أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1891.jpg?v=1775997127&w=220&q=100&f=webp

صالح عيسى

منصات حياة تصنع الحراك في المدن

الفن مساحة واسعة لا يمكن حصرها في شكل واحد أو قالب محدد. فهو يظهر في المسرح، والموسيقى، واللوحة، والزي، والطعام، والكتاب، وفي كل تفصيل قادر على أن يمنح الإنسان معنى أجمل للحياة. ومن بين هذه المساحات، تأتي المهرجانات باعتبارها صورة حية للفن حين يخرج من حدوده الخاصة إلى الناس، ويتحول إلى احتفال جماعي يلتقي فيه الذوق بالذاكرة، والمتعة بالمعرفة، والهوية بالتجربة.

والمهرجان في مفهومه العام ليس فعالية عابرة، بل مناسبة منظمة تحمل هدفًا واضحًا؛ قد تكون احتفاءً بحدث سعيد، أو استحضارًا لذكرى وطنية أو تاريخية، أو مناسبة لتبادل الثقافات والفنون، أو نافذة للتعريف بمنتج محلي وموروث اجتماعي. لذلك تتعدد المهرجانات بتعدد أغراضها، ولا يمكن اختزالها في الحفلات الفنية وحدها، مهما كان حضورها لافتًا ومؤثرًا.

فهناك مهرجانات ترتبط بالوقت وطبيعة النشاط؛ فالأمسيات الفنية غالبًا ما تجد حضورها في الليل، حيث ينسجم المسرح مع الإضاءة والجمهور والأجواء الاحتفالية. وفي المقابل، تأتي مهرجانات المنتجات الزراعية والأنشطة الشعبية في النهار، لأنها أكثر التصاقًا بالسوق، والمزارع، والحرف، والتجربة المباشرة للزائر، مثل مهرجانات التمور، والفلفل، والقهوة، وغيرها من المواسم التي تحول المنتج من مجرد سلعة إلى حكاية وموروث وفرصة اقتصادية.

كما أن للمهرجانات وجوهًا أخرى لا تقل أهمية؛ فهناك مهرجانات للأزياء تكشف جانبًا من الذوق والهوية، ومهرجانات للطبخ تروي ذاكرة المجتمعات من خلال المائدة، ومعارض للكتاب تمثل احتفالًا بالفكر والمعرفة، وتفتح المجال أمام الكاتب والناشر والقارئ في لقاء ثقافي ممتد.

لهذا تبدو المهرجانات أكثر من مجرد تجمعات جماهيرية. إنها منصات حياة، تصنع الحراك في المدن، وتدعم السياحة، وتنعش الاقتصاد المحلي، وتمنح المجتمع فرصة للاحتفاء بما يملكه من فنون ومواسم ومنتجات وقصص. فالمهرجان الناجح لا ينتهي بانطفاء أضوائه، بل يبقى أثره في الذاكرة، وفي السوق، وفي صورة المكان.

00:00 | 4-08-2026

الغناء «الحلمنتيشي».. بين الفكاهة والطرب

ظهر الغناء الحلمنتيشي ليجعل من المفارقة والتهكم مادة فنية، ووسيلة للوصول إلى الجمهور، ولم يكن خروجًا على الفن بقدر ما كان استجابة لذائقة اجتماعية تبحث عن المتعة والابتسامة، في زمن تتعاظم فيه الضغوط.

في الوطن العربي، ارتبط هذا اللون بأسماء تركت أثرًا واضحًا، يأتي في مقدمتها الفنان المصري أحمد عدوية، الذي أحدث نقلة في الأغنية الشعبية، مقدّمًا لغة الشارع بإيقاعات جذابة، قبل أن يواصل آخرون هذا المسار، ومن أبرزهم شعبان عبدالرحيم، الذي مزج بين التعليق الاجتماعي واللغة المباشرة، حتى أصبحت أغانيه وثائق شعبية ترصد نبض الشارع أكثر من كونها أعمالًا موسيقية تقليدية.

