بعض المدن نزورها، وبعضها نسكنها. أما جدة، فهي التي تسكننا، حين تصنع الفرح، تمنحنا ذكرى أخرى لنحبها أكثر.


وفي خليجي 27، اتسعت الحكاية لفرحة استعادة الأخضر كأس الخليج، فرحة صنعتها جماهير حملت أصواتها وأحلامها إلى المدرجات، حتى عاد الكأس بعد طول غياب، وأضاف إلى ليالي المدينة ذكرى جميلة.


صحيح نحب ضجيج القاهرة، ونشتاق إلى أناقة بيروت، وتأخذنا الدار البيضاء بسحرها، لكن جدة تبقى حكاية مختلفة، لأنها لا تُختصر في بحر أو شارع أو مبنى، بل في ذاكرة تمتد بين ماضٍ لا يغيب، وحاضر يتجدد، وغدٍ تطل عليه المدينة من نافذة البحر.


جدة مدينة الدخول في تفاصيلها أشبه بالعوم، كلما ابتعدت عن الشاطئ اكتشفت عمقاً جديداً. وفي ليلها، حين تهدأ حرارة النهار، وتنعكس الأضواء على سطح البحر، تبدو حائرة بين السهر والنوم، فيما تتحوّل جلساتها وشوارعها إلى حكايات وقناديل وذكريات أجيال ما زالت حاضرة في حاراتها العتيقة ورواشينها وأبوابها، فعند باب مكة تتجلى صورة مدينة استقبلت منذ قرون قادمين. اختلطت فيها الوجوه والثقافات حتى أصبحت، بطريقة أو بأخرى، اختصاراً للناس جميعاً.


ومن هذه الذاكرة العريقة امتدت حفاوة العروس الحالمة بضيوف الخليج. وحملت البطولة عبارة، ترحيب تشبه المدينة وأهلها، «أهلاً بالخليج» ترحيب فتح للأشقاء باب المكان، ومنح المنافسة دفء اللقاء، لتبقى أيام البطولة في الذاكرة بما فيها من منافسة ومحبة وضيافة.


ومن البحر حملت المراكب قديماً المسافرين والحكايات، فعرفت جدة معنى الوصول والرحيل. تغيّرت جغرافيا المكان، لكن روح المدينة ما زالت تحتضن القادمين.


ولا يحتفظ البحر والتاريخ وحدهما، أسرار المدينة ولكن يبقى أهلها، من يمنحون المكان خفته ودفئه، ويحوّلون المشوار العابر إلى ذكرى، والجلسة البسيطة إلى حكاية، وظلت الحفاوة مرتبطة بطبيعة مدينة اعتادت أن تستقبل الناس، وأن تترك في قلوبهم سبباً للعودة لهذا نستطيع أن نحب مدناً كثيرة، وأن ننبهر بما فيها، لكن علاقتنا بجدة مختلفة. ففيها تتوزع أعمارنا بين شارع قديم، وصديق، وبيت، وغروب، ورائحة بحر. وتضاف إليها لحظة ارتفعت فيها الأعلام، وتعالت الهتافات، لتستعيد عروس البحر الأحمر بطولة كانت عصية، وتدون صفحة فرح في سجل ذكرياتنا التي لا تشيخ.