أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1235.jpg&w=220&q=100&f=webp

علي محمد الحازمي

السعودية.. من إدارة الدّيْن إلى صناعة السوق

تُعد أسواق الدّيْن في اقتصادات الدول معيارًا مهمًا لعمق السوق المالية، ومؤشرًا على جاذبية الاقتصاد وقدرته على استقطاب رؤوس الأموال العالمية. ومن هذا المنطلق، نستطيع قراءة إعلان وزارة المالية السعودية والمركز الوطني لإدارة الدّيْن عن تعيين «إتش إس بي سي» لينضم إلى المؤسسات المالية الدولية الست التي سبق انضمامها إلى برنامج المتعاملين الأوليين في أدوات الدّيْن الحكومية المحلية كخطوة تتجاوز إطارها الإجرائي إلى دلالة أوسع تتعلق بتطور السوق المالية في المملكة.

ما يجري اليوم يعكس انتقالًا تدريجيًا في طبيعة سوق الدّيْن. في السابق، كان التركيز منصبًا على إصدار أدوات الدّيْن وتغطية الاحتياجات التمويلية، مع حضور محدود لدور التداول والسيولة. أما الآن، فالمشهد يتغيّر باتجاه بناء سوق نشطة، حيث تصبح السيولة، وكفاءة التسعير، وتنوع المستثمرين عناصر أساسية في معادلة التطوير.

ما يحدث في سوق الدّيْن السعودية يعكس تحوّلًا في طريقة النظر إلى الدّيْن العام، كونه أصبح مكوّنًا رئيسيًا في بنية السوق المالية، وأداة لربط الاقتصاد المحلي بالأسواق العالمية. هذا التحوّل يشير إلى مرحلة جديدة، حيث تتحوّل السوق من منصة إصدار إلى بيئة تداول متكاملة، قادرة على جذب الاستثمارات وتحقيق كفاءة أعلى في تسعير المخاطر.

يمثل المتعاملون الأوليون حلقة الوصل بين الجهة المصدرة والمستثمرين، ويساهمون في دعم السوق الثانوية من خلال توفير أسعار بيع وشراء مستمرة، ما يعزز ثقة المستثمرين ويقلل من تقلبات التسعير. من انعكاسات هذه الفكرة، ارتفاع جودة وتنوع المؤسسات، وتتحسّن كفاءة السوق بشكل عام، ويتراجع مستوى المخاطر المرتبطة بها، وهو ما ينعكس تدريجيًا على تكلفة الاقتراض.

انضمام مؤسسة بحجم «إتش إس بي سي» يضيف بعدًا مهمًا لهذا التوجه، كونها لاعبًا دوليًا بخبرات واسعة في أسواق الدّيْن. هذا بدوره يعزز قدرة السوق السعودية على الوصول إلى شريحة أوسع من المستثمرين العالميين، كما يدعم بناء جسور أكثر كفاءة بين السوق المحلية وتدفقات رأس المال الدولية. هذا التطور يؤكد توجهًا واضحًا نحو تقليل الاعتماد على القنوات التقليدية، والتوسع في بناء شبكة مالية أكثر تنوعًا وانفتاحًا.

توقيت هذه الخطوة ليس عشوائيًا. الأسواق العالمية تمر بمرحلة تتّسم بارتفاع أسعار الفائدة وتشدّد السيولة، ما يجعل المنافسة على رؤوس الأموال أكثر حدة. في مثل هذا الوضع، تصبح القدرة على توفير سوق عميقة ومرنة عاملًا مهمًا في جذب المستثمرين. فالمستثمر لا يبحث فقط عن العائد، بل عن سوق تمكّنه الدخول إليها والخروج منها بسهولة وشفافية.

كما أن هذه الخطوة تتكامل مع إدراج أدوات الدّيْن السعودية في مؤشرات عالمية مثل «جي بي مورجان وبلومبيرغ»، وهي مؤشرات تعتمد عليها صناديق استثمارية ضخمة في توجيه استثماراتها. الاستفادة من هذا الإدراج تتطلب سوقًا قادرة على استيعاب هذه التدفقات، وتوفير سيولة كافية لضمان استقرار التداول.

تتجه الجهود الآن نحو تعميق السوق الثانوية وتعزيز نشاطها، إلى جانب توسيع وتنويع قاعدة المستثمرين، خاصة عبر تنمية دور المستثمر المؤسسي المحلي. كما يُعد تطوير الأدوات المالية من حيث الآجال والهياكل خطوة مهمة لدعم استدامة الطلب وتوفير خيارات استثمارية أوسع، بما يعزز كفاءة السوق ويواكب تطلعاتها للنمو.

00:00 | 14-05-2026

الحرب تغيّر قواعد الاقتصاد!

لم يدخل الاقتصاد العالمي عام 2026 وهو مهيأ لأزمة كبرى. على العكس، كانت التوقّعات تميل إلى التفاؤل الحذر؛ نمو مستقر نسبيًا، تعافٍ تدريجي من اضطرابات سابقة، ومرونة واضحة في أداء القطاع الخاص، لكن هذا المسار لم يدم طويلًا. فجأة، أعادت الحرب تشكيل المشهد بالكامل كنقطة تحوّل كشفت هشاشة افتراضات استقرت لعقود.

التوصيف التقليدي لما حدث باعتباره «صدمة خارجية» لا يعكس عمق التغيير. حتى تحليلات صندوق النقد الدولي، رغم دقتها في توصيف الأثر، ما زالت تميل إلى التعامل مع الأزمة ضمن إطار اقتصادي مألوف، لكن الواقع يشير إلى تحوّل أعمق. الاقتصاد العالمي أصبح يتشكّل تحت ضغط الجغرافيا السياسية بعيداً عن الدورات الاقتصادية التقليدية.