أما في الخليج، فقد عرف هذا الاتجاه حضورًا لافتًا، خاصة في المنطقة الغربية، حيث برز الفنان طاهر كتلوج، الذي استطاع أن يحول الموقف اليومي إلى مادة غنائية ساخرة، تستند إلى المفردة المحلية وخفة الروح، فصنع لنفسه جمهورًا واسعًا ما زال يتداول أعماله حتى اليوم. كما برز الفنان خالد الملا، الذي قدم نموذجًا قريبًا في توظيف الشعر الشعبي البسيط والفكاهة داخل الأغنية الخليجية، مؤكدًا أن هذا اللون ليس حكرًا على بيئة واحدة، بل هو امتداد لثقافة شعبية عربية واسعة.

ورغم أن هذا النمط ظل عرضة لانتقادات من الذين رأوا فيه ابتعادًا عن جماليات الشعر واللحن، فإنه استطاع أن يفرض حضوره لعقود، لأن نجاح أي لون فني لا يُقاس فقط بمعايير النخبة، بل أيضًا بقدرته على الوصول إلى الناس والتعبير عنهم. فالفنون الشعبية، بطبيعتها، تنشأ من المجتمع وتستمد مشروعيتها من تفاعل الجمهور معها، لا من رضا النقاد وحدهم.

ومن اللافت، أن ما كان يُنظر إليه سابقًا بوصفه لونًا هامشيًا، عاد اليوم بصيغ جديدة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت الأغنية الساخرة، والمقطع القصير، والكلمة الخفيفة، أكثر قابلية للانتشار، حتى غدت كثير من هذه الأعمال تتصدر قوائم التداول، وتحصد ملايين المشاهدات خلال ساعات. وهكذا أعادت المنصات الرقمية إنتاج الفكرة نفسها، وإن اختلفت الأدوات والوسائط.

في النهاية، يبقى الغناء الحلمنتيشي جزءًا من التنوع الفني العربي، لا بديلًا عن الطرب الأصيل ولا خصمًا له. إنه لون يعكس جانبًا من الشخصية الشعبية العربية؛ شخصية تعرف كيف تضحك على همومها، وتحوّل تفاصيلها اليومية إلى مادة فنية خفيفة، تؤكد أن للفكاهة مكانًا في الثقافة، تمامًا كما للطرب مكانته، وأن الفن، في النهاية، يتسع لكل ما يلامس الإنسان ويعبر عن حياته.

00:01 | 28-07-2026

الخلط بين المفاهيم والمصطلحات.. مؤتمر صحفي أم لقاء إعلاميين؟

خلال أكثر من ربع قرن أمضيتها بين قاعات المؤتمرات، ومنصات المتحدثين، وغرف تنظيم الفعاليات، ولقاءات المسؤولين، وإدارة المؤتمرات الصحفية في قطاعات متنوعة، ومع شخصيات محلية ودولية في مجالات عدة، لاحظت أن أكثر المصطلحات تعرضًا للخلط هما: المؤتمر الصحفي والإحاطة الإعلامية، ويضاف إليهما نوع ثالث أصبح حاضرًا بكثرة، هو اللقاء الإعلامي الجماعي القصير.

هذا الخلط لا يقع عند الجمهور فحسب، بل يتكرر أحيانًا في بيانات رسمية، وفي الدعوات الإعلامية، وحتى في التغطيات الصحفية. ولذلك أعتقد، أن الوقت حان لإعادة ترتيب المفاهيم، ليس بوصفها ترفًا لغويًا، بل باعتبارها جزءًا من الاحتراف المهني.

المؤتمر الصحفي له وظيفة واضحة؛ فهو مناسبة لإعلان قرار إستراتيجي، أو إطلاق مشروع كبير، أو الكشف عن منتج أو مبادرة، أو التعامل مع قضية ذات اهتمام واسع. بطبيعته يصنع خبرًا جديدًا، ويستدعي حضورًا إعلاميًا واسعًا، ويقوده غالبًا صاحب القرار أو أعلى مسؤول في الجهة، مع مساحة مفتوحة للأسئلة والنقاش.

أما الإحاطة الإعلامية، فهي تؤدي وظيفة مختلفة تمامًا. فهي لا تُنشئ الخبر، بل تشرحه. لا تعلن القرار، بل تفسر أبعاده. هدفها تزويد الإعلام بالمعلومات، وتوضيح المستجدات، وتصحيح ما قد يلتبس، أو استكمال ما يحتاجه الرأي العام من تفاصيل. وغالبًا ما يقدمها المتحدث الرسمي أو مسؤول تنفيذي مختص، وقد تكون دورية أو مرتبطة بحدث معين.

