدواتها. هذا ما تقوله وتثبته وقائع الحرب القائمة لكسر نفوذ إيران وتغيير سلوكها في المنطقة، عبر دفعها بالحدّ الأدنى إلى قبول الشروط الأمريكية. والحدّ الأدنى لا يعني إسقاط الهدف الأكبر المؤجل، وهو إسقاط النظام بشكل كامل، لكن ليس على الطريقة الأمريكية التقليدية عبر الاجتياحات والتي كانت جميع نتائجها سيئة في البلدان التي دخل إليها الأمريكيون لإسقاط أنظمتها، لجهة الفوضى بدل التنمية والاستقرار أو الإتيان بنتائج عكسية كما حدث في العراق. ففي العراق، لم يسقط نظام صدام حسين فحسب، بل واقعياً وعملياً تمّ تسليم العراق إلى النفوذ الإيراني لعقود بحسابات أمريكية في المنطقة آنذاك.

تعتمد إيران منذ بداية الحرب الأمريكية عليها سياسة رفع الكلفة ليس على الولايات المتحدة الأمريكية، لكن بالدرجة الأولى على دول المنطقة، بذريعة أن ضرب هذه الدول سيدفع حكامها وقياداتها إلى الضغط على ترمب لوقف الحرب.

أرادت إيران الاستنزاف منذ بداية الحرب، فعمدت إلى استخدام ما تعتبره أوراق القوة لديها بدءاً من الوكلاء في لبنان والعراق واليمن وصولاً إلى قرصنة مضيق هرمز ومحاولة فرض واقع جديد لتكريس نفوذها عليه. لم ينسحب ترمب من الحرب خلافاً للتوقعات الإيرانية ولم ترضخ الدول العربية كذلك. والأهم، بدّل ترمب قواعد اللعبة، وبدل الانزلاق إلى ملعب إيران المفضل في الاستنزاف، استخدم الأدوات نفسها في المواجهة. فرض حصاراً على الحصار الإيراني في مضيق هرمز، وعمل بمشاركة الدول المعنية الأخرى على خلق بدائل عن مضيق هرمز لسحب هذه الورقة، كما بدأ بالتوازي بتطبيق عملية إعادة التشكيل السياسية والأمنية في المنطقة من خلال ممارسة الضغوط القصوى على ساحات إيران التي لطالما شكّلت خط دفاع أول عن النظام الإيراني، أي وكلائها في لبنان والعراق واليمن. بموازاة ذلك، أطلق ترمب عملية «يوم الإنزال الاقتصادي» أو «المنبوذ الاقتصادي» والتي تستهدف شبكات تمويل طهران الموازية من اقتصاد الظل أو التجارة والعمليات المالية الرقمية وغيرها. هذه العملية تشكّل السلاح الأهم في الحرب الأمريكية لأنها تستهدف تفكيك الشبكات التي تسمح لطهران بالالتفاف على العقوبات والحصار.

اليوم، تدخل المواجهة مع إيران مرحلة مركّبة. فإيران لا تزال تصرّ على سياسة رفع الكلفة، لذلك، فهي انتقلت الآن من رفع الكلفة العسكرية إلى رفع الكلفة الاقتصادية، من خلال ما تعتبره «إفراغ إستراتيجية أمريكا» في حربها الاقتصادية على إيران.

بالتوازي، بدأت الولايات المتحدة بحملة تطويق وصولاً إلى ضرب بنية وكلاء إيران في البلدان التي يعملون فيها. في المقابل، تعمل إيران على مواجهة هذه الحملة من خلال إعادة تشكيل بنية وكلائها وآليات عملهم على أساس لا مركزية جهادية إقليمية، بالتوازي مع اعتماد اللامركزية داخل بنية كل وكيل، أي عبر تقسيم هذه المجموعات نفسها إلى فرق تعمل بصورة مستقلّة عن بعضها البعض ضمن البلد أو الساحة الواحدة.