خلال العقود الماضية، كان بالإمكان تفسير التقلبات الاقتصادية من خلال أدوات واضحة مثل الطلب، والعرض، والسياسة النقدية، والإنفاق الحكومي. اليوم، هذه الأدوات لم تعد كافية. على سبيل المثال أسعار الطاقة تجاوزت فكرة حجم الإنتاج أو الاستهلاك، لتصبح مرآة لمستوى المخاطر في الممرات الإستراتيجية، والتوترات الإقليمية، واحتمالات التعطّل. ومن هذا المنطلق، سلاسل الإمداد تجاوزت مسألة كفاءة تشغيلية، لتتشكل كعنصر في معادلة الأمن الوطني.

هنا تكمن المفارقة، السياسات الاقتصادية لم تتطوّر بالسرعة نفسها التي تغيّر بها الواقع. رفع أسعار الفائدة الأداة التقليدية المتعارف عليها لكبح التضخم تظل محدود التأثير عندما يكون التضخم مدفوعًا بعوامل جيوسياسية مثل اضطراب الإمدادات أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. في المقابل، التوسع في الإنفاق الحكومي لدعم النمو قد يؤدي إلى تغذية الضغوط التضخمية بدل تخفيفها. هذه المفارقة تضع صنّاع القرار أمام معادلة معقدة تتمثل في أدوات مألوفة في سياق لم تعد صالحة له بالكامل.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن الأزمات الكبرى تعيد دائمًا توزيع موازين القوة والحرب الحالية ليست استثناءً. الدول المصدّرة للطاقة تجد نفسها في موقع أقوى يتجاوز الجانب المالي، ليلامس الجانب الإستراتيجي أيضًا. في المقابل، تواجه الدول المستوردة ضغوطًا مركبة من حيث ارتفاع تكاليف الطاقة، وتآكل القوة الشرائية، وتحديات في ميزان المدفوعات. أما الأسواق الناشئة، فهي تقف في موقع أكثر هشاشة، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية مع محدودية أدوات الاستجابة.

في ظل هذا الواقع، يصبح الاعتماد على «التوقعات» التقليدية أقل جدوى. العالم يتحرك نحو منطق السيناريوهات، حيث تُبنى السياسات والاستراتيجيات على احتمالات متعددة. هذا التحوّل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن عدم اليقين تجذر كسمة دائمة في النظام الاقتصادي الجدي وهنا نحن أمام تحوّل في قواعد اللعبة كون الاقتصاد العالمي ينتقل من نموذج يقوم على الكفاءة والتكلفة إلى نموذج يضع المرونة والأمن في قلب أولوياته. العولمة نفسها لا تتراجع بقدر ما يعاد تشكيلها، لتصبح أكثر انتقائية، وأكثر ارتباطًا باعتبارات السيادة والاستقرار.

23:45 | 6-05-2026

ماذا فعلت رؤية 2030؟

خرج لنا التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 للعام 2025 كدليل على تحوّل اقتصادي مكتمل الملامح. فالتقرير يعكس انتقال الاقتصاد السعودي إلى مرحلة جديدة؛ مرحلة لم يعد فيها النمو مرتبطاً بعامل واحد، إنما نتاج منظومة اقتصادية أعيد تصميمها بالكامل. ولعل أبرز ما يلفت الانتباه أن الغالبية العظمى من مؤشرات الأداء حقّقت مستهدفاتها أو اقتربت منها، وأن معظم المبادرات تسير وفق المسار المخطط، وهو ما يعكس نضجاً مؤسسياً في إدارة التحوّل.

ما حدث خلال الأعوام الماضية هو انتقال تدريجي من اقتصاد تُحدد مساراته أسعار النفط، إلى اقتصاد تتوزع فيه مراكز القوة. هذه ليست عبارة إنشائية، ولكن يمكن رصدها بوضوح في بنية النمو نفسه. حين تصبح الأنشطة غير النفطية تمثل أكثر من نصف الاقتصاد، وحين يتراجع أثر الدورات النفطية على الاستقرار المالي والنقدي، فنحن أمام تحوّل في سلوك الاقتصاد، لا مجرد تحسّن في أدائه. القصة الحقيقية هي أن السعودية بدأت تعيد تعريف نموذجها الاقتصادي من خلال تحويل هذا النمو من نمو مدفوع بالتحوّل إلى نمو مدفوع بالإنتاجية.

من الخطأ تبسيط هذا التحوّل على أنه «انفصال عن النفط». السعودية لم تسعَ إلى ذلك أصلاً، بل إلى إدارة الاعتماد عليه بذكاء. الفارق دقيق لكنه جوهري. ما تغيّر هو أن النفط أصبح واحداً من مكوّنات المسارات الاقتصادية، هذه المقاربة هي التي سمحت بتحقيق التوازن بين الاستقرار المالي من جهة، وتسريع التنويع من جهة أخرى.

العامل الأكثر تأثيراً في هذا التحوّل هو بناء منظومة اقتصادية جديدة. الإصلاحات التنظيمية، الاستراتيجيات الوطنية، إعادة تعريف دور الدولة اقتصادياً، وتفعيل أدوات مثل صندوق الاستثمارات العامة. كلها تعتبر أجزاء من نموذج اقتصادي يعاد تصميمه، وهذا ما يفسر أن النتائج ظهرت في أكثر من مؤشر في وقت واحد متمثلة في نمو، وتوظيف، واستثمار، وتنافسية.

