بعد ٤٨ عاماً، تتحضّر قوات حفظ السلام الدولية في لبنان، اليونيفيل، إلى إنهاء مهمّتها إلا إذا تبدّل الموقف الدولي وتحديداً الأمريكي، وهو ما ليس مطروحاً، أقلّه حتى هذه اللحظة.

في العام ١٩٧٨، أنشأ مجلس الأمن قوات اليونيفيل «للتأكد من الانسحاب الإسرائيلي، واستعادة الأمن، ومساعدة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية بناء على طلبها استناداً إلى القرارين ٤٢٥ و٤٢٦». آنذاك، طلب لبنان المساعدة الدولية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي. تحقق الانسحاب عام ٢٠٠٠، لكن الدولة لم تبسط سلطتها، بل تحوّل التحرير إلى تكريس لقوة حزب الله الداخلية.

وكشفت حرب ٢٠٠٦، حدود فاعلية اليونيفيل، إذ تبيّن أن حزب الله عزّز أكثر حضوره العسكري في جنوب لبنان من خلال بناء ترسانة عسكرية في مختلف المناطق التي يجب أن تكون تحت سيطرة الدولة اللبنانية، بالتوازي مع استمرار الخروقات الإسرائيلية. وأدّت الحرب إلى تكريس قوة الحزب ونفوذه، وإرساء نوع من الـ«status-quo» مع إسرائيل فرضته التوازنات الإقليمية آنذاك.

حينها، لم يرسم حزب الله السياسة الداخلية للدولة فحسب، بل أيضاً الحدود التي يسمح لقوات اليونيفيل بالتحرك ضمنها. وإذا ما حاولت تطبيق مهامها، كانت تتعرّض لحوادث أمنية متعددة تستهدفها في ظلّ عجز تام للدولة عن تأمين الحماية لها. لذلك، لم يكن إحجام الدول المشاركة عن القيام بواجباتها نابعاً من الحرص على سلامة جنودها فحسب، بل أيضاً من تقاطع مصالح بعضها مع سوريا في زمن الوصاية ثمّ حزب الله وإيران بعد ٢٠٠٥ (مصالح بعض الدول في المنطقة وفي أفريقيا على سبيل المثال). وهكذا، تحوّل دور اليونيفيل بحكم الأمر الواقع إلى شاهد، وإلى قوة مساهمة في التنمية الاقتصادية والمجتمعية في الجنوب.

بعد السابع من أكتوبر عام ٢٠٢٣ سقط حزب الله في حرب إسناد غزة فتبدّل ميزان القوى لمصلحة إسرائيل. منذ ذلك الوقت، بدأت إسرائيل محاولات استثمار ما حققته في الميدان، فحاولت تعديل القرار ١٧٠١ وتوسيع صلاحيات القوة الدولية، قبل أن يتمّ التمديد لليونيفيل في إطار منح الدولة اللبنانية مزيداً من الوقت لتنفيذ التزاماتها، لا سيّما في ما يتعلّق بسلاح حزب الله. لكن المشهد تبدّل مجدّداً مع قيام حزب الله بإدخال لبنان الحرب لإسناد إيران في مارس ٢٠٢٦. تكرّس التفوّق العسكري الإسرائيلي، فيما فشلت اليونيفيل مجدّداً في منع الحرب، وفشلت قبلها ومعها الدولة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وفشلت وما تزال في التعامل مع حزب الله.

تطلب الدولة اليوم بأركانها تجديداً مؤقّتاً آخر لقوات اليونيفيل خشية الفراغ الأمني في الجنوب. فعليّا، لا يكشف رحيلها الجنوب أمنيّاً، وهو المكشوف أساساً، بقدر ما يكشف الدولة اللبنانية نفسها وسياسة الهروب وشراء الوقت بانتظار تسوية خارجية.

فمرحلة ما بعد اليونيفيل تضع الدولة أمام مسؤوليات وتحديّات لا سيّما قدرتها على منع حزب الله من إدخال لبنان في حروب جديدة، ونزع السلاح، بالإضافة إلى التعامل مع المسار الأمريكي الذي يسعى إلى إعادة صياغة الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان بين لبنان وإسرائيل بدءا من اتفاق الإطار.

بعد ٤٨ عاماً، لا تكمن المشكلة في رحيل قوات اليونيفيل من عدمه، بل في الدولة اللبنانية نفسها. فإذا أراد أهل الحكم في لبنان إخراج البلد من حالة الاستنزاف بين تعنّت حزب الله وسلاحه والاحتلال الإسرائيلي، وجب عليهم تحمّل مسؤوليتهم بدل الالتفاف على القرارات الدولية قبل أن يسقط البلد مجدّداً في دوّامات من العنف والفوضى. اليونيفيل ليست قدراً... فمتى يصنع لبنان قدره؟