ومن واقع التجربة، فإن المؤسسات الأكثر نضجًا في الاتصال المؤسسي هي التي تعرف متى تعقد مؤتمرًا صحفيًا، ومتى تكتفي بإحاطة إعلامية، لأن لكل منهما أثرًا مختلفًا على الرسالة الإعلامية، وعلى توقعات الصحفيين، وعلى حجم التغطية.

ويبقى النوع الثالث، الذي يختلط كثيرًا بالمؤتمر الصحفي، وهو اللقاء الإعلامي الجماعي القصير. هذا النموذج ليس مؤتمرًا صحفيًا بالمعنى المهني، بل لقاء سريع يجمع وسائل الإعلام مع شخصية أو مسؤول قبل حدث معين أو بعده، لإتاحة فرصة للأسئلة المحدودة والتصريحات المختصرة.

وعبر سنوات طويلة خلال عملي مع «روتانا»، كان ما تقوم به قبل حفلاتها الغنائية أو طرح ألبومات الفنانين في وقت سابق حالة نموذجية؛ إذ تسبق الحدث بلقاء إعلامي قصير يجمع وسائل الإعلام.

هذه الخطوة لا تهدف إلى إعلان قرار أو إطلاق مبادرة، وإنما إلى تهيئة التغطية الإعلامية، وإثراء المحتوى الصحفي، وإبراز الحدث بصورة أكثر احترافية. وهي ممارسة تستحق الامتثال؛ لأنها تعكس فهمًا مبكرًا لقيمة الإعلام، ولأهمية بناء علاقة مهنية مع الصحفيين، دون أن تُسمى مؤتمرًا صحفيًا.

وفي المقابل، أصبحنا نرى اليوم دعوات تحمل عنوان «مؤتمر صحفي»، بينما لا تتجاوز في حقيقتها إحاطة إعلامية مدتها عشر دقائق، أو لقاءً سريعًا للتصوير والتصريح، وهو ما يخلق توقعات غير صحيحة لدى وسائل الإعلام، ويؤثر في تقييم الحدث ذاته.

اللغة المهنية ليست مجرد ألفاظ، بل هي انعكاس لفهم طبيعة العمل. وعندما نصف كل لقاء بأنه مؤتمر صحفي، فإننا نفقد قيمة المؤتمر الحقيقي، ونشوّه وظيفة الإحاطة الإعلامية، ونخلط بين أدوات الاتصال المؤسسي.

تطوير الوعي بالمصطلحات الإعلامية لم يعد مسؤولية الجامعات وحدها، بل هو مسؤولية كل مؤسسة، وكل متحدث رسمي، وكل صحفي يحرص على دقة الممارسة قبل دقة الصياغة.

فالاحتراف يبدأ من تسمية الأشياء بأسمائها. وما دام الإعلام يقوم على نقل الحقيقة، فإن أول الحقيقة أن نستخدم المصطلح الصحيح.

00:00 | 21-07-2026

فن إدارة السوشال ميديا.. حين تصبح الرسالة أهم من النشر

لم يعد نجاح الحضور في منصات التواصل الاجتماعي مرهونًا بكثرة النشر أو سرعة التفاعل، بل بقدرة المحتوى على الوصول إلى الجمهور بالطريقة الصحيحة. ولهذا لم يكن وصف إدارة السوشال ميديا بـ«الفن» وصفًا عابرًا، وإنما توصيفًا يعكس طبيعة هذا العمل الذي يقوم على المزج بين الفكرة وأسلوب تقديمها، حتى تتحول الرسالة الإعلامية إلى أثر حقيقي.

إدارة السوشال ميديا ليست عملية تقنية تعتمد على جدولة المنشورات أو متابعة التعليقات، بل منظومة متكاملة تبدأ بفهم الجمهور المستهدف، مرورًا بإنتاج محتوى يحمل قيمة مضافة، ثم تحليل النتائج وقراءة البيانات لمعرفة ما يحقق التفاعل، وما يعزز الحضور، وما يخدم أهداف المؤسسة أو العلامة التجارية. فكل منشور هو قرار، وكل قرار يجب أن يستند إلى معرفة، لا إلى الاجتهاد وحده.

