أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1818.jpg?v=1762347796&w=220&q=100&f=webp

ناصر الدعجاني

يا بردوني.. ماذا أحدثك عن صنعاء؟

يا شاعرنا اليمني العظيم عبدالله البردوني.. يوم وقفت أمام أبي تمام وسألته: «ماذا أحدث عن صنعاء يا أبتِ؟».. لم تكن تدري أن السؤال سيبقى بعدك.. وأن صنعاء ستبلغ من الوجع ما يجعل الجواب أشق من السؤال.


فماذا أحدثك عنها يا أبا اليمن؟ أحدثك أن الحوثيين دخلوا مدينتك باسم إنقاذها.. ثم ضاقت بأهلها واتسعت للسلاح. أخذوا من اليمن اسمه وتاريخه.. وتركوا لأهله الخوف والجوع والحرب. كلما تحدثوا عن النصر.. سألت أم يمنية عن ابنها.. وسأل أب عن خبز بيته.. وسأل طفل متى يعود إلى مدرسته.


قلت يوماً: «فظيع جهل ما يجري.. وأفظع منه أن تدري». ونحن ندري يا بردوني.. نرى بلداً يريد أن يعيش.. وجماعة تريد له أن يظل في الحرب. تدعي أنها تتكلم باسم اليمنيين.. ثم لا تترك لهم حق الاعتراض عليها. ترفع راية اليمن.. وتطلب من اليمني أن يسلمها صوته وولده ومستقبله.


وكنت تقول: «يمانيون في المنفى.. ومنفيون في اليمن». ما أقسى أن يخرج الإنسان من بلاده هرباً من الحرب.. وما أقسى أن يبقى فيها.. ثم يشعر بالغربة في مدينته. أن يبحث عن الأمان وراء باب بيته.. وعن كلمة يقولها بلا خوف.. وعن غدٍ لا يتقرر تحت فوهة بندقية.


يا بردوني.. زفرتك القديمة ما زالت تعبر جبال اليمن وسهوله. وحين وصفت قوماً بأنهم «يقتاتون أفئدة الجوعى».. تركت لنا صورة يصعب نسيانها. يشتد جوع الناس.. فلا يشبع الذين يتاجرون بمأساتهم. يحتاج اليمني إلى رغيف ودواء وعمل.. ويجد من يطالبه بالمزيد من الصبر.. كي تستمر حرب لم يخترها.


ناديت اليمن: «يا أمي اليمن الخضرا». وبلغنا حبك لها في الجوار.. فأحببنا أهلها.. ولبينا نداءها حين امتدت المحنة إلى ديارنا. لكن عصبة جعلت من أرض اليمن منطلقاً للسلاح نحو جيرانه.. وأساءت إليه وإلينا. ومع ذلك.. لم تختلط علينا الوجوه يوماً.. نعرف اليمن بأهله.. ولا نختصره فيمن صادروا قراره. نعرفه في بيوته وأسواقه وحقوله.. وفي رجال ونساء يريدون لأبنائهم حياة لا تقاس بطول الحرب.


يا بردوني.. لم تكن تتنبأ بالحوثيين.. لكنك عرفت ما يفعله الاستبداد حين يلبس ثوب الوطن.. وما تفعله الحرب حين تصبح رزق من يشعلونها. لهذا ما زالت كلماتك توجعنا في الوطن العربي كله.. لأن صنعاء التي خاطبتها لم تكن مدينة في قصيدة فحسب.. كانت أماً تخاف عليها.


سألت أبا تمام ماذا تحدثه عن صنعاء.. واليوم نقول لك: لا يزال فيها من يحبها كما أحببتها.. ومن يريد لها أن تعود بيتاً لأهلها جميعاً. صنعاء تنتظر أبناءها.. كي يعيدوها إلى نفسها.

18:44 | 28-09-2026

من قصر الإليزيه.. السعودية تصدر نماذجها الاستثمارية إلى أوروبا..

قبل أعوام قليلة، كان السؤال الذي يسبق كل زيارة سعودية إلى عاصمة أوروبية: ماذا ستشتري الرياض؟ أما في باريس هذه المرة فقد انقلب السؤال: ماذا ستبني السعودية هنا؟


هذا التحوّل في صيغة السؤال هو المدخل الحقيقي لقراءة زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا. فالزيارة لم تكن معرضاً للعقود ولا قائمة مشتريات، بل تعبيراً عن تغيّر موقع المملكة في علاقاتها الدولية.. من سوق تستقبل المنتج والخبرة ورأس المال، إلى شريك يملك نماذجه الاستثمارية، وينقلها إلى الخارج، ويدخل في تطوير التقنية وصناعة الأسواق.


المثال الأكثر وضوحاً ظهر في مشروع القدية قرب باريس. وللمرة الأولى تنتقل تجربة سعودية حديثة في صناعة الترفيه إلى دولة أوروبية بهذا الحجم. فالمملكة التي كانت تستورد الألعاب والمدن الترفيهية وخبراتها التشغيلية، أصبحت مستثمراً يطوّر وجهة متكاملة في منطقة سيرجي بونتواز، باستثمار يقارب ستة مليارات يورو، مع توقع توفير نحو 22 ألف وظيفة.


ليست المسألة إنشاء ألعاب جديدة فحسب، بل تصدير نموذج اقتصادي وُلد من احتياج سعودي، ثم نضج حتى أصبح قابلاً للعمل في سوق عالمية كالسوق الفرنسية. فالقدية هنا لا تبيع تذكرة ترفيه، بل تنقل منظومة تجمع الاستثمار والتطوير والضيافة والثقافة والرياضة وصناعة المحتوى.


وحين يقدم الرئيس إيمانويل ماكرون المشروع للفرنسيين بوصفه تطوراً لم تشهد فرنسا مثله منذ ديزني لاند باريس، فنحن لا نسمع مجاملة دبلوماسية، بل نرى رئيس دولة أوروبية يستخدم الاستثمار السعودي للحديث إلى مواطنيه عن الوظائف والتنمية وجاذبية بلاده الاقتصادية.