دور صندوق الاستثمارات العامة تحديداً يستحق قراءة مختلفة. الصندوق تحوّل من مستثمر ضخم إلى أداة لتشكيل الاقتصاد. في الاقتصادات الناشئة، لا تنتظر الدولة دائماً أن يقود القطاع الخاص التحوّل؛ بل تخلق البيئة أولاً، وتفتح القطاعات، وتتحمّل المخاطر الأولية. ما يميّز التجربة السعودية هو أن الصندوق تحرك كـ«مُمكّن للسوق».

أما المشاريع الكبرى، عندما تُقرأ من زاوية «سرعة التنفيذ» أو «حجم الإنفاق» فهذا يُفقدها معناها الاقتصادي. هذه المشاريع هي رهانات طويلة الأجل على إعادة تشكيل الطلب في الاقتصاد سياحياً، واستثمارياً، وحتى اجتماعياً. قيمتها الحقيقية لن تظهر في سنة أو سنتين، بل في قدرتها على خلق سلاسل قيمة جديدة، واستقطاب تدفقات مستمرة من رأس المال والإنفاق.

الاستثمار محلياً وأجنبياً كان ولا يزال حجر الأساس في هذه المعادلة. ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي يُعد إشارة إلى تغيّر نظرة المستثمرين للمملكة من سوق مرتبطة بالنفط، إلى اقتصاد يحمل فرصاً متعددة في الصناعة، والخدمات، والتقنية، والسياحة. هذه الثقة بُنيت بالتشريعات، واستقرار السياسات، ووضوح الاتجاه. الأثر الأكثر حساسية لأي تحوّل اقتصادي يظل سوق العمل. انخفاض البطالة وارتفاع مشاركة القطاع الخاص في التوظيف يعكسان أن النمو بدأ يترجم إلى فرص حقيقية.

إذا أردنا توصيف المرحلة القادمة بدقة، فهي تتجاوز كونها مرحلة جني ثمار أو مجرد استمرار في البناء، لتكون مرحلة ترسيخ وتعظيم الأثر. مرحلة فيها نضج للاقتصاد السعودي مع قدرة على الحفاظ على وتيرة النمو، مع دور متزايد للقطاع الخاص، وتعزيز اعتماد القطاعات الجديدة على مقوماتها الذاتية، إلى جانب مرونة السياسات الاقتصادية في التعامل مع المتغيّرات والتحديات العالمية.

00:06 | 30-04-2026

السياسة النقدية وحدها لا تروي القصة !

غالبًا ما تتجه الأنظار إلى البنوك المركزية في كل دورة تضخمية، فترفع أسعار الفائدة، وتُشدّد السيولة، وكأن مفتاح الحل دائمًا نقدي بحت. هذا التصور الموروث من المدرسة النقدية لميلتون فريدمان، والتي يرى أن «التضخم ظاهرة نقدية»، لكن ما نشهده في كثير من الاقتصادات اليوم يوحي بأن هذا التفسير، رغم أهميته، لم يعد كافيًا لفهم الصورة كاملة في ظل التحوّلات الاقتصادية التي يعيشها العالم.

وهنا نحن لا نهمش من السياسات النقدية، ولكن قد نطلب منها معالجة ما هو في جوهره اختلال مالي. وهنا تبرز النظرية المالية لمستوى الأسعار التي طوّرها اقتصاديون مثل جون إتش كوكرين. هذه النظرية لا تنكر دور النقود، لكنها تعيد ترتيب الأولويات من حيث مستوى الأسعار الذي يتحدد في النهاية من خلال قدرة الدولة على تمويل التزاماتها المستقبلية.

الفكرة الأساسية بسيطة لكنها عميقة وتتمثل في كون الحكومة تُصدر دَيْنًا اسميًا، وهذا الدَّيْن يجب أن يُقابله على المدى الطويل فائض مالي مستقبلي إما ضرائب أعلى، أو إنفاق أقل، أو كلاهما. إذا لم يكن هذا المسار قابلًا للتحقق سياسيًا أو اقتصاديًا، فإن التصحيح لا يحدث عبر إعلان التعثر، بل عبر التضخم الذي يُقلّص القيمة الحقيقية للدَّيْن. بمعنى آخر، الأسعار لا ترتفع فقط لأن النقود زادت، بل لأن الثقة في المسار المالي اهتزت.

هذا التحليل يتقاطع مع مفهوم القيد الزمني للميزانية الحكومية، ويتعزز عبر منطق التوقعات العقلانية. فالتضخم هنا ليس حدثًا آنيًا، بل انعكاس لتوقعات الفاعلين الاقتصاديين حول المستقبل. اعتقاد الأسواق أن الحكومة لن تولد فوائض كافية لسداد ديونها، فإنها تُسعّر هذا الخطر اليوم فتظهر الضغوط التضخمية حتى قبل وقوع الأزمة.

تبنّي هذا التفسير لا يعني إقصاء العوامل الأخرى. فالتضخم في بيئات معقدة كما هو الحال اليوم لا يجب أن يُفسَّر بعامل واحد، إنما بتفاعل بين السياسة النقدية، والاختلالات المالية، والصدمات الهيكلية، مثل اضطرابات سلاسل الإمداد وتقلبات الأسعار. غير أن ما يغفل عنه كثير من المحللين هو أن العامل المالي قد لا يكون دائمًا في الواجهة، لكنه غالبًا ما يكون المحدد لمسار الأسعار على المدى المتوسط.