وفي المقابل، يبرز اعتقاد شائع بأن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت بديلًا كاملًا للإعلام التقليدي، وهو تصور يفتقر إلى الدقة. فالإعلام الرقمي لم ينشأ بمعزل عن الصحافة والإذاعة والتلفزيون، بل استند إلى قواعدها المهنية، واستفاد من خبراتها التحريرية، ثم أضاف إليها أدوات جديدة للوصول والتفاعل والانتشار.

لهذا، فإن نجاح العمل الإعلامي اليوم لا يتحقق بإقصاء وسيلة لصالح أخرى، وإنما بتكامل الأدوار بينها. فالإعلام التقليدي يصنع العمق والمصداقية، بينما تمنح السوشال ميديا سرعة الوصول، وقياس التفاعل، وإدارة الحوار مع الجمهور. وعندما تجتمع هذه العناصر في منظومة واحدة، تصبح الرسالة أكثر تأثيرًا واستدامة.

الفارق الحقيقي لا تصنعه المنصة، بل من يديرها. فامتلاك حسابات نشطة لا يعني امتلاك حضور إعلامي مؤثر، كما أن كثرة المتابعين لا تعني بالضرورة نجاح الرسالة. لذلك، يبقى فن إدارة السوشال ميديا قائمًا على فهم الإنسان قبل الخوارزمية، وعلى صناعة المحتوى قبل البحث عن الانتشار، لأن القيمة هي التي تبني الجمهور، أما الضجيج فلا يصنع تأثيرًا طويل الأمد.

00:01 | 14-07-2026

ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي استنساخه.. الإحساس الفني

الصوت مادة خام، أما الغناء فهو شخصية كاملة. بين الحرف والحرف، وبين النفس والنفس، يعيش ذلك الإحساس الذي لا تُنتجه الخوارزميات ولا تحفظه قواعد البيانات. هنا يكمن الفارق بين التقليد والإبداع، وبين المحاكاة والحضور.

يمكن اليوم، أن نستمع إلى أغنية لطلال مداح يؤديها الذكاء الاصطناعي بصوت محمد عبده، أو إلى عمل بصوت طلال مداح لأغاني محمد عبده، لكن الأذن الخبيرة ستكتشف سريعًا أن شيئًا أساسيًا مفقود، ذلك الشيء ليس النبرة، بل طريقة بناء الجملة الموسيقية، ومواقع التنفس، وحجم الانفعال، والقدرة على تطويع الكلمة، والزمن الذي يمنحه الفنان لكل حرف قبل أن ينتقل إلى الحرف التالي.

التزييف العميق اقتحم الفن كما اقتحم السياسة والإعلام، وأصبح قادرًا على إنتاج أعمال تبدو حقيقية للوهلة الأولى، لكنه لا يستطيع استنساخ التجربة الإنسانية التي صنعت الفنان. فالمدارس الغنائية لا تُبنى على طبقات الصوت وحدها، بل على سنوات من التراكم، والذائقة، والثقافة، والخبرة، والانفعال الصادق أمام النص واللحن.

لهذا، لن يكون مستقبل الفن معركة بين الإنسان والآلة، بل بين الأصالة والمحاكاة. قد تنجح التقنية في استعارة الأصوات، لكنها تعجز عن استعارة الروح. وقد تُقلّد الذبذبات، لكنها لا تُقلّد الإحساس الذي يجعل المستمع يميز الفنان من أول كلمة، حتى لو تغير اللحن.

الفنان الحقيقي يترك في كل عمل بصمة لا تُقاس بالترددات الصوتية، بل بالهوية الفنية. وتلك الهوية ستظل العلامة الأكثر مقاومة لفوضى الذكاء الاصطناعي، لأنها تنبع من إنسان عاش التجربة قبل أن يغنيها، بينما لا تعرف الآلة سوى إعادة ترتيب ما سبق أن صنعه الإنسان.

00:07 | 6-07-2026

من شابه اباه ماظلم .. إبداع متوارث ونهج مختلف

أن تكون ابن اسمٍ كبير، فهذه ميزة لا ينكرها أحد، لكنها في الوقت نفسه قد تكون أصعب اختبار مهني يمكن أن يواجهه الإنسان.

فالاسم يسبقك، والمقارنة تلاحقك، والنجاح لا يُحسب لك وحدك، كما أن التعثر يُضخَّم أكثر من غيرك.