وفي الجانب الثقافي، جاء قرار إنشاء مركز ثقافي سعودي في باريس ليكمل المعنى نفسه. فالحضور الثقافي السعودي في فرنسا لن يبقى مرتبطاً بمعرض مؤقت أو فعالية موسمية، بل يتجه للتحول إلى منصة دائمة تقدم الثقافة السعودية للجمهور الفرنسي، وتفتح المجال أمام المبدع السعودي لبناء علاقات مباشرة مع المؤسسات الثقافية الأوروبية.


وهكذا يتحرك النموذج السعودي على مسارين متوازيين: مشروع ترفيهي يستثمر في الاقتصاد الفرنسي، ومركز ثقافي يبني حضوراً إنسانيا طويل المدى. الأول يصنع الوظائف والعوائد، والثاني يصنع المعرفة المتبادلة وصورة لا تستطيع البيانات السياسية وحدها صناعتها.


لكن التحول الأكثر عمقاً ظهر في ملف التقنية. فالعلاقة التقليدية بين الدول المنتجة للتقنية والدول المستوردة لها كانت تقوم غالباً على بيع المنتج النهائي، مع الاحتفاظ بالمعرفة في بلد المنشأ. أما الاتفاقات الجديدة فتشير إلى انتقال العلاقة نحو التطوير المشترك وبناء القدرات والتشغيل المحلي.


اتفاق «هيومين» السعودية و«ميسترال» الفرنسية في الذكاء الصناعي يقدم مثالاً واضحاً. فالمملكة لا تشتري برنامجاً جاهزاً، بل تدخل في تطوير نماذج متقدمة موجهة للعربية، وتطبيقات للأمن السيبراني وتقنيات الصوت، مع ربطها ببنية حوسبة سعودية، وتسويقها في قطاعات حساسة مثل المال والاتصالات والصناعة والقطاع العام.


وهذا يغيّر موضع المملكة داخل سلسلة التقنية.. من مستخدم في نهايتها إلى شريك في تصميمها وتشغيلها وحماية بياناتها. كما يفسّر حضور مفهوم «الذكاء السيادي»، حيث لا تنفصل التقنية عن سيادة البيانات والقدرة على التحكم في البنية التي تعمل من خلالها.


وفي النقل ظهر الاتجاه نفسه. فعقد قطارات مترو الرياض لا يقف عند التوريد، بل يمتد الى دعم تجميع قطارات الخط السابع داخل المملكة. والفرق بين الحالتين كبير.. ففي الأولى تصل العربة جاهزة، وفي الثانية تنتقل معها المعرفة والتدريب وسلسلة الموردين وفرص العمل.


حتى الاتفاق الدفاعي يمكن قراءته من الزاوية نفسها. فهو لم يعلن صفقة سلاح بعينها، بل وضع إطاراً للتعاون في التقنيات والصناعات الدفاعية والأمن السيبراني والذكاء الصناعي والتدريب والتعليم العسكري. والمعنى هنا أن العلاقة الدفاعية تتحرّك من شراء المنظومة إلى المشاركة في بناء القدرة الوطنية المرتبطة بها.


وفي الصحة، لم يعد التعاون محصوراً في العلاج أو استقدام الطبيب، بل امتد إلى الأبحاث السريرية والصحة الرقمية والذكاء الصناعي والصناعات الدوائية وتدريب الأطباء، مع بحث تصنيع التقنيات الطبية داخل المملكة. أي أن الخدمة تتحوّل إلى سلسلة تبدأ بالبحث والتدريب، وقد تنتهي بامتلاك التقنية وتصنيعها.


هذه النماذج لم تظهر منفصلة عن السياسة. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز أعاد تقديم السعودية بوصفها مورداً للطاقة وممراً لوجستياً في الوقت نفسه، تربط الخليج بالبحر الأحمر، وتملك بنية يمكن أن تدخل ضمن المسارات البديلة للتجارة والطاقة. ومن هنا يصبح تطوير ميناء جدة وشبكات الكهرباء والنقل جزءاً من مكانة جيوسياسية، لا مشروعات محلية منعزلة.


وما يمنح هذه المسارات فرصة الاستمرار هو مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي. فقيمته ليست في مراسم اجتماعه الأول، بل في تحويل العلاقة من اتفاقات مرتبطة بالزيارات إلى ملفات تخضع للمتابعة والقياس والتنفيذ.


من قصر الإليزيه لم يعد السؤال: ماذا اشترت السعودية من فرنسا؟.. بل ماذا ستبني السعودية في فرنسا، وماذا ستبني فرنسا مع السعودية؟


هنا تتغير طبيعة النفوذ.. من امتلاك السلعة إلى امتلاك النموذج، ومن استيراد التقنية إلى المشاركة في تطويرها، ومن حضور مؤقت في أوروبا إلى استثمار وثقافة ومعرفة تترك أثراً طويل المدى.

00:00 | 27-08-2026

أمين جدة.. ومدينة تعيد رسم نفسها

مع صدور الأمر الملكي بتعيين إحسان بن عباس بافقيه أميناً لمحافظة جدة.. تدخل المدينة مرحلة جديدة من مسيرة لم تبدأ اليوم، بل مضت فيها خلال الأعوام الماضية بخطوات كبيرة، وقرارات جريئة، ومشاريع أعادت تشكيل كثير من ملامحها.


ولعل لجدة خصوصية تجعل كل خبر يتصل بها يتجاوز حدوده الإدارية.. فهي ليست مدينة عابرة في الجغرافيا السعودية، ولا مجرد شاطئ طويل على البحر الأحمر.


جدة عانقت البحر فعانقها.. واستقبلت عبر مرفئها حجاج بيت الله الحرام وزواره، وكانت بوابة للقادمين من جهات الأرض، قبل أن يصبح مطارها واحداً من أكبر بوابات المملكة إلى العالم.


ولهذا.. لم تكن جدة يوماً مجرد مدينة.. بل بوابة للوطن.. وذاكرة لأبنائه.. وشريكاً في صناعة تاريخه.


وكانت عبر مراحل من تاريخ الدولة حاضنة للحضور الدبلوماسي، ومقراً لمؤسسات وطنية كبرى، ونافذة تنظر منها المملكة إلى العالم، وينظر العالم منها إلى المملكة.