التجربة اليابانية تُظهر لنا بشكل واضح أن الدَّيْن المرتفع يمكن أن يتعايش مع تضخم منخفض، طالما بقيت الثقة قائمة في قدرة الدولة على إدارة التزاماتها. الفارق المهم ليس في حجم الدَّيْن، بل في مصداقية السياسة المالية. حين تكون المسارات المالية واضحة، والإصلاحات ذات مصداقية، تتماسك التوقعات حتى وإن كانت في بيئات دَيْن مرتفع. من هنا، يصبح الاعتماد المفرط على أدوات السياسة النقدية وحدها رهانًا ناقصًا. رفع أسعار الفائدة قد يهدئ الطلب، لكنه لا يعالج الشكوك حول استدامة الدَّيْن أو التوسع غير الممول في الإنفاق. وفي مرات كثيرة التشديد النقدي وخاصة في بيئة مالية هشّة قد يزيد كلفة خدمة الدَّيْن، ويُفاقم المخاوف بدل أن يبددها.

يتضح ثقل هذا الطرح في الاقتصادات التي تتزايد فيها الالتزامات الحكومية بوتيرة تفوق قدرة التمويل الفعلي. ففي مثل هذه الحالات، لا يعود السؤال مقتصرًا على كفاءة الإنفاق، بل يمتد إلى كيفية تمويله عبر الزمن. التوسع غير المسعّر قد لا يظهر أثره فورًا، لكنه يتراكم كالتزام ضمني، وتبدأ الأسواق في تسعيره تدريجيًا ضمن توقعاتها. ومن هنا، لا يمكن النظر إلى السياسة النقدية بمعزل عن الصورة الكبيرة للإطار المالي. فرفع أسعار الفائدة قد يخفف الضغوط قصيرة الأجل، لكنه لا يعالج الشكوك المرتبطة باستدامة المسار المالي. التضخم، في جوهره، ليس مجرد ظاهرة سعرية، بل لغة تعكس ثقة الأسواق في قدرة الدولة على إدارة التزاماتها، وإذا كانت هذه الثقة موضع شك، فلن يكون التشديد النقدي كافيًا لإعادة الاستقرار. ربما حان الوقت لإعادة التفكير ليس فقط في أدوات كبح التضخم، بل في بناء مسار مالي مقنع يطمئن الأسواق بأن التضخم لن يكون الأداة التي يُعاد من خلالها تحقيق التوازن.

00:01 | 23-04-2026

كيف أعادت السعودية تدفق الطاقة في 48 ساعة؟

في أسواق الطاقة، تُقاس قدرة الدول بقوتها في حجم الإنتاج، وأيضاً بقدرتها على استعادة التدفقات تحت أي أزمة أو ظرف. ولهذا، لم يكن الإعلان عن إعادة تشغيل خط شرق–غرب (بترولاين) خلال 48 ساعة من تعرّضه لهجوم عطّل نحو 700 ألف برميل يومياً مجرد خبر تشغيلي، إنما رسالة اقتصادية مباشرة للأسواق للعالمية.

في الأدبيات الاقتصادية، يُنظر إلى سوق النفط عبر ثنائية العرض والطلب، لكن في لحظات الأزمات، يظهر عامل ثالث أكثر تأثيراً وهو المرونة التشغيلية. المرونة تعني القدرة على امتصاص الصدمة، وإعادة التوازن سريعاً، ومنع تحوّل الحدث إلى اضطراب ممتد في الإمدادات أو الأسعار. وهذا ما يميّز منظومات الطاقة المتقدّمة عن المنتجين التقليديين.

الاستجابة السريعة نتيجة تراكم خبرات مؤسساتية طويلة داخل منظومة شركة أرامكو يمكن فهمها عبر ثلاث ركائز رئيسية. الأولى هي الهندسة التشغيلية التي تتمثل في بنية تحتية صُمّمت منذ عقود لتعمل في بيئات عالية المخاطر، مع مسارات بديلة وقدرات تحويل للتدفقات تتيح الاستمرار حتى عند تعطل جزء من المنظومة. الثانية هي رأس المال البشري من خلال فرق فنية بخبرات تراكمية في إدارة الأزمات، حيث تتحوّل المعرفة من إجراءات مكتوبة إلى استجابة فورية دقيقة. أما الركيزة الثالثة القدرة على اتخاذ قرارات سريعة ومدروسة في بيئة ضبابية، ما يقلّص الزمن بين التعطّل وإعادة التشغيل. هذه العناصر مجتمعة تشكّل ما يمكن وصفه بـ «رأس المال التشغيلي غير الملموس»، أي أصل اقتصادي حاسم لا يظهر في القوائم المالية، لكنه يحدد قدرة الشركة على الحفاظ على استقرار الإمدادات في أصعب الظروف.

الأهمية الاقتصادية لما حدث تتجاوز البعد المحلي. أسواق النفط لا تنتظر حدوث النقص الفعلي، بل تتفاعل مع احتمال التعطل عبر ما يُعرف بـ «علاوة المخاطر الجيوسياسية». أي خلل في نقطة حرجة قد يدفع الأسعار للارتفاع حتى قبل أن يتأثر العرض فعلياً. من هذا المنطلق، فإن إعادة الضخ خلال 48 ساعة حدّت من تضخّم هذه العلاوة، ومنعت تحوّل الحدث إلى صدمة سعرية ممتدة، وأعادت ضبط التوقعات حول قدرة الإمدادات على الاستمرار. بمعنى آخر، لم يتم فقط إصلاح الخط، بل تم احتواء الأثر الاقتصادي قبل أن يتسع.