من هذا المنظور بالذات، يجب قراءة الانكفاء العسكري «المؤقت» حتى الساعة لحزب الله في لبنان في مقابل فتح معركة داخلية ضد الدولة لإفراغها من وظيفتها وإفشال عملية حصر السلاح والحفاظ على وجوده ونفوذه، وتوزيع الأدوار وازدواجية الخطاب والممارسة لمليشيات الحشد في العراق، والعمليات المزدوجة التي تقوم بها مليشيا الحوثي في اليمن بين المعركة العسكرية ضد الدولة اليمنية من جهة، والاعتداء على المملكة ومحاولة السيطرة على باب المندب من جهة أخرى.

21:58 | 10-09-2026

إحياء اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل: واقعية أم مناورة؟

لعلّ أفضل ما يميّز اتفاق الهدنة الذي وقّع بين لبنان وإسرائيل عام ١٩٤٩، أنه وقّع في فترة زمنية كان لبنان فيها لا يزال دولة فتيّة مستقلة. فلا حزب عقائديّ يحكم ويتحكم بمفاصل وقرارات الدولة، ولا فساد تمدّد إلى قلب المؤسسات حتى تحوّل إلى آلية حكم بحدّ ذاتها.


وعندما وقعت النكبة عام ١٩٤٨، تحوّل لبنان بحكم الجغرافيا إلى ملجأ لعدد كبير من الفلسطينيين الهاربين من عمليات القتل والتهجير الإسرائيليين، كما إلى منطلق للفدائيين في عملياتهم ضد القوات والعصابات الإسرائيلية. على الأثر، ارتكبت إسرائيل مجزرة حولا في جنوب لبنان، وبدأت سلسلة من الاعتداءات بذريعة محاربة الفدائيين، فسارع لبنان إلى توقيع اتفاقية الهدنة.


وبالفعل، استقرّت الأوضاع نسبيّا في الجنوب في الفترة الممتدة بين ١٩٤٩ و١٩٦٧، قبل أن تتهّم إسرائيل الدولة اللبنانية بمخالفة شروط اتفاقية، لا سيّما ما نصّت عليه المادة الأولى بشأن عدم تشكيل تهديد للطرف الآخر وعدم اللجوء إلى القوة العسكرية لتسوية القضية الفلسطينية. ورغم نفي لبنان تلك الاتهامات، يمكن القول إن الاتفاقية سقطت عمليّا مع توقيع لبنان لاتفاق القاهرة عام ١٩٦٩. فآنذاك، كان تآكل الدولة قد بدأ مع انقسام أركانها في صراع المحاور الإقليمية، وخضوع الحكم لضغوط عربية، وتحديدا مصرية بقيادة جمال عبد الناصر، لتشريع العمل الفلسطيني المسلّح انطلاقا من لبنان. ثمّ جاءت الضربة الأخرى تحت عنوان «تنظيم الوجود الفلسطيني المسلّح» مع توقيع اتفاق مالكارت عام ١٩٧٣، والذي يعتبر ملحقا لاتفاق القاهرة.


رغم ذلك، بقيت الاتفاقية إطارا قانونيّا معترفا به في الأمم المتحدة، ومرجعية للاتفاقيات والترتيبات التي تلت بين لبنان وإسرائيل وصولا إلى القرار ١٧٠١ بنسخته المعدّلة.


تكتسب بنود الاتفاقية أهمية للبنان، فهي تعترف بالحدود الدولية التاريخية بين لبنان وإسرائيل (المادة ٥)، وهو ما يحتاجه لبنان في مفاوضاته اليوم في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوبه. كما تمنع استخدام الأراضي اللبنانية ضد إسرائيل، سواء من القوات النظامية أو المجموعات المسلّحة، وتمنع استخدام الأراضي الإسرائيلية ضد لبنان (المادة ٧). كذلك تحدّد مهام القوات العسكرية وعديدها وعتادها على جانبيّ الحدود ضمن طبيعة دفاعية وبأسلحة خفيفة ومحدودة (ملحق قوات الدفاع).


دوليّا، يثير المطالبة بإحياء اتفاقية الهدنة الآن إشكالية، إذ إن الوقائع تشير إلى رغبة الولايات المتحدة، وهي الوسيط التاريخي والراعي لكل الاتفاقيات المرتبطة بالصراع اللبناني-الإسرائيلي، في فصل الملف عن الأمم المتحدة، والدفع، تحت النار، نحو اتفاق جديد ينهي الصراع بين لبنان وإسرائيل بدل الاكتفاء بضبطه كما نصّت الهدنة.


