أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author
--°C
تحميل...
⌄
لوحة القيادة
خروج
الرئيسية
محليات
سياسة
اقتصاد
فيديو
رياضة
بودكاست
ثقافة وفن
منوعات
مقالات
ملتيميديا
المزيد
الرياضات الإلكترونية
سعوديات
ازياء
سياحة
الناس
تحقيقات
تكنولوجيا
صوت المواطن
زوايا متخصصة
مركز المعلومات
⌄
لوحة القيادة
خروج
الرئيسية
محليات
سياسة
اقتصاد
فيديو
رياضة
بودكاست
ثقافة وفن
منوعات
مقالات
ملتيميديا
المزيد
الرياضات الإلكترونية
سعوديات
ازياء
سياحة
الناس
تحقيقات
تكنولوجيا
صوت المواطن
زوايا متخصصة
مركز المعلومات
الرياضات الإلكترونية
سعوديات
ازياء
سياحة
الناس
تحقيقات
تكنولوجيا
صوت المواطن
زوايا متخصصة
مركز المعلومات
تصفح عدد اليوم
سيف الإسلام بن سعود بن عبد العزيز
الفن.. والتاريخ
التاريخ هو ذاك البحث الذي يكشف جهود الإنسان في الماضي.. كل نشاطاته سلماً أو حرباً.. إبداعاً أو تكفيراً.. علماً أو جهلاً. نشاطات الحاكمين والمحكومين، الأعلام منهم والمغمورين. أما الفن فإنه يعني المقدرة والمهارة في الغايات الجمالية، ويُعرف كذلك بأنه مجموعة من المناشط الإنسانية التي تميل إلى الاتجاه صوب النزعة الجمالية.
هل هناك صلات بين مضامين المصطلحين؟ كثيرة هي الصلات، ومن ذلك تسجيل أنواع من الفنون للأنشطة والجهود الإنسانية السابقة.. أي للتاريخ بمعنى أوضح؛ فهذه اللوحة قد نتبين منها -مثلاً- شراسة المعارك الأهلية في أسبانيا، أو غزوات نابليون وهتلر لروسيا، أو لحروب الشمال والجنوب في أمريكا.
السينما يمكنها أن تؤرخ حسب رواية المؤلف والمخرج وشركة الإنتاج لأحداث الماضي، وتُعطي للمشاهد صورة تقريبية لأبطال الحدث التاريخي المختار.
.. كذلك الرواية ذات النفس الطويل والملحمي تُزيل بفنها غبار التاريخ عن شخص أو حدث، ثم تبثُّ فيهما حياة من سطور، قد تكون كافية لإثارة لغط حول ما كان يُعتقد أنه الحقيقي والمؤكد حول شخص أو واقعة، فإذا الأمر -والقلم يخط أو الكاميرا تدور- مُلتبس ومحير وقابل للنقاش وللشك في كل ما قيل سابقاً ووقر في عقول الناس وقلوبهم.
لاحظت هذا وأنا أتابع ردات فعل بعض الإخوة الأصدقاء المصريين وهم يتابعون مسلسل الملك (فاروق) الذي عُرض في شهر رمضان الماضي.
أصدقائي وُلدوا بعد ثورة 1952م، أو أنها قامت ولم يعرفوا ما كان يدور حولهم لحداثة أعمارهم، لكنهم نشأوا وتعلموا ودائرة مغلقة من المعارف التاريخية تقول لهم: إن مصر العظيمة لم تُولد إلا في يوليو 1952م، وأنها قبل ذلك لم يكن فيها دستور ولا حياة حزبية وديمقراطية نسبية؛ الحياة السياسية حينها مجرد عربدة وفساد ومماحكات وتواطؤ مع الأجنبي وتفريط بالحقوق؛ وحلقة بعد حلقة زادت دهشة الأصدقاء المصريين، فتاريخ ما قبل 1952م فيه أشياء سيئة جداً، وفيه أشياء أخرى مضيئة كما هو تاريخ الأمم كلها، فيه حادثة مشهورة رفض فيها ملك شاب الانصياع لرغبات الإنجليز إلى حد تهديد حياته ونفيه، وفيها كذلك حياة تحت قبة البرلمان إلى درجة أن طلباً لرئيس الوزراء للفة قُماش كان مثار جدل وطلب إقالة!