واليوم.. تستقبل جدة أمينها الجديد، وهو ابن من أبنائها، يعرف أسماء أحيائها، وذاكرة شوارعها، وخصوصية أهلها، ويأتي إليها بخبرة تراكمت في القطاع الخاص والعمل الاستثماري وقيادة هيئة عقارات الدولة.


وهذه الخبرة لا تقدم سيرة ذاتية فحسب، بل تضع أمام المدينة رجلاً عرف ملفات الأراضي والأصول والاستثمار والتطوير.. وهي ملفات تتقاطع اليوم مع واحد من أكبر التحولات العمرانية التي شهدتها جدة في تاريخها الحديث.


فالمساحات الواسعة التي خلفتها معالجة الأحياء العشوائية ليست فراغات في جسد المدينة.. بل صفحات تنتظر من يكتب عليها ملامح جدة الجديدة.


وقد كان ما جرى حدثاً غير مسبوق في حجمه وأثره.. فأحياء كاملة تغيرت، ومساحات شاسعة انفتحت، وعيون كثيرة تتجه اليوم إلى ما ستصبح عليه تلك المواقع بعد أن كانت لسنوات جزءاً من مشهد اعتاده الناس، رغم ما كان يحمله من تعقيدات ومشكلات متراكمة.


وليس من الإنصاف أن نتحدث عن هذه المرحلة دون الإشارة إلى الجهود الكبيرة التي بذلت خلال عهد الأمين السابق صالح التركي، فقد شهدت جدة في تلك السنوات عملاً واسعاً، وتحولات مهمة، وملفات ثقيلة جرى التعامل معها في وقت لم يكن سهلاً، حتى وصلت المدينة إلى هذه اللحظة التي تقف فيها على أرض جديدة، وتطل على أفق أكثر اتساعاً.


ومن يقف اليوم على أحد المرتفعات المطلة على جدة.. سيرى مدينة تتحرك أمام عينيه.


سيرى مساحات ولدت من قلب التحول.. وشوارع تمتد.. ومشاريع تتشكل.. ومدينة لا تكتفي بأن تكبر، بل تعيد رسم نفسها.


جدة التي تعيد رسم نفسها لا تفعل ذلك في العمران وحده، فهي مدينة بحر وشاطئ.. ومدينة ميناء وقاعدة بحرية.. ومدينة مطار يستقبل ملايين المسافرين.. ومدينة تتطلع إلى منظومة نقل عام تليق بحجمها، وإلى مترو ما زال الناس ينتظرون أن يتحول من مشروع مؤجل إلى واقع، فيما يقترب النقل البحري من أن يصبح جزءاً من حركة المدينة وحياتها اليومية.


وهي فوق ذلك كله بوابة للحرمين.. يمر بها القادم إلى مكة، ويحمل منها أول انطباع، وربما آخر ذكرى قبل الرحيل.


لهذا تبدو مسؤولية أمانة جدة أوسع من حدود العمل البلدي المعتاد.. فهي تتصل بصورة مدينة، وبهوية مكان، وبجودة حياة ملايين البشر الذين يسكنونها أو يعبرون منها.


وفي جدة تفاصيل كثيرة لا تظهر في الصور الجوية للمشاريع الكبرى.


أحياء ما زالت طرقها تنتظر إعادة السفلتة.. وشوارع تحتاج إلى أن تستعيد عافيتها.. وأرصفة تبحث عن المشاة.. ومساحات عامة تحتاج إلى ظل يرحم الناس من قيظ الصيف، فقد تكون مظلة في موقف عام أو خاص تفصيلاً صغيراً في مشروع مدينة، لكنها عند أسرة أو كبير سن ليست تفصيلاً عابراً.


غير أن جدة أكبر من أن تختصر في قائمة مطالب.


هي فرصة وطنية كبرى لإعادة صياغة العلاقة بين البحر والمدينة، وبين التاريخ والعمران، وبين الاستثمار والإنسان.


فالمدن لا تصنعها الأبراج وحدها، ولا تقاس بجمال واجهاتها فقط.. بل بما تمنحه لسكانها من شعور بأن المكان يعرفهم، ويحفظ ذاكرتهم، ويفتح لهم باب المستقبل.


وجدة تملك من التاريخ والموقع والروح ما يجعلها مرشحة دائماً لأن تكون في الصف الأول بين مدن العالم.


وهي اليوم لا تبدأ من الصفر، ولا تمحو ما سبقها، بل تبني على تراكم من الجهود والمشاريع والقرارات، وتستقبل مرحلة جديدة تضيف إلى ما تحقق، وتمنح المدينة فرصة أخرى لتقترب من الصورة التي تستحقها.


ولعل أجمل ما في هذا التعيين أنه يعيد واحداً من أبناء جدة إلى مدينته في لحظة فارقة من تاريخها.. لا ليبدأ حكايتها، فحكاية جدة أقدم من الجميع، بل ليشارك في كتابة فصل جديد منها.


فصول المدن لا يكتبها شخص واحد، ولا جهة واحدة، لكنها تحتاج في كل مرحلة إلى من يدرك قيمة اللحظة، ويعرف أن بعض الفرص حين تمر.. لا تعود.


وجدة اليوم أمام واحدة من تلك الفرص.


مدينة عريقة تقف على أرض جديدة.. وبحر قديم يطل على أفق جديد.. وذاكرة تحفظ ما مضى، من دون أن تتوقف عن صناعة ما هو آت.


وهكذا تظل جدة.. كلما اكتمل فيها فصل، فتحت البحر على فصل آخر.