أما لبنانيّا، فتبرز مفارقة ترتبط بالسردية الجديدة لحزب الله وبعض حلفائه والمتقاطعين معه. فجوهر اتفاقية الهدنة يتضمّن تحديدا ما أعلن هؤلاء رفضه مرارا، واستخدموه لاتهام الدولة بالعمل «كشرطي» لدى إسرائيل، لا سيّما في ما يتعلّق بمسألة منع استخدام الأراضي اللبنانية ضدها، ومهام وعتاد الجيش.


من هنا، يثير التمسّك المستجد بإحياء اتفاقية الهدنة، بعد رفض القرار ١٧٠١ ثمّ التمسّك به للتهرّب من اتفاق الإطار، سؤالا يتجاوز موضوع الاتفاقيات نفسها إلى السلوك اللبناني في التعامل معها، وهو يقوم على سياسة الالتفاف والتهرّب الدائم من تنفيذ الالتزامات تحت ذرائع مختلفة، فيما جوهر الصراع الداخلي هو حول من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان، الدولة أم قوى الأمر الواقع.


بعد الفشل في تطبيق القرار ١٧٠١ الذي ينصّ على نزع السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، هل يشكّل إعادة إحياء اتفاقية الهدنة أساسا واقعيّا للحلّ، أم مناورة للالتفاف على الفشل؟

00:00 | 4-09-2026

هذا ما بحثت عنه في زيارة محمد بن سلمان إلى فرنسا..

منذ شهرين، زرت للمرة الأولى مدينة الرياض بشكل خاص، والمملكة العربية السعودية بشكل عام، ضيفة على قناة «العربية». لكن علاقتي مع المملكة لم تبدأ عند زيارتها. عرفتها منذ سنوات المراهقة عبر حبّي للموسيقى والتراث والتقاليد الخليجية، ثمّ لاحقاً في سنوات النضج والتخصصات الجامعية والعمل في السياسة وفي العلاقات الدولية. كما أن السعودية حاضرة بطبيعة الحال في ذاكرتنا اللبنانية من خلال دورها على مدى عقود.

خلال تلك المراحل، كنت أنظر إلى المملكة من زاويتين: مكانتها الدينية والثقافية والحضارية، ومكانتها السياسية والتاريخية وما تمثله من ثقل في المنطقة.

لسنوات، تابعت ما يُكتب ويُقال عن التحوّلات التي تشهدها المملكة بفعل «رؤية 2030» التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. لكنني لم أكتفِ بما أسمعه وأقرأه، بل تعاملت مع وثيقة الرؤية كأنها مادة دراسية، إذ قرأتها أكثر من مرة، محاولة من خلالها فهم محمد بن سلمان نفسه، والفلسفة التي يقود بها بلاده. فما يجري في السعودية يتجاوز المشاريع والاستثمارات المجردة، إلى تصوّر أو إعادة تعريف للدولة والمجتمع والاقتصاد وموقع المملكة في العالم.

لذلك عندما وصلت إلى الرياض، كنت أريد اختبار الصورة التي رسمتها في ذهني لسنوات. رأيت مدينة تمزج بين الألفة والهدوء، وبين تقاليدها وخصوصيتها من جهة، والتحوّل الاقتصادي والعمراني الكبير من جهة أخرى. لكن أكثر ما استوقفني هو أن الرؤية لا تقوم على برنامج لمشاريع منفصلة عن المجتمع، بل هي فلسفة وإطار يراد له أن ينعكس على المجتمع نفسه. على سبيل المثال، علمت أن الشركات والمؤسسات العاملة في المملكة في مختلف القطاعات أكانت سعودية أو أجنبية، ملزمة بإدخال تغييرات جوهرية في الإدارة والحوكمة والشروط البيئية وغيرها بما يلتقي مع أهداف خطة 2030. هذا ليس بتفصيل.