هنا يظهر بعد آخر في السياسة النفطية للمملكة، يتجاوز المصلحة الوطنية إلى دور استقرار السوق. الاستثمار طويل الأمد في خط شرق-غرب يتجاوز البعد اللوجستي إلى بناء قدرة استراتيجية على إدارة المخاطر العالمية. هذا يعكس تحوّلاً من منتج للطاقة إلى ضامن لاستقرارها، وهو دور يكتسب أهمية أكبر في بيئة دولية تتّسم بتزايد الاضطرابات.

00:04 | 16-04-2026

البنوك المركزية.. من احتواء التضخم إلى إدارة الخسائر!

لم تعد البنوك المركزية اليوم تواجه معضلتها الكلاسيكية بين كبح التضخم ودعم النمو؛ إذ تقف أمام صدمة مختلفة في طبيعتها، أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للاحتواء بالأدوات التقليدية. ما نشهده حاليًا ليس مجرد ارتفاع دوري في الأسعار، وإنما صدمة عرض تقودها الطاقة وسلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية، وهي صدمة تعيد رسم حدود فعالية السياسة النقدية نفسها.

في الأدبيات الاقتصادية التقليدية، يُنظر إلى رفع أسعار الفائدة كأداة رئيسية لاحتواء التضخم عبر تقليص الطلب الكلي، لكن هذه الآلية تفترض ضمنًا، أن التضخم ناتج عن طلب مفرط. أما في الحالة الراهنة، فإن جزءًا كبيرًا من التضخم مدفوع بارتفاع تكاليف الإنتاج، وعلى رأسها أسعار النفط والنقل والتأمين. وهنا تكمن الإشكالية، حيث إن رفع الفائدة لا يخفض أسعار النفط، ولا يعيد فتح الممرات التجارية، ولا يقلل المخاطر الجيوسياسية، لكنه في المقابل يضغط على الاستثمار، ويكبح الاستهلاك، ويضعف النمو الاقتصادي.

هذه المفارقة تضع صانعي السياسة النقدية أمام معادلة مربكة، كون أدواتهم التقليدية لا تعالج أصل المشكلة، لكنها تظل ضرورية لمنع تفاقمها. ومن هذا المنطلق، فإن توصيف الوضع على أنه «عجز» في السياسة النقدية قد يكون تسطيحًا مخلًا. الأدق هو القول، إن وظيفة هذه السياسة قد تغيّرت من السعي إلى حل الأزمة، إلى إدارة تداعياتها ومنع تحولها إلى أزمة أعمق وأكثر استدامة.

الخطر الحقيقي يكمن في انتقال هذا الارتفاع إلى توقعات التضخم. حين تبدأ الشركات في إعادة تسعير منتجاتها بناءً على افتراض استمرار التضخم، وتطالب العمالة برفع الأجور لتعويض تآكل القوة الشرائية، يدخل الاقتصاد في حلقة تضخمية يصعب كسرها. هنا يصبح رفع الفائدة، رغم محدودية تأثيره المباشر على أسباب الصدمة، أداة ضرورية لكبح هذه التوقعات والحفاظ على مصداقية البنك المركزي.

تقارير صندوق النقد الدولي تشير إلى أن جزءًا متزايدًا من التضخم العالمي في السنوات الأخيرة يعود إلى صدمات عرض مرتبطة بالطاقة والتجارة، فيما يؤكد بنك التسويات الدولي، أن التحدي الأكبر أمام البنوك المركزية لم يعد في تشخيص التضخم، بل في منع ترسخه في سلوك الأسواق. كذلك، توضح خطابات البنك الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي، أن صانعي القرار باتوا يركزون بشكل متزايد على إدارة التوقعات، حتى وإن جاء ذلك على حساب تباطؤ النمو.

ما نعيشه اليوم هو انتقال من اقتصاد تحكمه الدورات الاقتصادية إلى اقتصاد تحكمه الصدمات. في النموذج الأول، كانت السياسة النقدية قادرة إلى حد كبير على تهدئة التقلبات عبر ضبط تكلفة التمويل. أما في النموذج الثاني، فإن الصدمات تأتي من خارج المنظومة الاقتصادية كالحروب، واختناقات لوجستية، واضطرابات في الطاقة، وهنا تصبح السياسة النقدية في موقع رد الفعل، لا الفعل.

ضمن هذا السياق، تتغيّر طبيعة القرار الاقتصادي، فلم يعد السؤال: «ما هو الخيار الأمثل؟»، ولكن «ما هو أقل الخيارات تكلفة على المدى المتوسط؟». رفع الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه يزيد من مخاطر الركود، والتساهل قد يدعم النمو مؤقتًا، لكنه يهدد بفقدان السيطرة على الأسعار. النتيجة هي ما يمكن تسميته بـ«إدارة الخسائر»، حيث تسعى البنوك المركزية إلى توزيع الأثر السلبي عبر الزمن بدلًا من القضاء عليه.

هذا التحوّل يحمل دلالات أعمق. فهو يشير إلى أن أدوات السياسة الاقتصادية التي صُممت لعالم مستقر نسبيًا لم تعد كافية لعالم تسوده الصدمات المتكررة. كما يطرح تساؤلات حول الحاجة إلى تنسيق أكبر بين السياسة النقدية والسياسات الأخرى، خاصة المالية وسياسات الطاقة، لمعالجة جذور الأزمات بدل الاكتفاء باحتواء أعراضها، وخاصة في عالم تتسارع فيه الصدمات، قد يكون أكبر إنجاز للبنوك المركزية منع الانزلاق إلى فوضى اقتصادية يصعب الخروج منها عوضاً عن تحقيق الاستقرار الكامل.

00:13 | 9-04-2026

الاقتصاد العالمي في مرمى نيران الممرات المائية !