00:05 | 13-07-2026

السعودية.. دبلوماسية ورسالة الدولة الكبيرة

لم‭ ‬تكن‭ ‬زيارة‭ ‬الوفد‭ ‬السعودي‭ ‬إلى‭ ‬طهران‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬مراسم‭ ‬تشييع‭ ‬خامنئي‭ ‬مجرد‭ ‬حضور‭ ‬بروتوكولي‭ ‬عابر‭.. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬أيضاً‭ ‬مجاملة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬تقليدية‭ ‬يمكن‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬الواجبات‭ ‬الرسمية‭ ‬الباردة‭. ‬كانت‭ ‬في‭ ‬عمقها‭ ‬رسالة‭ ‬سياسية‭ ‬هادئة‭.. ‬محسوبة‭.. ‬ومشحونة‭ ‬بالرمز‭.‬

في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لا‭ ‬تمشي‭ ‬الوفود‭ ‬على‭ ‬السجاد‭ ‬الأحمر‭ ‬فقط‭.. ‬بل‭ ‬تمشي‭ ‬فوق‭ ‬طبقات‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬والذاكرة‭ ‬والدم‭ ‬والشكوك‭. ‬وكل‭ ‬خطوة‭ ‬في‭ ‬عاصمة‭ ‬مثل‭ ‬طهران‭.. ‬وكل‭ ‬مصافحة‭.. ‬وكل‭ ‬توقيع‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬عزاء‭.. ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقرأ‭ ‬باعتباره‭ ‬موقفاً‭ ‬لا‭ ‬صورة‭.‬

السعودية‭ ‬اختارت‭ ‬أن‭ ‬تحضر،‭ ‬وهذا‭ ‬وحده‭ ‬كان‭ ‬كافياً‭ ‬ليقول‭ ‬الكثير‭.‬

لم‭ ‬تذهب‭ ‬الرياض‭ ‬لتغيّر‭ ‬موقفها‭ ‬من‭ ‬الملفات‭ ‬الخلافية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭.. ‬ولم‭ ‬تذهب‭ ‬لتمنح‭ ‬طهران‭ ‬صكاً‭ ‬سياسياً‭ ‬مفتوحاً‭.. ‬لكنها‭ ‬ذهبت‭ ‬لتقول‭ ‬إن‭ ‬الدول‭ ‬الكبيرة‭ ‬لا‭ ‬تدار‭ ‬بردود‭ ‬الفعل‭.. ‬وإن‭ ‬الخصومة‭ ‬لا‭ ‬تمنع‭ ‬العقل‭.. ‬وإن‭ ‬المنطقة‭ ‬المتعبة‭ ‬من‭ ‬الحرائق‭ ‬تحتاج‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬لفتة‭ ‬باردة‭ ‬تخفّف‭ ‬حرارة‭ ‬النار‭.‬

ردود‭ ‬الفعل‭ ‬الإيرانية‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬الرسالة‭ ‬وصلت‭. ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسة‭ ‬الحاكمة‭ ‬فقط‭.. ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬قطاعات‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬العاديين‭ ‬والمثقفين‭ ‬الذين‭ ‬قرأوا‭ ‬الحضور‭ ‬السعودي‭ ‬باعتباره‭ ‬تصرفاً‭ ‬رفيعاً‭.. ‬واعترافاً‭ ‬ضمنياً‭ ‬بأن‭ ‬زمن‭ ‬الصراخ‭ ‬المتبادل‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مفيداً‭ ‬لا‭ ‬لإيران‭ ‬ولا‭ ‬للسعودية‭ ‬ولا‭ ‬للخليج‭.‬

اللافت‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الإيرانيين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يحبون‭ ‬النظام‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬يتعاملوا‭ ‬مع‭ ‬الزيارة‭ ‬السعودية‭ ‬كخطأ‭. ‬بعضهم‭ ‬فصل‭ ‬بوضوح‭ ‬بين‭ ‬موقفه‭ ‬من‭ ‬خامنئي‭ ‬وبين‭ ‬تقديره‭ ‬لسلوك‭ ‬دولة‭ ‬تحضر‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬موت‭.. ‬لا‭ ‬لتبارك‭ ‬التاريخ‭ ‬كله‭.. ‬بل‭ ‬لتحترم‭ ‬معنى‭ ‬الدولة‭ ‬ومعنى‭ ‬الجوار‭ ‬ومعنى‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭ ‬على‭ ‬الحقد‭ ‬وحده‭.‬

وهنا‭ ‬بالضبط‭ ‬تبدو‭ ‬براعة‭ ‬الخطوة‭ ‬السعودية‭.‬

فهي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬اندفاعاً‭ ‬عاطفياً‭.. ‬ولا‭ ‬رسالة‭ ‬سياسية‭.. ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الصامتة‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تقول‭ ‬الخطب‭. ‬المملكة‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬علاقتها‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬محكومة‭ ‬بملفات‭ ‬صعبة‭.. ‬اليمن‭.. ‬الخليج‭.. ‬المليشيات‭.. ‬النفوذ‭.. ‬الأمن‭.. ‬الثقة‭ ‬المفقودة‭. ‬لكنها‭ ‬تعرف‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬الخصومة‭ ‬فن‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬الصداقة‭.‬

في‭ ‬لحظة‭ ‬إقليمية‭ ‬قلقة‭.. ‬تبدو‭ ‬السعودية‭ ‬كمن‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬ينقل‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الثأر‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الحساب‭. ‬من‭ ‬السياسة‭ ‬الغاضبة‭ ‬إلى‭ ‬السياسة‭ ‬العاقلة‭. ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬يحرّض‭ ‬الشارع‭ ‬إلى‭ ‬الموقف‭ ‬الذي‭ ‬يهدئه‭.‬

هل‭ ‬أحب‭ ‬الإيرانيون‭ ‬الخطوة؟‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬نعم‭. ‬هل‭ ‬غيّرت‭ ‬الزيارة‭ ‬كل‭ ‬شيء؟‭ ‬قطعاً‭ ‬لا‭. ‬هل‭ ‬صنعت‭ ‬انطباعاً‭ ‬حسناً؟‭ ‬نعم‭.. ‬وبقوة‭ ‬أكبر‭ ‬مما‭ ‬يظنه‭ ‬المتعجلون‭.‬

لأن‭ ‬الشعوب‭ ‬لا‭ ‬تقرأ‭ ‬السياسة‭ ‬كما‭ ‬يقرأها‭ ‬المحللون‭ ‬دائماً‭. ‬أحياناً‭ ‬تكفيها‭ ‬صورة‭ ‬واحدة‭. ‬وفد‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬الرياض‭ ‬إلى‭ ‬طهران‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬وداع‭.. ‬بلا‭ ‬ضجيج‭.. ‬بلا‭ ‬منّة‭.. ‬بلا‭ ‬استفزاز‭. ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬وحدها‭ ‬كفيلة‭ ‬بأن‭ ‬تخفف‭ ‬قليلاً‭ ‬من‭ ‬جبل‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬الظن‭.‬

وفي‭ ‬السياسة‭.. ‬ليست‭ ‬كل‭ ‬المكاسب‭ ‬اتفاقيات‭ ‬كبرى‭. ‬أحياناً‭ ‬يكون‭ ‬المكسب‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬خصمك‭ ‬يراك‭ ‬أقل‭ ‬عداء‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬يظن‭. ‬وأن‭ ‬تجعل‭ ‬شعباً‭ ‬طالما‭ ‬سمع‭ ‬عنك‭ ‬لغة‭ ‬التخويف‭ ‬يقول‭ ‬فجأة‭: ‬ربما‭ ‬ليست‭ ‬السعودية‭ ‬كما‭ ‬صوّروها‭ ‬لنا‭.‬

ذلك‭ ‬هو‭ ‬المكسب‭ ‬الحقيقي‭.‬

لقد‭ ‬تصرفت‭ ‬السعودية‭ ‬هنا‭ ‬كدولة‭ ‬تعرف‭ ‬وزنها‭. ‬لم‭ ‬تذهب‭ ‬لتعتذر‭.. ‬ولم‭ ‬تذهب‭ ‬لتصفق‭.. ‬بل‭ ‬ذهبت‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الثقة‭ ‬لا‭ ‬تبنى‭ ‬بالشعارات‭.. ‬بل‭ ‬بتراكم‭ ‬الإشارات‭ ‬الصغيرة‭. ‬وأن‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الراقية‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬بيان‭ ‬طويل‭.. ‬أحياناً‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تحضر‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭.. ‬وتصمت‭ ‬بالقدر‭ ‬المناسب‭.. ‬وتترك‭ ‬للناس‭ ‬أن‭ ‬يفهموا‭ ‬الرسالة‭.. ‬والرسالة‭ ‬وصلت‭. ‬

00:01 | 7-07-2026

الظل ليس مخالفة..!

في مدننا الحارة.. لا تبدو الشمس مجرد حالة طقس عابرة..

بل جزء يومي من تفاصيل الحياة التي يواجهها الناس بصبر طويل.

ولهذا لم تكن مظلات السيارات التي انتشرت أمام بعض المنازل مجرد قطعة حديد أو قماش..

بل محاولة بسيطة لاحتمال هذا الصيف الممتد.

ومنذ سنوات تتكرر حملات إزالة المظلات في بعض الأحياء تحت مبررات التنظيم وتحسين المشهد الحضري.. وهي أهداف محترمة لا يختلف عليها اثنان.. لكن السؤال الذي يعود مع كل حملة:

كيف يمكن أن يكون القرار نظامياً وإنسانياً في نفس الوقت؟

المواطن البسيط لا يحارب البلدية..

ولا يرفض التنظيم..

ولا يريد تشويه المدينة التي يحبها..

كل ما يريده أن يقي نفسه وأطفاله من لهيب الشمس القاسي.. وأن يحمي سيارته من الحرارة التي تلتهم كل شيء داخلها مع الوقت.

وربما لا يشعر كثيرون بحجم المعاناة لأنهم ببساطة لا يعيشونها.

.. قد لا يتخيل ماذا يعني أن تترك سيارتك ساعات طويلة تحت شمس الظهيرة ثم تدخلها وكأنك تواجه موجة نار محبوسة خلف الزجاج.

هنا لا نتحدث عن رفاهية..

بل عن الموظف.. والمعلم.. والمتقاعد.. والأرملة.. ورب الأسرة الذي يعود بأطفاله من المدارس أو الجامعات أو المستشفيات أو المكاتب في عز الصيف.

تخيلوا فقط تلك اللحظة:

طفل يفتح باب السيارة في ظهيرة يوم حار.. فيرتد سريعاً من لفح الحرارة.

أمٌ تحاول أن تُجلس أبناءها على مقاعد تكاد تحرق أجسادهم.

رجل يضع يده على المقود فيسحبها من شدة السخونة.

هواء مشتعل يندفع من فتحات التكييف قبل أن يبدأ التبريد بعد دقائق طويلة.

وليست لحظة عابرة ثم تُنسى..

بل معاناة تتكرر كل يوم.. مع كل خروج.. ومع كل عودة.

تتشقق بعض الأجزاء داخل السيارة مع الوقت..

وتذوب أشياء كثيرة تحت الحرارة القاسية..

ويتحوّل الوقوف دقائق داخل السيارة إلى اختبار صبر يومي يعرفه كل من عاش الصيف الحقيقي في هذه البلاد.

ولذلك يشعر بعض الناس أن إزالة المظلات لم تمس الحديد فقط.. بل مسّت شيئاً من رحمتهم البسيطة بالحياة.

لا أحد يرفض التنظيم..

لكن الناس تسأل: لماذا لا يكون التنظيم رحيماً أيضاً؟

المظلات ليست مشكلة مستحيلة الحل.

يمكن تنظيم أشكالها..

وتوحيد ألوانها..

وفرض اشتراطات جمالية عليها..

بل وحتى تحديد خاماتها ومواقعها وارتفاعاتها.

قولوا للناس اجعلوها بلون موحد..

أو بخامة محددة..

أو بتصميم معين..

اطلبوا ما تشاؤون لتحسين المشهد الحضري..

لكن لا تتركوا المواطن وحيداً في مواجهة الشمس.

فالقرار الجميل ليس فقط ذلك الذي يبدو صارماً على الورق.. بل الذي يشعر الناس بعده أن أحداً اقترب من تعبهم اليومي وفهمه.

فالإنسان.. مهما اتسعت المدن من حوله.. سيظل يبحث عن شيء بسيط جداً: فقط قليل من الظل.