وفي الحديث عن الرؤية، لا بد من التوقف عند الدرعية. لهذه المنطقة أهمية استثنائية، فهي ليست منطقة تاريخية يُعاد تأهيلها لتصبح وجهة سياحية واستثمارية، بل أشبه بخطّ زمني يصل المشروع السعودي المعاصر بتاريخ الدولة التي انطلقت منها في القرن الثامن عشر. من الدرعية التي وضع فيها الإمام محمد بن سعود أسس الدولة السعودية الأولى، مروراً بالمراحل والتحوّلات التي صنعت المملكة، وصولاً إلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يحافظ على ثقل تاريخيّ ويطوّر مسيرة المؤسسين بما يتناسب مع متطلبات العصر، يصبح التاريخ جزءاً من مشروع المستقبل لا نقيضاً له.

سمحت لي زيارتي الأولى إلى الرياض بمعاينة سياسة المملكة عن قرب لفهم أكثر ما يريده قائد رؤيتها.

يحمل الأمير محمد بن سلمان رؤيته إلى كبرى قيادات العالم، رؤية تنطلق من قلب المملكة ومجتمعها واحتياجاتها، فيجلب العالم إليها بما تريده وما يمكن أن تعطيه. فالرجل اختار أن يكون رجل دولة لا يريد صناعة الحاضر والمستقبل لبلده فحسب، بل أن يكون شريكاً في صناعة وقيادة السياسة الإقليمية والدولية بما يتناسب مع رؤيته. من هذه الزاوية أقرأ زيارة وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا وما رافقها من اتفاقيات نقلت العلاقة إلى مستوى أوسع من الشراكة، بما يؤكد أن الرؤية تتجاوز التحوّل داخل حدود المملكة. إن حفاوة الزيارة في الإعلام ودوائر السياسة الفرنسية، تشير إلى أن السؤال لم يعد فقط حول ما يمكن للعالم أن يقدمه للمملكة في رحلة تحوّلها، بل ماذا تستطيع السعودية أن تقدّمه للعالم. فرنسا كما غيرها من كبريات الدول، تدرك أن حضورها المؤثر في المنطقة لا يكتمل إلا عبر بوابة المملكة.

00:00 | 28-08-2026

إيران.. حزب الله.. ونواف سلام في لبنان

وصف هنري كيسينجر النظام الإيراني في أحد مقالاته بأنه يجمع بين نموذج الدولة ذات السيادة التي تستند إلى النظام العالمي وفي الوقت نفسه تنظّم وتدعم مجموعات مسلّحة تسعى للهيمنة الإقليمية وفق منطلقات أيديولوجية.

في لبنان، يعكس حزب الله هذا النموذج الإيراني. خلال عهد أمينه العام السابق حسن نصرالله، استطاع الأخير استمالة شرائح من اللبنانيين تتجاوز البيئة التقليدية للحزب من خلال خطاب تمركز حول قضية الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان والتهديدات الإسرائيلية. لكن ذلك لم يلغ الوظيفة الإقليمية للحزب وارتباط سلاحه بالمشروع الإيراني، وهو ما يتجلّى بوضوح أكبر في عهد أمينه العام الحالي نعيم قاسم سواء في تحديده وظيفة السلاح ودوره، أو في حديثه عن ارتباطه بإيران.

ومن نصرالله إلى قاسم لطالما شكّلت الدولة بالنسبة إلى حزب الله أداة لتأمين مصالحه ومشروعه. عمل حزب الله على السيطرة على مفاصل الدولة واستخدامها كأداة لتثبيت نفوذه الداخلي ليس فقط من خلال التعيينات في قطاعات عدة (كل الأحزاب اللبنانية تستند إلى المحاصصة وترى في الدولة وسيلة للخدمات)، بل في امتلاكه فائض قوة يتيح له رفع كلفة تطبيق القرارات التي تعارض مصالحه. من هنا، شكّل فائض القوة الذي يمتلكه الحزب غطاء لشبكة تتقاطع فيها مصالح المال والفساد والسلاح، فكانت المعادلة بسيطة: الدولة تؤمن الغطاء لاستمرارية السلاح والشبكات التي تخدمه، وأي قرار يهدد مصالح الحزب وشبكة نفوذه، تتحوّل الدولة إلى عدوّ يجب شيطنته ومحاربته.