في الاقتصاد العالمي لا تُقاس المخاطر بحجم الصدمة بقدر ما تُقاس بسرعة انتقالها عبر الشرايين الحيوية للتجارة والطاقة والمال. وتُعد الممرات المائية من مضيق هرمز إلى باب المندب نقاط ارتكاز لنظام اقتصادي يعتمد على التدفق المستمر للسلع، وفي مقدمتها الطاقة التي تمثل المحرك الأهم لمختلف مفاصل الاقتصاد العالمي. ولهذا، فإن أي اضطراب في هذه الممرات لا يبقى محصوراً في نطاقه الجغرافي، بل يمتد سريعاً ليعيد تشكيل معادلات المخاطر والتسعير على مستوى العالم.

تتحرك الأسواق بطبيعتها وفق التوقعات قبل الوقائع خاصة في أوقات التوتر. لذلك، لا يشترط حدوث انقطاع فعلي في الإمدادات حتى ترتفع الأسعار؛ فمجرد احتمال التعطل كفيل بإعادة تسعير الأصول. هنا تظهر «علاوة المخاطر الجيوسياسية»، حيث ترتفع أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين نتيجة تصاعد القلق وعدم اليقين. ولهذا نشهد أحياناً قفزات حادة في أسعار الطاقة دون تغيّر ملموس في مستويات الإنتاج أو الطلب.

لا يتوقف التأثير عند أسواق الطاقة؛ فارتفاع تكاليف النقل والتأمين ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية، ما يؤدي إلى زيادة أسعار السلع النهائية ويغذي موجات تضخمية جديدة. الدول المستوردة للطاقة، خصوصاً تلك التي تعاني من ضعف في عملاتها أو محدودية في احتياطاتها، تواجه ضغوطاً مزدوجة تتمثل في ارتفاع فاتورة الواردات وتراجع القدرة الشرائية. وفي ظل تلك الظروف، يمتد التأثير تدريجياً إلى الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية.

ما شهدناه مؤخراً في مضيق هرمز يعكس بوضوح طبيعة هذه الترابطات. فتصاعد التوتر في هذا الممر الحيوي لم يؤثر فقط على تدفقات الطاقة، إنما أدّى إلى ارتفاع تكاليف التشغيل عبر قطاعات متعددة. الصناعة واجهت زيادة في تكاليف الإنتاج، وقطاع الطيران تأثر بارتفاع أسعار الوقود وتغيّر مسارات الرحلات، بينما انعكس ذلك أيضاً على القطاع الزراعي من خلال ارتفاع أسعار الأسمدة المرتبطة بالطاقة وسلاسل التوريد. كما امتد الأثر إلى الأسواق المالية، التي تعكس بدورها توقعات المستثمرين تجاه المخاطر المستقبلية. فقد شهدت هذه الأسواق تقلبات ملحوظة وارتفاعاً في مستويات عدم اليقين، ما دفع رؤوس الأموال إلى البحث عن ملاذات أكثر أماناً. وفي ظل هذا المشهد، بدأت المؤسسات الدولية بإعادة تقييم توقعاتها للنمو الاقتصادي العالمي، مع تزايد المخاوف من تباطؤ محتمل نتيجة تراكم الضغوط عبر قطاعات متعددة.

هذا الامتداد الواسع للأثر يكشف أن اضطرابات الممرات المائية تحوّلت إلى صدمات اقتصادية متعددة الأبعاد. فالتداخل العميق بين التجارة والطاقة والتمويل يجعل من الصعب عزل أي تأثير في نطاق جغرافي محدود. ومع هذا الترابط، تفقد الجغرافيا قدرتها التقليدية على احتواء الأزمات، وتصبح نقطة الانطلاق لأي اضطراب هي في الوقت ذاته نقطة انتشاره. وهذا يؤكد أن العالم اليوم أمام واقع اقتصادي لا تعترف فيه الصدمات بالحدود، حيث تنتقل آثارها بسرعة وتتضاعف كلفتها.

00:19 | 2-04-2026

التحوّل الصامت في الاقتصاد العالمي

يُخطئ من يختزل أزمة الطاقة الراهنة في مجرد حدث جيوسياسي عابر يمكن احتواؤه بوقف إطلاق النار أو إعادة فتح ممر مائي. هذا التبسيط يغفل حقيقة أعمق: ما نشهده اليوم ليس أزمة، بل تحوّل هيكلي طويل الأمد في منظومة الطاقة العالمية، يعيد تشكيل الاقتصاد الدولي، ويعيد توزيع مراكز القوة والنفوذ.

أول ما يجب إدراكه أن أسواق الطاقة لم تعد تعمل وفق منطق «العرض والطلب» التقليدي فقط، بل أصبحت أسواقًا مُسيّسة ومُؤمَّنة جيوسياسيًا. فالممرات الحيوية مثل مضيق هرمز أو باب المندب أصبحت أدوات ضغط إستراتيجية، تُسعَّر فيها المخاطر قبل النفط ذاته. بمعنى آخر، ما يُتداول في الأسواق اليوم ليس برميل نفط فقط، بل برميل نفط وعلاوة مخاطر سيادية إضافة لتكلفة تأمين جيوسياسي.