هذه المعادلة تتكرر في الوسط الفني والإعلامي، حيث بدأ عدد من أبناء الأسماء اللامعة يشقون طريقهم بهدوء، ومن بينهم عبدالرحمن، نجل فنان العرب محمد عبده، وأحمد، نجل سالم الهندي.

حضورهما يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتجدد مع كل جيل: هل يسير الأبناء على خطى آبائهم، أم يصنعون لأنفسهم طريقاً مختلفاً؟

في الواقع، الاسم الكبير يفتح الباب الأول، لكنه لا يضمن استمرار الرحلة. فالجمهور قد يرحب بالبداية، لكنه لا يمنح النجاح مجاناً. ومع مرور الوقت، تختفي قوة اللقب، ولا يبقى سوى ما يقدمه صاحبه من موهبة، وشخصية، وحضور، وقدرة على الإضافة.

وربما تكون المفارقة أن أبناء النجوم يخوضون سباقاً أصعب من غيرهم. فالفنان أو الإداري الجديد يُقاس بما يقدمه، بينما يُقاس ابن النجم بما يقدمه وبما قدمه والده طوال سنوات. لذلك تبدو مساحة الخطأ لديهم أضيق، بينما تصبح مساحة التوقعات أكبر بكثير.

فالأسماء الكبيرة تصنع الفرصة الأولى، لكنها لا تصنع التاريخ مرتين. التاريخ يكتبه كل جيل بطريقته، ويمنح مكانته لمن ينجح في أن يكون نفسه، لا ظلاً لغيره.

عبدالرحمن يحمل إرثاً فنياً استثنائياً، فوالده أحد أهم الأسماء التي صنعت تاريخ الأغنية العربية. ومع ذلك، يبدو حريصاً على أن تكون خطواته محسوبة، وأن يبني شخصيته بعيداً عن استعجال الأضواء، مدركاً أن الإرث الكبير يحتاج إلى مسؤولية أكبر من حاجته إلى الشهرة.

وفي المقابل، يبرز أحمد سالم الهندي بصورة لافتة داخل المشهد الموسيقي، مقدماً نموذجاً لشاب يعرف تفاصيل الصناعة التي عاشها منذ سنوات، لكنه يدرك أيضاً أن النجاح الحقيقي لا يتحقق بالانتساب إلى اسم والده، بل بالقدرة على صناعة أثره الخاص، وهو ما بدأت ملامحه تظهر في حضوره وعلاقاته وإسهاماته.

الجميل في التجربتين، أنهما لم تنطلقا من فكرة «ابن فلان»، بل من الرغبة في إثبات الذات. وهذه هي المعادلة الأصعب؛ أن تحترم تاريخ والدك، دون أن تعيش في ظله، وأن تستفيد من خبرته، دون أن تعتمد عليها.

ولعل عبدالرحمن محمد عبده وأحمد سالم الهندي، يقدمان اليوم مثالاً جميلاً على أن أفضل وفاء للآباء ليس تقليدهم، بل بناء نجاح جديد يضيف إلى إرثهم، ويؤكد أن العائلة لم تنجب اسماً جديداً فحسب، بل جيلاً قادراً على مواصلة الحكاية بأسلوبه الخاص.

00:03 | 30-06-2026

الترفيه.. صناعة الفرح وأحد وجوه التحول السعودي

صناعة الترفيه في المملكة لم تعد مساحة عابرة للمتعة، ولا برنامجاً موسمياً يكتفي بإضاءة المسارح وإشعال المدن بالفعاليات، بل تحولت إلى قطاع اقتصادي مؤثر، يملك أرقامه، وشراكاته، ومشاريعه، ومساره الواضح داخل منظومة التحول الوطني التي تقودها رؤية السعودية 2030.