هنا، يستخدم الحزب خطاب المظلومية و«الاستهداف الوجودي» لتحويل النقاش من مساءلة الخيارات السياسية والعسكرية إلى الحق في الدفاع عن الوجود والجماعة.

ما دور رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام؟ يمثّل نموذج نواف سلام معضلة لنموذج حزب الله. فهو لم يكتف بسياسة الاستهلاك الإعلامي في خطابات حصرية السلاح بيد الدولة كما جرت العادة عند رؤساء الحكومات والمسؤولين، وهو ما استطاع الحزب التعايش معه ما دام أنه غير مقرون بآليات تنفيذية. من هنا، فإن المعضلة التي يمثلها سلام هي الانتقال من الخطاب حول حصرية السلاح إلى مستوى القرار التنفيذي (قرار الحكومة في ٢ آذار/مارس حظر الأنشطة العسكرية). غير أنه، رغم أهمية ما قام به، فإن ثمّة مساحة لا يزال حزب الله وكل المنظومة يتحركون من خلالها، وهي لا تتعلّق فقط بقدرة الجيش على تنفيذ القرار تحت عنوان الخوف من الحرب الأهلية، بل بحضور الدولة نفسها في وعي الناس.

من هنا، يشكّل فائض القوة نصف المعادلة، أما نصفها الآخر، فهو الشرعية. في مقالة له بعنوان «هل انتصرت إيران على دول الخليج»، تحدث ممدوح المهيني، مدير عام شبكة العربية والحدث، عن ثنائية فائض القوة والشرعية، معتبراً أن النظام الإيراني يعاني من أزمة الشرعية السياسية الداخلية. في المقابل، يرى المهيني أنه على الرغم من الاعتداءات عليها، استطاعت دول الخليج الحفاظ على تماسكها الداخلي فازداد التفاف الناس حول قياداتها.

في لبنان، يبقى السؤال الأساسي: هل تحضر الدولة في وعي اللبنانيين بوصفها المرجعية القادرة على حمايتهم؟ هذا هو الاختبار الذي يواجه نواف سلام ومعه العهد الحالي. هي مهمّة صعبة لكنها ليست مستحيلة، وقد تبدأ بخطوات بسيطة من تعيينات إدارية لا تخضع لابتزاز الأحزاب وصولاً إلى المحاسبة. عندها، لن ترى بيئة الحزب في السلاح ضرورة وجودية، ولن يجد اللبنانيون في العائلة والزعامة والطائفة شبكات حماية بديلة. عندها فقط، يصبح اللبنانيون مواطنين، لا «مكوّنات طائفية» كما يتمّ تعريفهم اليوم.

00:01 | 21-08-2026

النموذج الذي تريده إيران على دول المنطقة..

وصلت الحرب الأمريكية-الإيرانية إلى تقاطع طرق سوف يحدد ليس فقط شكل المنطقة بل أيضًا العالم. إيران عبر تاريخها، تعتمد على سياسة الاستنزاف وتستفيد منها ليس فقط للحفاظ على وجود نظامها، بل أيضًا لاستثمار «ثقافة الصمود» في الحروب على المستويين الخارجي والداخلي.

ففي الداخل، كانت تستثمر لعبة التهديد الوجودي وصمود النظام لإحكام القبضة العسكرية على الداخل. أما خارجيًا، وهنا الأهم، استطاعت إيران رغم الحروب ورغم الحصار والإخفاقات التي تعرّضت لها، أن تبني ترسانة نفوذها عبر تقوية وكلائها الممتدين بشكل مباشر في اليمن والعراق ولبنان وفلسطين وسوريا، سياسيًا وإعلاميًا واقتصاديًا واجتماعيًا وعسكريًا. من «درّة تاجها» حزب الله مرورًا بالحوثيين في اليمن، والفصائل الأخرى في العراق، أنتجت إيران نظامًا في المنطقة تصبح فيه سيادة الدول موضع تفاوض دائم. لننظر إلى لائحة ما تسمّيها إيران الشروط لإبرام أي تسوية ممكنة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فهي تتضّمن مطالب بعدم التعرّض إلى حلفائها، وهم مجموعات عقائدية و/أو عسكرية خارجة عن القانون في بلادهم تحت عناوين مختلفة ومنها المقاومة، يفرضون نفوذهم في البلاد التي يتحركون فيها بقوة السلاح. الأخطر من ذلك، تعمل إيران على دعم هؤلاء في مساومة أنظمة البلاد التي يتواجدون فيها مقابل أي تفكير في تسليم السلاح والاحتكام إلى مؤسسات دولهم، من خلال دفع هؤلاء للحصول على مكتسبات سياسية «إضافية» في بلدانهم تحت عنوان الضمانات مقابل البحث في تسليم السلاح.