نحن أمام نهاية مرحلة «الطاقة الرخيصة المستقرة». لعقود، استفاد الاقتصاد العالمي، خصوصًا في أوروبا وآسيا من تدفقات طاقة مستقرة نسبيًا بتكلفة منخفضة، ما سمح بتوسع صناعي كبير ونمو سلاسل الإمداد العالمية، لكن الصدمات المتكررة، من حرب أوكرانيا إلى التوترات في المضائق المائية، كشفت هشاشة هذا النموذج. النتيجة هي انتقال تدريجي نحو نموذج جديد عنوانه الأمن الطاقي قبل الكفاءة الاقتصادية. هذا التحوّل له تبعات عميقة. الدول الصناعية الكبرى لم تعد تبحث فقط عن أرخص مصدر للطاقة، بل عن أكثرها أمانًا واستدامة سياسيًا، حتى لو كان ذلك بتكلفة أعلى. لذلك نشهد تسارعًا في إعادة تشكيل سلاسل التوريد، وإعادة توطين الصناعات، والاستثمار المكثف في مصادر الطاقة البديلة، ليس بدافع البيئة فقط، بل بدافع السيادة الاقتصادية.

هناك بُعد مالي لا يقل أهمية، غالبًا ما يتم تجاهله. إيرادات الطاقة خصوصًا في دول الخليج تمثل تدفقات نقدية حقيقية وضخمة تُعاد تدويرها في النظام المالي العالمي، سواء عبر الاحتياطيات أو الاستثمارات من خلال الصناديق السيادية. أي اضطراب في هذه التدفقات لا يؤثر فقط على أسعار النفط، بل على السيولة العالمية، وأسواق السندات، وتوازنات الدولار. بمعنى أدق، الطاقة ركيزة من ركائز الاستقرار المالي العالمي.

الدول غير النفطية، خصوصًا تلك التي لا تعتمد عملاتها على الدولار، ستتحمل العبء الأكبر. ارتفاع أسعار النفط بالتزامن مع قوة الدولار يعني تضخمًا مستوردًا مضاعفًا، يضغط على موازناتها، ويضعف عملاتها، ويقيّد قدرتها على النمو. هذه الدول تجد نفسها في «مصيدة مزدوجة» تكلفة طاقة مرتفعة إضافة لتكلفة تمويل أعلى، وهو ما قد يعيد رسم خريطة النمو العالمي لصالح الدول المنتجة أو ذات الفوائض.

النقطة الأهم التي يغفلها كثيرون هي أن هذه التحوّلات ليست مؤقتة. حتى لو انتهت الحرب غدًا، فإن الذاكرة الإستراتيجية للدول والشركات لن تُمحى. القرارات الاستثمارية الكبرى في الطاقة، والبنية التحتية، وسلاسل الإمداد تُبنى على توقعات طويلة الأمد، لا على أحداث لحظية. وبالتالي، فإن ما نشهده اليوم سيُترجم إلى سياسات واستثمارات تمتد لعقود.

00:05 | 26-03-2026

النفط.. البوصلة الحقيقية للتوترات العالمية

في أسواق الطاقة، كما هو متعارف عليه تتحرك الأسعار وفق معادلات العرض والطلب وعنصر ثالث لا يقل أهمية وهو الجغرافيا السياسية. ومع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران، وامتدادها إلى مستويات أوسع من التوتر الإقليمي، عادت الأسواق لتستحضر أحد أكثر السيناريوهات حساسية في الاقتصاد العالمي والمتمثل في قفزة أسعار النفط إلى مستويات لامست 120 دولاراً للبرميل.

هذا الارتفاع لا يرتبط فقط بتراجع الإمدادات الفعلية، بل بما يسميه الاقتصاديون «علاوة المخاطر الجيوسياسية». فعندما تتزايد احتمالات تعطّل الإمدادات، ترتفع الأسعار حتى قبل حدوث أي نقص حقيقي في الإنتاج. ويكفي أن تكون منطقة الإنتاج أو النقل مهدّدة حتى تبدأ الأسواق في تسعير المخاطر.

الشرق الأوسط لا يزال يمثل قلب معادلة الطاقة العالمية. فقرابة خُمس تجارة النفط البحرية تمر عبر مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات الإستراتيجية في العالم. وأي اضطراب محتمل في هذا الممر ينعكس مباشرة على أسعار النفط، لأن الأسواق تدرك أن البدائل اللوجستية لا تستطيع تعويض هذا الحجم من الإمدادات بسهولة.

اللافت في هذه الأزمة هو أن علاوة على خشية الأسواق من تعطّل الإمدادات، تخشى أيضاً اتساع رقعة نطاق الصراع. فكلما طال أمد الحرب أو توسعت جغرافياً، ارتفعت احتمالات انتقال تأثيرها من أسواق الطاقة إلى الاقتصاد العالمي ككل. ارتفاع أسعار النفط يتجاوز فكرة زيادة تكلفة الوقود، ويمتد أيضاً إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والصناعة، ما يعيد شبح التضخم إلى اقتصادات كانت قد بدأت بالكاد في احتواء موجاته خلال السنوات الأخيرة.

تاريخياً، كانت الحروب في الشرق الأوسط أحد أبرز محركات ارتفاع أسعار النفط. فقد شهد العالم في سبعينيات القرن الماضي صدمات نفطية أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي لسنوات طويلة. واليوم، ورغم أن الاقتصاد العالمي أكثر تنوعاً في مصادر الطاقة، فإن النفط لا يزال يشكّل العمود الفقري للاقتصاد الصناعي العالمي. وقد خلصت دراسة معروفة للاقتصادي جيمس هاميلتون إلى أن سبعاً من أصل ثماني فترات ركود ضربت الاقتصاد الأمريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سبقتها طفرات حادة في أسعار النفط، ما يعكس العلاقة الوثيقة بين صدمات الطاقة ودورات الركود الاقتصادي. تكشف هذه الأزمة حقيقة اقتصادية طالما عرفتها الأسواق وهي أن النفط مؤشر حسّاس للتوازنات الجيوسياسية في العالم، لذلك عندما تتوتر هذه التوازنات، تتحوّل أسعار الطاقة إلى أول مقياس لدرجة القلق في الاقتصاد العالمي،

في المقابل، تلعب الدول المنتجة الكبرى دوراً محورياً في تهدئة الأسواق ومنع تحوّل التوترات السياسية إلى صدمات اقتصادية حادة. فاستقرار الإمدادات يظل العامل الأكثر أهمية في احتواء تقلبات الأسعار. وهنا تبرز أهمية الدول التي تمتلك طاقة إنتاجية احتياطية وقدرة لوجستية متقدمة في تصدير النفط إلى الأسواق العالمية.