طرحت محطات فضائية كثيرة أسئلة على مشاهديها عن رأيهم في الملك (فاروق) بعد المسلسل، فكانت النتائج غريبة ومذهلة، بعضها أعطى تعاطفا معه بنسبة 80% من المشاهدين والأقل وصلت نسبتهم إلى 55%!!
ذهبت أدراج الرياح كل تلك الأسفار من الكتب والمعلومات والحكايا الصحفية المفروضة منذ عام 1952م وحتى رمضان 2007م، ويعود الفضل بذلك للفن وتأثيراته.
أما أنا فقد تابعت الحملات المتقطعة الصوت التي هاجمت المسلسل، وأظنها كانت صرخة في فراغ، وكذلك سيكون عليه الحال كلما نشط الفن بكل مناحيه: رواية أو فنوناً تشكيلية أو عبر كاميرا ساحرة جذابة..
سترمي تلك الفنون الأحجار في المياه الراكدة، وستُخيف بعض الناس، وسيحاول بعضهم التسفيه بها وتهديد أصحابها بكل أنواع التهديدات، لكن الفن ولأن من صفاته الحرية والانطلاق وتثوير الراكد والمسلم به، لن يستطيع أحد إيقاف تنويره للعقول.. إلا بأعمال فنية مقابلة.
وهناك سيترك الحكم للذائقة وللمعلومة الصحيحة وللإجادة والإبداع، وقبل ذلك كله مقارنة الناس بين ما كان وما هو كائن حالياً.. وما ينبغي أن يكون!
20:36 | 9-11-2007
مبروك.. جالك مليار !
ماذا يعني تكرار تحويل رصيد كثير من المواطنين من الآلاف إلى المليارات؟ ماذا يعني عدم توصل أجهزة الرقابة البنكية لحلول تقضي على مثل هذه الظاهرة؟ والأهم من كل هذا.. ما هو تفسير الجهات المالية لمثل الحراك الطبقي الفجائي ثم العودة إلى الفئة الطبقية الأسفل بعد سويعات عمل بنكي؟
إن نحن أحسنا الظن فيمكن أن نقول: إن ذلك عائد إلى حركة التدوير النقدي الضخمة في المملكة، ويمكن أن يكون مجرد (خطأ) تقني ليس إلا!
لكن ألم تلاحظوا -أعزاءنا القراء- أن تلك الأخطاء تتجه من الأعلى للأسفل وليس العكس، أي أن الأخطاء لا تشمل نقصان أموال المودعين، بل زيادتها! ومن جهة أخرى إن نحن أسأنا الظن فيمكن أن نقول إن ما يحدث بين فينة وأخرى هو مجرد شكل من أشكال غسيل الأموال يشترك فيه موظف أو أكثر بدون علم إدارتهم.. غالباً:
فلان لديه في رصيده عشرة آلاف ريال وفي لحظة يكتشف أن رصيده قد تضخم إلى مليار ريال ثم -وبحسن نية- يتقدم بشكوى أو ملاحظة، ولا يحصل بعد ذلك هذا المواطن (الطيب) على توضيح لما جرى سوى أن ملياره الخاطف قد ذاب بقدرة قادر ليرجع (الغلبان) إلى آلافه العشرة.