الأرقام التي أعلنتها الهيئة العامة للترفيه تحمل دلالات تتجاوز قيمتها المالية المباشرة؛ فـ1.5 مليار ريال لمشاريع ترفيهية جديدة، و390 مليون ريال ضمانات تمويل للقطاع، و9 اتفاقيات مع بنوك تجارية، ليست مجرد مؤشرات على نمو قطاع في عقد، بل رسالة واضحة بأن الترفيه بات جزءاً من الاقتصاد الجديد، ومجالاً قابلاً للاستثمار، وصناعة قادرة على خلق الفرص، وتحريك السوق، وتمكين رواد الأعمال، وفتح الأبواب أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

هذا التحول لم يكن ليتحقق بهذه السرعة لولا الرؤية الطموحة التي أطلقها ويدعمها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، بما حملته من إعادة تعريف لمفهوم جودة الحياة، وتنويع مصادر الدخل، وتوسيع مجالات العمل والاستثمار، وصناعة بيئة حيوية تجعل الإنسان في قلب التنمية، لا على هامشها. ولجهود المستشار تركي آل الشيخ أثر واضح في تحويل الترفيه إلى قطاع منظم ومؤثر، يراكم التجربة، ويستقطب الشراكات، ويدفع بالمبادرات إلى مستويات أكثر احترافية. فقد استطاعت الهيئة، عبر هذا الحراك، أن تجعل الترفيه واجهة جاذبة، وسوقاً قابلة للنمو، ومنصة تمنح المواهب والشركات المحلية مساحة أوسع للحضور والمنافسة.

وتكمن أهمية الضمانات التمويلية والاتفاقيات المصرفية في أنها تمنح المستثمرين ثقة أكبر، وتفتح المجال أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتحوّل البهجة إلى دورة اقتصادية تستفيد منها قطاعات الإنتاج، والتقنية، والتسويق، والضيافة، والنقل، والخدمات اللوجستية.

بعد عقد من الترفيه، تبدو الصورة أكثر نضجاً: المملكة لا تصنع مناسبات للدهشة فقط، بل تبني صناعة للفرح، تقف على أرض اقتصادية صلبة، وتترجم رؤية وطنية يقودها الطموح، ويدعمها القرار، وتصوغها أرقام تكشف أن المستقبل هنا لا يُنتظر.. بل يُصنع.

00:48 | 22-06-2026

صداقة صنعتها السنوات.. ووفاء لا تغيره الظروف

تختبر الحياة العلاقات كما تختبر الأشخاص، فتسقط أسماء كثيرة مع تبدل الظروف، بينما تبقى أخرى راسخة لأنها تأسست على الاحترام والوفاء قبل أي اعتبار آخر. ومن العلاقات التي تستحق التوقف عندها العلاقة التي جمعت عراب «روتانا» سالم الهندي بسفير الأغنية الخليجية الفنان القدير عبدالله الرويشد، وهي علاقة تجاوزت حدود الفن والعمل المشترك إلى مساحة أوسع من التقدير الإنساني والصداقة الصادقة.

يمثل عبدالله الرويشد أحد أبرز الأسماء التي تركت أثراً ممتداً في تاريخ الأغنية الخليجية والعربية، ليس فقط بما قدمه من أعمال خالدة، بل أيضاً بما عُرف عنه من أخلاق رفيعة وعلاقات متينة مع الفنانين والمنتجين وصناع الإبداع. وقد حافظ طوال مسيرته على صورة الفنان القريب من الجميع، الحريص على احترام كل من يساهم في إثراء المشهد الفني والثقافي، الأمر الذي منحه مكانة خاصة تجاوزت حدود النجاح الفني وحده.

وأتيحت لي، بحكم القرب من الطرفين، فرصة مشاهدة جانب من هذه العلاقة عن قرب، حيث بدا واضحاً حجم التقدير المتبادل بين سالم الهندي وعبدالله الرويشد. لم تكن العلاقة قائمة على المصالح أو المشاريع المشتركة، بل على معرفة طويلة ومواقف متراكمة صنعت مع الوقت رابطاً إنسانياً متيناً.

وتعود هذه العلاقة إلى سنوات البدايات، حين كان كل منهما مؤمناً بمسيرة الآخر وداعماً لها. ومع مرور السنوات وتعاظم النجاحات، بقيت الصداقة ثابتة، محافظة على دفئها الإنساني وقيمتها الحقيقية بعيداً عن ضجيج الوسط الفني وتقلباته.

ويكاد اسم عبدالله الرويشد يحضر في كثير من أحاديث سالم الهندي ومناسباته، مقروناً دائماً بكلمات التقدير والوفاء. كما ظل الهندي حاضراً إلى جانب صديقه في مختلف المحطات، تأكيداً على علاقة لم تصنعها الشهرة بقدر ما صنعتها المواقف.