00:00 | 26-06-2026

من وحي تهاني العيد

مع كل عيد.. تتحول الهواتف إلى موانئ مزدحمة ترسو فيها آلاف التهاني القادمة من كل اتجاه.. بطاقات أنيقة.. صور براقة.. أدعية جميلة.. وعبارات اجتهد أصحابها في اختيار الخطوط والألوان أكثر مما اجتهدوا في اختيار المتلقين ! وكلما ازداد عدد الرسائل.. ازداد سؤال صغير يتسلل إلى الذهن: كم واحدة منها كُتبت حقاً من أجلي؟ فالفرح لا يأتي من عدد الرسائل التي تصلنا.. بل من الرسالة التي نشعر أنها لم تكن لتُكتب لغيرنا.. أن يقتطع أحدهم دقيقة من يومه.. ويتوقف وسط الزحام.. ثم يكتب اسمه.. اسمه هو.. لا اسم مجموعة.. ولا اسم قائمة.. ولا اسم فئة كاملة من البشر.


ولعل هذا ما يجعل بعض الرسائل تعيش في الذاكرة سنوات طويلة.. بينما تموت أخرى بعد ثوان من وصولها. ليس لأن الأولى أكثر بلاغة.. بل لأنها أكثر صدقاً. فالرسائل المسبقة الصنع تشبه كثيراً الزهور البلاستيكية.. ألوانها زاهية.. وشكلها جميل.. وتصلح للعرض من بعيد.. لكن شيئاً ما ينقصها دائماً.. شيئاً لا تستطيع المصانع إنتاجه مهما بلغت دقتها «الحياة». وكذلك هي التهاني الجماعية.. تصل بسرعة.. وتنتشر بكفاءة.. وتؤدي المهمة بنجاح إداري باهر.. لكنها كثيراً ما تفشل في أداء المهمة الإنسانية ذاتها.. مهمة أن يشعر إنسان بأن أحدهم «خصه» بالتذكار.


ومن طرائف عصرنا أن بعض الناس يقضي وقتاً طويلاً في تصميم بطاقة العيد.. ثم يضغط زر الإرسال الجماعي في أقل من ثانية.. فتنطلق التهاني كالشحنات التجارية..لا تعرف أين هبطت.. ولا من قرأها.. ولا من تجاهلها.. ولا من كان ينتظر كلمة مختلفة فوجد نفسه مجرد محطة عابرة في خط توزيع طويل... وكأن بعض الرسائل لا تبحث عن أصحابها.. بل تبحث عن إبراء ذمة.


ومع ذلك تبقى هناك فئة أخرى من البشر.. أولئك الذين ما زالوا يؤمنون أن العلاقات لا تُدار بخدمة التوصيل السريع.. وأن الود ليس ملفاً يُنسخ ويُلصق.. ولا بطاقة جاهزة للاستخدام.. ولا قالباً محفوظاً منذ عيدين أو ثلاثة.. هؤلاء يكتبون ببطء. ويتذكرون ببطء. ويرسلون ببطء. لكن رسائلهم تصل بسرعة مدهشة إلى المكان الصحيح. إلى القلب. ففي الأعياد لا يفتش الناس عن عبارات جديدة.. العبارات متوافرة بكثرة. ولا يبحثون عن صور أجمل.. فالصور تملأ الشاشات. إنهم يبحثون عن ذلك الشعور النادر.. أن يتذكرهم أحد خارج الرسائل المعلبة.. وخارج خطوط الإنتاج.. وخارج قوائم الإرسال الجماعي.. أن يشعروا أنهم لم يكونوا جزءاً من المناسبة.. بل سبباً فيها.


ولذلك لا تبقى في الذاكرة تلك الرسائل التي مرت بنا ضمن قافلة طويلة من المرسلات.. بل تبقى الرسائل التي توقفت عند بابنا وحده. فالإنسان يمتن لمن هنأه في العيد.. لكنه لا ينسى من تذكره بين الزحام وناداه باسمه.

00:17 | 31-05-2026

إيران.. من تصدير الثورة إلى استيراد الأزمات...

لم تبدأ أزمة إيران مع محيطها من خلاف حدود...


ولا من تنافس طبيعي بين دول...


بل من فكرةٍ خرجت من حدودها، وقررت أن تعيش خارج الجغرافيا:


ما عُرف بسياسة «تصدير الثورة» التي ارتبطت بثورة 1979 في إيران.


منذ ذلك الحين، لم تعد العلاقة مع الجوار تُدار بمنطق الدولة،


بل بمنطق المشروع...


وشتّان بين دولةٍ تحمي حدودها، ومشروعٍ يبحث عن حدود جديدة.


وعلى امتداد نحو خمسة عقود، والمنطقة تدفع كلفة هذه الفكرة...


توترات لا تهدأ، وملفات لا تُغلق، وشعوب تُستنزف، بينما تتكشّف الحقيقة المؤلمة:


أن الضحايا لا يدركون مغزى الشعارات... لكنهم يدفعون أثمانها كاملة.


ثم لنذهب إلى ما هو أبعد من النقد... إلى ما هو أعمق من الحلم:


ماذا لو توقفت فكرة تصدير الثورة عند حدودها؟


ماذا لو تحوّلت الموارد إلى الداخل بدل أن تتشظى في الخارج؟


لماذا لا تتفهم إيران أن الاختلاف لا يُدار بالصواريخ... ولا يُحسم بالوكلاء،


وأن الشعوب —سنيةً كانت أو شيعية— لم تكن يوماً بطبيعتها وقوداً للفرقة، بل عاشت دهوراً من التعايش، حتى جاءت الأيديولوجيات فحوّلت الاختلاف إلى مشروع صراع؟


أي مشهد كان سيُكتب للمنطقة؟


وأي قوة كان سيملكها العالم الإسلامي لو أنه تماسك بدل أن يتشظى؟


لكن الواقع يقول غير ذلك...


فالسياسات التي تُبنى على التمدد، لا تعرف الاكتفاء،


والمشاريع التي تتغذى على الصراع، لا تعيش إلا به.


ولهذا، فإن أخطر ما في تصدير الثورة...


أنه لا يكتفي بإشعال محيطه،


بل يعود —عاجلاً أو آجلاً— ليأكل نفسه.

00:15 | 24-03-2026

تقاطع المصالح.. حين تتعرى الغابة داخل الإنسان..!

لا يجمع البشر الحب كما يقال.. ولا تفرقهم الكراهية كما يروّج.. الذي يجمعهم غالباً هو تقاطع المصالح.. والذي يباعد بينهم هو تعارضها.. وبين التقاطع والتعارض تدور أكثر المعارك هدوءاً.. وأكثر الابتسامات برودة.