كما أن أخطر ما أنتجته إيران في المنطقة هو لا مركزية العمل لوكلائها على مستوى العمليات، وفي الوقت نفسه بناء شبكة معرفية عملياتية مرتبطة ببعضها البعض تتبادل الخبرات العسكرية والموارد المالية وغيرها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تم اختبار تكتيكات وقدرات جديدة في ساحات القتال وتطوير الأدوات والإستراتيجيات في استخدام الطائرات المسيّرة والعمل على الاستفادة من الأخطاء التي وقعت في الحروب الماضية. هذه الاختبارات استفادت منها المليشيات الإرهابية وعملت وما تزال على تكيّفها بما يناسب ظروفها. هذه الشبكات في نقل الخبرات من ساحة قتال إلى غيرها عن طريق الحرس الثوري وفيلق القدس، كانت تستفيد منها إيران بدورها، ليس فقط في نقل المعركة خارج حدودها عبر استنزاف خصومها في مواجهة الوكلاء، لكن أيضًا في تحويل العمليات العسكرية التي يقوم بها الوكلاء إلى محطات اختبار تستفيد منها إيران في حروبها كما يحدث اليوم في مضيق هرمز.

تسعى إيران عبر نظامها إلى تثبيت نموذج إقليمي يقوم على دول تحتفظ بحدودها ومؤسساتها الرسمية، فيما تبقى قراراتها السيادية الكبرى ومستقبلها رهينة قوى مسلّحة موازية للدولة، تمتلك حق التعطيل في الداخل وترتبط إستراتيجيًا بطهران. فمن خلال هؤلاء، تحقق إيران موطئ قدم لها إستراتيجي قرب المضائق المؤدية إلى القرن الإفريقي. وفي أدوات الحروب الحالية، من يسيطر على الممرّات والمضائق يبني النفوذ.

من هنا، تبرز الحاجة إلى وجود نظام ردع فاعل وليس شكليًا ضد النموذج الذي تحاول إيران المحافظة عليه وتكريسه، وإلا، فإن أي تسوية تحت عنوان الاحتواء دون معالجة مصادر التهديد الإيراني ودون وجود سياسة ردع حقيقية، ستتحوّل إلى فرصة جديدة للنظام الإيراني لإعادة بناء وتفعيل وتكريس النموذج الذي فرضته إيران.

حينها، لن تكون الدول العربية القائمة التي تبني وتستثمر في نظام قائم على القانون والمؤسسات والتنمية قد ربحت استقرارًا مستدامًا، بل هدنة مؤقتة بانتظار الجولة المقبلة.

00:07 | 14-08-2026

معركة الفساد والسلاح في لبنان.. وجهان لعملة واحدة

تكشف العقود الثلاثة الماضية منذ انتهاء الحرب الأهلية وصولاً إلى يومنا هذا العلاقة المنفعية بين السلاح والفساد في لبنان، إذ يستفيد السياسيون من نظام الحكم «الديموقراطي التوافقي» الذي شرعن تقاسم الموارد العامّة بين الطوائف، ما سمح بتحويل الفساد والزبائنية إلى أداة لإنتاج شرعية الزعمات الطائفية، ليتحوّل لاحقاً إلى بنية وظيفية ومتجذرة في مؤسسات الدولة.