يحمل هذا النموذج رسالة مهمة، مفادها، أن بعض العلاقات لا تقاس بطول السنوات فحسب، بل بما تختزنه من احترام ومحبة ووفاء. ولهذا تبدو صداقة سالم الهندي وعبدالله الرويشد واحدة من أجمل الحكايات الإنسانية التي أنجبتها الساحة الفنية الخليجية عبر السنوات.

أتذكر جيداً الوعكة الصحية العابرة التي تعرض لها الفنان عبدالله الرويشد قبل ساعات من حفله في المنطقة الشرقية. وعندما زرته في المستشفى للاطمئنان عليه، لم أجد مشهداً يعبر عن عمق العلاقة أكثر من ذلك المشهد البسيط في تفاصيله، الكبير في معناه. كان سالم الهندي جالساً إلى جوار أبو خالد، مشمراً عن ساعديه، يناوله وجبته بيده ويحرص على متابعته بنفسه.

لم يكن المشهد استعراضاً أمام أحد، ولم يكن مناسبة لالتقاط صورة أو صناعة موقف. كان تصرفاً عفوياً خرج من قلب صديق تجاه صديقه، واختصر سنوات طويلة من المودة والوفاء في لحظة واحدة.

عندها أدركت، أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى كلمات كثيرة لتفسيرها، فالمواقف وحدها تتحدث. وأدركت أيضاً، أن ما يجمع سالم الهندي وعبدالله الرويشد أكبر من علاقة فنان بمسؤول أو نجم بشريك نجاح، بل صداقة حقيقية صنعتها السنوات ورسختها المواقف.

فأي محبة يمكن أن تكون أصدق من أن تجلس إلى جوار صديقك في ظرفه الصحي، وتحرص على تفاصيله الصغيرة قبل الكبيرة؟ وأي وفاء أجمل من حضور لا تصنعه الواجبات، بل تمليه المحبة الصادقة؟

00:07 | 15-06-2026

تركي آل الشيخ.. بين صناعة الظواهر وصناعة الفارق

لا تصنع الكاميرات النجاح، ولا الميزانيات الضخمة وحدها، ولا حتى الأسماء اللامعة. النجاح الحقيقي يبدأ من مكان آخر؛ من الفكرة التي ترى ما لا يراه الآخرون، ومن العقل القادر على تحويل الإمكانات المتاحة إلى حدث استثنائي يتجاوز حدود التوقعات.

لهذا تبدو تجربة فيلم «الكلاب السبعة» أبعد من كونها مجرد مشروع سينمائي جديد أو فيلم أكشن ضخم. ما يحدث هنا هو نموذج واضح لفلسفة مختلفة يمكن تسميتها بـ«صناعة النجاح». فالتاريخ الفني مليء بالأفلام، ومزدحم بالمنتجين والمخرجين والنجوم، لكن القليل فقط من هذه الأعمال ينجح في صناعة حالة استثنائية تسبق عرضه وتتحول إلى حديث الرأي العام قبل أن تصل أول مشاهده إلى الجمهور.

الفرق غالباً لا يكمن في الأدوات، بل في القدرة على توظيفها. كثيرون يمتلكون الإمكانات ذاتها، لكن النجاح يصنعه من يعرف كيف يلتقط الفكرة المناسبة، وكيف يجمع العناصر الصحيحة، وكيف يدير المشروع بعقلية تؤمن بالنتيجة النهائية قبل أن يراها الآخرون.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة ما تحقق لفيلم «الكلاب السبعة». فالأرقام القياسية والاهتمام الإعلامي الواسع لم يكونا وليدي الصدفة، بل نتيجة رؤية آمنت بالمشروع منذ بدايته، وعملت على تقديمه بوصفه فرصة لإحداث نقلة نوعية في المشهد السينمائي العربي، لا مجرد عمل يضاف إلى قائمة الإنتاجات السنوية.

ويبرز هنا دور المستشار تركي آل الشيخ، بوصفه أحد أبرز صناع هذه الحالة. فالمتتبع للمشاريع التي يقف خلفها يلاحظ أن القاسم المشترك بينها ليس حجم الإنفاق أو كثافة الحضور الإعلامي فحسب، بل الإصرار على الوصول إلى أعلى سقف ممكن من النجاح. فالمشروع بالنسبة إليه لا يتوقف عند حدود التنفيذ، بل يمتد إلى بناء التأثير وصناعة القيمة وتحويل الفكرة إلى قصة نجاح كاملة الأركان.