وتبقى المملكة العربية السعودية أحد أهم عناصر الاستقرار في سوق الطاقة العالمي، بفضل قدرتها الإنتاجية الكبيرة واستثماراتها الطويلة في البنية التحتية للطاقة. هذه الاستثمارات تعتبر جزءاً من رؤية إستراتيجية تهدف إلى ضمان استقرار الإمدادات العالمية حتى في الظروف الجيوسياسية المعقدة.

00:16 | 12-03-2026

الطاقة العالمية بين الحرب والاستقرار

يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات الإستراتيجية للطاقة في العالم، إذ يمر من خلاله نحو 20% من النفط المصدر عالمياً، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. هذا يؤكد أنه شريان حيوي يعتمد عليه الاقتصاد العالمي بشكل مباشر. أي اضطراب فيه، أو إغلاق جزئي أو كامل نتيجة الحرب الحالية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يخلق صدمة فورية في أسواق الطاقة، ويهدّد استقرار النمو الاقتصادي العالمي، الذي يعاني بالفعل من تباطؤ خلال السنوات الست الماضية.

الحرب المستمرة تؤدي إلى ارتفاع فوري لأسعار النفط والغاز، مع توقع تجاوز النفط حاجز 100 دولار للبرميل إذا طال الإغلاق الجزئي أو الكلي. فتعطل حركة الشحن عبر المضيق يضغط على سلاسل الإمداد العالمية، ما ينعكس على الصناعات التحويلية مثل السيارات والإلكترونيات والكيماويات. زيادة تكاليف النقل والإنتاج تؤدي مباشرة إلى تضخم عالمي، وتضع الاقتصادات المستوردة للطاقة تحت ضغط شديد، وهذا بدوره يعيد خلط أوراق السياسات النقدية للبنوك المركزية التي انتهجت في وقت سابق خفض القيود على معدلات الفائدة.

على مدار الخمسين عاماً الماضية، حاولت الدول النفطية وغير النفطية تقليل الاعتماد على نقاط ضعف محددة مثل مضيق هرمز. شملت هذه الجهود، تطوير الطاقة المتجدّدة، وإنشاء مخزونات نفطية إستراتيجية، ومد خطوط أنابيب بديلة شرقاً وغرباً لتجنّب نقاط الاختناق في تصدير الطاقة. ومع ذلك، فإن هذه الحلول تظل جزئية ولا تستطيع التغطية الكاملة إذا استمرت الحرب لفترة طويلة. الطاقة المتجدّدة لا تزال غير كافية لتعويض الإنتاج النفطي الفعلي، المخزونات الإستراتيجية محدودة، وخطوط الأنابيب البديلة لا تغطي كل المسارات الحيوية لتدفق النفط والغاز.

دول الخليج أثبتت التزامها بتوفير الطاقة للأسواق العالمية حتى في ظل التوترات الحالية، ما يعكس المسؤولية الدولية التي تتحمّلها هذه الدول تجاه استقرار الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، فإن استقرار مضيق هرمز لا يمكن أن يتحقق دون تعاون دولي؛ إذ يجب على الدول المستوردة للطاقة دعم الأمن البحري لضمان استمرارية الإمدادات.

التأثير الاقتصادي لهذه الأزمة يمتد إلى النمو العالمي. ارتفاع أسعار النفط يزيد تكلفة الإنتاج والنقل، مما يضغط على أرباح الشركات ويؤثر على الاستهلاك. الصناعات التي تعتمد على المواد الخام المستوردة ستواجه تأخيرات وارتفاعاً في التكاليف التشغيلية، مما قد يؤدي إلى توقف بعض خطوط الإنتاج. هذا كله يشكّل تهديداً مباشراً للنمو العالمي، خاصة مع تباطؤ الاقتصادات الكبرى خلال السنوات الماضية.

كما تكشف الحرب الحالية عن حدود الحلول البديلة التي وضعتها الدول على مدى نصف القرن الماضي. الطاقة المتجدّدة، المخزونات الإستراتيجية، وخطوط الأنابيب البديلة توفر حماية جزئية فقط، لكنها لا تستطيع الصمود أمام صدمة طويلة الأمد. العالم بحاجة اليوم إلى إدراك أن أي تعطيل طويل لمضيق هرمز يعني أزمة طاقة عالمية حقيقية، مع انعكاسات مباشرة على الأسعار، التضخم، والنمو الاقتصادي المستقبلي.

استمرار الحرب يضع الأسواق أمام اختبار مباشر، إما تعزيز التعاون الدولي لضمان استمرارية الإمدادات، أو مواجهة صدمة عالمية طويلة الأمد قد تعرقل النمو الاقتصادي وتزيد الضغوط التضخمية. في ظل هذا الواقع، يتحتم على العالم كله، منتجين ومستهلكين، الاعتراف بأن حماية هذا الممر الحيوي هي مسؤولية جماعية لا يمكن تجاهلها.

00:13 | 5-03-2026