بعد الحرب الأهلية، أدت التسوية التي أنتجها الطائف في العام ١٩٩٠ إلى دمج قادة وزعماء الطوائف والمليشيات الذين شاركوا في الحرب الأهلية (باستثناء القوات اللبنانية بعد سجن قائدها سمير جعجع وهو الوحيد الذي تمّت محاسبته بينما أعطي الآخرون جوائز ترضية في السلطة) بالتزامن مع بروز أسماء وتيارات أخرى كجزء من هذه المنظومة. هنا، تحوّلت مؤسسات الدولة إلى أداة للخدمات الحزبية والسياسية، لكنها كانت آنذاك برعاية وإدارة مباشرة من الوصاية السورية. في تلك المرحلة، اكتسب سلاح «حزب الله» شرعية رسمية تحت عنوان «المقاومة»، لكنه بقي خارج لعبة التقاسم في السلطة.

شكّل العام ٢٠٠٥ نقطة تحوّل في الحياة السياسية اللبنانية منذ ما بعد الطائف. وفي حين شكّل خروج السوريين اختباراً لقدرة اللبنانيين على استقلالية القرار وعلى إصلاح الدولة، إلا أن النظام السياسي أعاد إنتاج نفسه عبر تحالفات وتسويات كرست المحاصصة باسم التوازنات الطائفية أو الوحدة الوطنية. في تلك المرحلة، دخل سلاح حزب الله مرحلة جديدة أيضاً واكتسب وظيفة داخلية متزايدة، إذ تحوّل إلى عنصر مؤثّر في موازين القوى السياسية لحماية موقعه داخل النظام السياسي. وبعد تسوية «اتفاق الدوحة» عام ٢٠٠٨ شكّل سلاح حزب الله الغطاء الأمني والسياسي لحماية المنظومة السياسية اللبنانية، فبات الأداة التنفيذية التي فرضت «خطوطا حمراء» تمنع المحاسبة في ملفات كبرى.

وتشكّلت علاقة منفعة متبادلة من خلال التعطيل المنهجيّ لأي إمكانية لإجراء محاسبة فعليّة في الدولة، الأمر الذي وفّر هامشاً كبيراً للسياسيين في الاستمرار في سياساتهم دون رقيب أو حسيب اللهم إلا تحت الضغط الدولي للقيام ببعض الإصلاحات. على سبيل المثال لا الحصر، ساهمت هذه العلاقة النفعية في تحصين آلية الدفاع للنظام الطائفي عبر الاستمرار في المحاصصة في التعيينات، وتعطيل معالجة وحلّ مسألة النفايات وفتح ملفات الشركات التي تسلّمتها، وقطاع الطاقة الذي أنتج بنية موازية متمثلة في شبكات المولّدات الخاصة التي تحظى بحماية مختلف القوى السياسية. أيضاً ساهمت هذه العلاقة المتبادلة في عدم المساءلة للسياسات المالية والنقدية وصولاً إلى الانهيار المالي والنقدي غير المسبوق، والذي شكّلت الهندسات المالية لمصرف لبنان وسيلة أساسية للمحافظة على عدد من المصارف المملوكة من الأحزاب والعائلات والشخصيات السياسية، وغيرها من الملفات في قطاعات التربية والمالية والقضاء والاتصالات والداخلية والأشغال والطاقة والبيئة والبلديات وغيرها. كل هذه الملفات وغيرها كانت تحظى بإجماع وتغطية كل الطوائف في المنظومة واستفاد منها الجميع من بينهم خصوم حزب الله.

هكذا، تكمن أزمة لبنان في هذا التداخل بين احتكار القوة واحتكار الزبائنية داخل نظام سياسي طائفي، حيث يعيد كل منهما إنتاج الآخر ويجعل إصلاح أحدهما بمعزل عن الآخر بالغ الصعوبة. وأمام هذا التداخل، قد ترفع معظم القوى والشخصيات المتورطة في المحاصصة والفساد في الدولة لواء حصر السلاح بيد الدولة، وقد تريد أن ترى حزب الله ضعيفاً في الدولة، لكنها لا تريد سقوطه، ذلك أن سقوطه يعني سقوط المظلة التي شكّلت الحماية للفساد في لبنان من الموالين والمعارضين، وبالتالي سقوط الجميع الواحد تلو الآخر.

00:00 | 7-08-2026