الأهم من ذلك، أن نجاح «الكلاب السبعة» لا يُقرأ باعتباره إنجازاً شخصياً أو فنياً منفرداً، بل باعتباره جزءاً من الحراك الثقافي السعودي المتسارع. فكل مشروع ينجح في الوصول عالمياً يضيف لبنة جديدة إلى صورة السينما السعودية، وقدرتها على المنافسة والتأثير والحضور.

ومن قلب الرياض، لا يجري إنتاج فيلم فحسب، بل تُصنع قصة جديدة تؤكد أن النجاح في جوهره ليس نتاج الصدفة، وإنما ثمرة رؤية تعرف أين تتجه، وكيف تصل، ولماذا يجب أن تصل أولاً.

00:11 | 8-06-2026

البرامج التي هزمت الزمن

يصنع الزمن غرباله الخاص، فيبقي أعمالاً قليلة ويطوي آلاف الأعمال الأخرى. وتكفي استعادة اسم برنامج مضى على غيابه سنوات طويلة لندرك حجم الأثر الذي تركه، وحجم المكانة التي حجزها في ذاكرة الناس. فالأعمار الحقيقية للبرامج لا تُحسب بعدد حلقاتها، بل بعدد السنوات التي تبقى فيها حاضرة في الوجدان.

أستعيد هذه الفكرة كلما مرّ أمامي اسم (الأرض الطيبة)، ذلك البرنامج الذي خرج من الإذاعة السعودية وظل أكبر من مجرد مادة إعلامية عابرة. فقد نجح في أن يكون ذاكرةً للمكان، وصوتاً للإنسان، وسجلاً يوثق تفاصيل الحياة السعودية وعلاقة الناس بأرضهم وعملهم وقيمهم اليومية.

المثير أن البرنامج ما زال حاضراً في ذاكرتنا رغم تغيُّر الأجيال والوسائل والمنصات. وما ذلك إلا لأن الأعمال الصادقة لا ترتبط بزمن إنتاجها بقدر ارتباطها بعمق فكرتها وقربها من الناس. ولهذا ظل (الأرض الطيبة) شاهداً على مرحلة إعلامية كانت تؤمن ببناء الأثر قبل صناعة الضجيج.

وتقودنا هذه الحقيقة إلى سؤال مشروع: أين البرامج التي تستطيع اليوم أن تعيش العمر نفسه؟ فالمشهد الإعلامي الحالي أكثر ازدحاماً من أي وقت مضى، وأكثر قدرة على الوصول والانتشار، لكنه أقل قدرة على إنتاج برامج طويلة العمر. برامج كثيرة تحقق أرقاماً مرتفعة، ثم تختفي بمجرد انتهاء موسمها، بينما بقيت برامج محدودة الإمكانات حية في الذاكرة لعقود كاملة.

ومن البرامج التي تنتمي إلى هذه المدرسة أيضاً (ربوع بلادي)، الذي قدم رحلة وطنية فريدة بين مناطق المملكة ومحافظاتها، موثقاً معالمها وتاريخها وتنوعها الثقافي والحضاري. لم يكن برنامجاً سياحياً بالمعنى التقليدي، بل مشروعاً وطنياً أسهم في تعريف السعوديين بوطنهم، وربط المشاهد بجغرافيا بلاده وإنسانها وتراثها.

هنا تتجلى قيمة الإذاعة السعودية على وجه الخصوص. فرغم سطوة التلفزيون آنذاك، استطاعت الإذاعة أن تحافظ على هويتها وأن تنتج برامج بقيت أطول عمراً من كثير من البرامج المرئية. كانت أقل حضوراً في الصورة، لكنها أكثر رسوخاً في الذاكرة.

وحين يُذكر (الأرض الطيبة)، و(ربوع بلادي) اليوم، فإن الحديث لا يكون عن برامج قديمة بقدر ما يكون عن أثرٍ ما زال حياً، وعن إعلامٍ عرف كيف يحوّل المحتوى إلى ذاكرة، والبرنامج إلى جزء من حياة الناس.

00:16 | 2-06-2026