الحضارة لم تلغِ شريعة الغاب.. هي فقط ألبستها بدلة رسمية.

في الغابة يفترس القوي الضعيف بلا خطاب إخلاقي.. وفي المجتمع قد يحدث الشيء نفسه لكن عبر أنظمة.. وعقود.. وتحالفات.. وتفسيرات قانونية.. وتبريرات ذكية.. تتغيّر الأدوات.. ولا يتغير الدافع.

قال توماس هوبز.. الإنسان ذئب لأخيه الإنسان.

ليست عبارة أدبية.. بل توصيف لطبيعة تنفلت إذا غاب الضابط.

صراع البقاء ليس فكرة بيولوجية فقط.. بل سلوك اجتماعي متكرر.. وظيفة.. صفقة.. نفوذ.. مكانة.. فرصة.. كلها ساحات افتراس ناعم.. كم من حق أزيح لأن صاحبه ضعيف.. وكم من فرصة خطفت؛ لأن الخاطف أسرع لا أحق.

المصالح لا تعرف الوفاء بطبيعتها.. الوفاء قيمة تزرع فوقها.. لذلك حين تترك المصالح بلا تهذيب تتحوّل العلاقات إلى سوق.. والناس إلى أدوات.. والوعود إلى أوراق تفاوض.

قال ميكافيلي.. الغاية تبرر الوسيلة.

لم يكن يعلم الفضيلة.. بل يشرح كيف يفكر الطامح إلى السلطة حين تتقدم المصلحة على المبدأ.

هل الإنسان محكوم بهذه الفطرة الصراعية فقط..؟ لو كان كذلك لما بقي معنى للتضحية.. ولا للعدل.. ولا للرحمة.. ولا للأمانة حين لا يراك أحد.

هنا يأتي الدين.. لا كطقس.. بل ككابح.. كميزان يقيّد اليد حين تقدر.. وكضمير يبقي للحق قيمة حتى حين لا توجد كاميرات.

في الحديث الشريف.. لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

هذه العبارة وحدها تهدم شريعة الغاب من جذورها.. لأنها تنقل الإنسان من منطق الغلبة إلى منطق المشاركة.

وقال ابن خلدون.. الظلم مؤذن بخراب العمران.

ليست موعظة.. بل قانون تاريخي.. المجتمعات التي تطلق يد المصلحة المجردة تسقط.. ولو بعد حين.. لأن الثقة تتآكل.. والثقة هي العملة الحقيقية لأي عمران.

الدين لا يلغي المصلحة.. بل يهذبها.. لا يمنع السعي.. بل يمنع الافتراس.. لا يوقف التنافس.. بل يمنع الفتك.

وحين يتجرد الإنسان من خصال الدين.. أيّاً كان معتقده.. تعود الغابة فوراً.. حتى لو بقيت ناطحات السحاب واقفة.

الفارق بين إنسان متديّن حقاً.. وإنسان بلا وازع.. يظهر في لحظة القدرة.. هل يبطش.. أم يعدل.. هل يخطف.. أم ينصف.. هل ينجو وحده.. أم ينجو ومعه غيره.

الحضارة الحقيقية لا تقاس بارتفاع المباني.. بل بعمق الضمير.

وما لم تضبط المصالح بقيم أعلى منها.. سنظل نبدل اسم الغابة فقط.. لا قانونها.

00:00 | 17-02-2026

ما بين ضفتين... أمن لا يقبل الحياد   

في الجغرافيا يمكن تجاهل المسافات.. لكن في البحر الأحمر لا يمكن تجاهل النتائج..

هنا.. ما بين ضفتين متقابلتين.. يصبح الأمن خيارًا واحدًا.. لا يقبل الحياد بين الساحل السعودي والساحل السوداني خط مستقيم لا يتجاوز أربعمائة كيلومتر عبر البحر الأحمر.. مسافة قصيرة في حساب الجغرافيا.. لكنها في حساب السياسة والأمن والإنسان أوسع أثرًا من خرائط كثيرة.. هذا الخط ليس وهمًا على ورق.. بل شريان حياة حقيقي.. عبره تعارف الناس.. وتُبودِلَت السلع.. وتحركت السفن.. وتكوّنت مصالح لا يمكن فصلها بقرار.. ولا تجاهلها ببرود.

من هنا.. يصبح البحر الأحمر أقل شبهًا بالحاجز.. وأكثر شبهًا بالمرآة.. ما يحدث على إحدى ضفتيه ينعكس سريعًا على الأخرى.. ولهذا لا تبدو السعودية بعيدة حين تنظر إلى السودان.. ولا طارئة حين تمد يدها إليه في لحظة تعثّر.. فالسودان ليس جارًا خلف الجبال.. بل شريكًا مباشرًا على ضفة مقابلة.. وأي فراغ أمني أو إنساني هناك.. هو تهديد صامت هنا.

حين اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023.. لم تحتج السعودية إلى تبرير تحرّكها.. البحر نفسه كان كافيًا.. عبر موانئ البحر الأحمر جرت عمليات الإجلاء.. ونُقلت مئات الأرواح من بورتسودان إلى جدة.. في مشهد أعاد تعريف الجوار.. لا بوصفه مجاملة سياسية.. بل مسؤولية عملية.. لم يكن ذلك فعل استعراض.. بل استجابة طبيعية لجغرافيا لا ترحم من يتجاهلها.

ولأن السياسة الحكيمة لا تكتفي بالإسعاف الطارئ.. تحوّلت جدة إلى منصة تهدئة ومحاولة رأب صدع.. فاحتضنت مسار الوساطة.. وخرجت منها بيانات هدنة.. وإعلانات لحماية المدنيين.. ومساعٍ لفتح ممرات إنسانية.. قد تتعثر السياسة.. وقد تخذل البنادق موائد الحوار.. لكن مجرد بقاء الجهد قائمًا.. يعني أن هناك من يفهم أن ترك السودان ينزف.. ليس خيارًا آمنًا لأحد.

وفي موازاة السياسة.. حضرت الإنسانية.. مشاريع طبية.. قوافل إغاثة.. وعمليات جراحية أُجريت في مدن سودانية ساحلية.. في وقت كانت فيه المستشفيات تُستهدف أو تُغلق.. هنا.. لم تعد المسافة البحرية رقمًا في الأطالس.. بل زمن استجابة.. وفارق حياة.

السعودية.. وهي تنظر إلى الضفة الأخرى من البحر الأحمر.. لا ترى دولة فقط.. بل ترى استقرار الإقليم كله.. ترى الملاحة.. والتجارة.. وأمن البحر.. ومستقبل شرق أفريقيا.. ترى أن السودان إذا وقف على قدميه.. وقف معه ميزان المنطقة.. وإذا سقط.. فلن يسقط وحده.

لهذا.. لا غرابة أن تلتفت السعودية إلى شريكها في الضفة المقابلة.. تحاول تضميد جراحه.. ومساعدته على استعادة عافيته.. لا بدافع العاطفة وحدها.. بل بحساب الدولة التي تعرف أن أقرب طريق إلى أمنها.. قد يكون خطًا مستقيمًا.

00:08 | 6-01-2026

الزواج من الخارج.. ناقوس خطر على الأسرة السعودية..!

لم يعد الزواج من الخارج مسألة شخصية تُناقش في إطار الخيارات الفردية وحدها.. بل أصبح ـ وفق الأرقام الرسمية ـ ظاهرة متنامية تستدعي وقفة وطنية جادة.. لا بدافع التضييق أو الوصاية، بل من منطلق حماية المجتمع واستقراره على المدى البعيد.. فحين تُسجَّل أكثر من ألف موافقة زواج من الخارج في ربعٍ واحد فقط من هذا العام فإن الأمر يتجاوز الحالات الاستثنائية، ليصبح مساراً اجتماعياً يتوسع بهدوء.. دون نقاش عام كافٍ.. ودون قراءة معمّقة لعواقبه.


التجربة الواقعية تُظهر أن اختلاف العادات والتقاليد لا يطفو على السطح في السنوات الأولى من الزواج.. بل يتأخر ظهوره إلى مراحل لاحقة.. حيث تبدأ الخلافات حول أسلوب التربية.. والقيم.. وحدود السلطة داخل الأسرة.. وطبيعة العلاقة مع المجتمع.. وفي كثير من الحالات يكون الأبناء.. وهم سعوديون في الهوية والجنسية.. هم أول الضحايا... إذ ينشأون في حالة ارتباك ثقافي وانتمائي.. بين نمطين اجتماعيين مختلفين.. ما ينعكس على استقرارهم النفسي.. وتكيّفهم الاجتماعي.


كما أن الأسرة السعودية بطبيعتها ليست علاقة ثنائية مغلقة.. بل منظومة ممتدة تقوم على الترابط والتكافل.. وعندما يدخل طرف غير منسجم ثقافياً واجتماعياً.. تبدأ مشكلات التوافق مع الأسرة الكبرى.. فتظهر القطيعة.. وتتصاعد الخلافات.. وتضعف الروابط التي شكّلت عبر عقود ركيزة من ركائز الاستقرار الاجتماعي في المجتمع السعودي.


ولا يمكن إغفال البعد القانوني والإنساني لهذا النوع من الزيجات.. إذ تشير الوقائع إلى أن عدداً من النزاعات الزوجية يتحول إلى ملفات عابرة للحدود.. تشمل قضايا حضانة.. وسفر أبناء.. واستغلال ثغرات قانونية في دول أخرى.. أو اللجوء إلى محاكم خارجية.. وهنا لا نتحدث عن معاناة أسرية فحسب.. بل عن تحديات قانونية وسيادية تُحمّل الدولة والمواطن أعباء متراكمة كان بالإمكان تقليلها عبر سياسات أكثر حذراً وتنظيماً.


وفي خضم هذا المشهد.. تبرز المرأة السعودية بوصفها المتضرر الأكبر.. وإن لم يُصرَّح بذلك صراحة.. فالتوسع غير المنضبط في الزواج من الخارج ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تضييق فرص الزواج أمام فتيات الوطن.. ورفع معدلات العنوسة.. وزيادة أعداد المطلقات.. وحين نضع هذه المعطيات بجانب حقيقة صادمة.. وهي أن المملكة شهدت خلال العام الماضي حالة طلاق كل عشر دقائق.. ندرك أن أي عامل إضافي يزعزع استقرار الأسرة يجب أن يُناقش بجدية.. لا أن يُترك دون مساءلة.


المسألة هنا لا تتعلق بالتشكيك في النوايا.. ولا بتجريم خيار بعينه.. بل بقراءة النتائج على أرض الواقع.. فالدول التي تنظر إلى مستقبلها بوعي تدرك أن التحولات الديموغرافية والاجتماعية ليست تفصيلًا هامشياً.. بل عنصر أساسي من عناصر الأمن الوطني.. والتراكم الصامت للزيجات العابرة للثقافات.. دون إطار واضح أو ضوابط صارمة.. قد يفرز على المدى البعيد إشكالات في الهوية والانتماء.. وهي قضايا لا تُعالج بعد وقوعها.. بل تُدار مسبقاً بالحكمة والتنظيم.


إن فتح هذا الملف لا يعني الدعوة إلى المنع المطلق.. ولا إلى التضييق غير المبرر.. وإنما يعني الانتقال من سياسة التجاهل إلى سياسة الترشيد.. ومن ردّ الفعل إلى التخطيط الاستباقي.. فالمجتمع الذي لا يحمي أسرته.. ولا يضع مصلحة فتياته وأبنائه في مقدمة أولوياته يدفع ثمن ذلك لاحقاً بأشكال مختلفة.. اجتماعية ونفسية وأمنية.


لقد آن الأوان لأن نقر بأن الزواج من الخارج.. حين يتحول من خيار فردي محدود إلى ظاهرة متنامية.. يصبح شأناً عاماً يستحق النقاش والتنظيم.. وأن ندق ناقوس الخطر اليوم.. قبل أن نجد أنفسنا بعد سنوات أمام مشكلات أعمق.. وأكثر تعقيداً.. يصعب احتواؤها أو إصلاح آثارها.

00:04 | 23-12-2025