الأمر هذا حدث مع صديق لي وحدث مع صديقك ومع قارئ آخر ومع مذهول كتبت قصته الصحف.. فماذا حدث بعد ذلك؟ وما هي نتائج البحث الجاري منذ ذلك الحين؟
غسيل الأموال عبر حمل ملايين الدولارات أو الريالات والذهاب بها إلى البنوك عملية أصبحت قديمة (ومكشوفة) وشراء ملايين الأمتار من الأراضي البور أو بناء ناطحات السحب فجأة، أو حتى شراء أسهم في شركة عملاقة أو بنك مرموق أمر تتبعه الجهات المختصة وفيه محاذير وحتى إن تحايل المتحايلون، واخترعوا طريقة أخرى مثل: شراء (سفن الصحراء) وبيع تلك الحيوانات بمئات الملايين، كل ذلك سيُكتشف حتماً، الأمر الأكثر حداثة وحصانة وبعداً عن الشُبهات هو مجرد تحول (عبده) الفقير إلى الله إلى (بيل غيتس) في لحظات، وبعدها بساعة أو ساعتين أو يوم يعود التعيس إلى تعاسته ولا يبقى معه إلا كشف حساب (خاطئ) يمكن أن يضعه في بروازه ليراه الأبناء والأحفاد.. ليس إلا!
19:59 | 2-11-2007
أهلنا الطيبون
مساء يوم من أيام عيد الفطر المبارك كنت عائداً ومعي عدد من الأصدقاء إلى الرياض، قادماً من مدينة أخرى من مدن مملكتنا السعيدة، وفي منتصف الطريق تقريباً بدأ سائق سيارتنا يُهدئ السرعة بشكل مفاجئ وقوي تفادياً لتجمع غير واضح المعالم، بدا للوهلة الأولى يشير بوجود حادثٍ مروري جلل وقع لسيارة أو أكثر قبل زمن قليل.
وبعد وصولنا إلى موقع التجمع أوقفنا سيارتنا في مكان آمن بعيد نسبياً من التجمهر بعد أن أشعلنا إشارة التحذير المبكر للقادمين الآخرين، وهو أمرٌ فعله كثيرون مثلنا ممن صادف وجودهم مكان الحدث. بدورنا هرولنا مسرعين لنجد على بعد مئات الأمتار سيارتين زالت كل ملامحهما من جراء الاصطدام الثنائي بينهما، وبدايات الحريق اللاحق الذي اشتعل فيهما في نفس الوقت تقريباً. وجدنا كذلك أن (شباب) بعض السيارات الهارعين لنجدة المصابين كانوا قد أنجزوا مهماتهم التي يعرفون أنها ضرورية في ظل تثاؤب من يُناط بهم عادة إنقاذ أرواح الناس وإسعاف جرحاهم، أو الآخرين الذين يحددون من هو المخطئ في نفس الوقت الذي يسهلون فيه انسيابية المرور والحركة بعد إزالة آثار الحوادث، شباب ذلكم المساء كانوا غير عاديين كما هو ديدنهم دائماً.. كما يبدو: تقافزوا من سياراتهم لينقذوا المحشورين بين أطنان الحديد الساخن وقبل أن تنفجر خزانات الوقود؛ راحوا يحملون الصغار ويدفعون بالنساء إلى حيث سياراتهم الخاصة الحاملة لعوائلهم التي نزلت حُباً وكرامةً للمصاب وجبراً لخواطر الفزع. وفوق ذلك هرع (الشباب) في حمل المصابين من خلال سياراتهم الخاصة إلى أقرب مستوصف أو مستشفى، أما من لفظ أنفاسه في موقع الحادث فكانت حرمة موته قد تكفل بها البعض الآخر من الشبيبة المليئين بالنخوة والورع والنُبل.
تم ذلك في دقائق حتى أننا لم نستطع أن نفعل شيئاً فوق الذي عمله هؤلاء الجنود المجهولون؛ أنا أجزم أنك لن تجد في بلاد العالم مثل هؤلاء (الشباب) الذين امتلأت صدورهم حباً في الخير وتمكنت بشكل بهي في جوارحهم؛ إنهم لا يبالون بمن كان في العربات المحترقة أو المقلوبة والمهشمة.. لونهم.. جنسهم.. واتجاهاتهم.. قد يكون فيها من سرق أحلامهم من هوامير السوق المالية.. ذلك لا يهم عندهم. قد يكونون ممن سرق ما اكتنزه هؤلاء البسطاء لعوادي الزمن بحجة أن أرض المستقبل المباعة لهم -خداعاً- والتي سيبنون عليها منازل الأحلام بات قاب قوسين أو أكثر.. إنهم لا يبالون بكل ذلك حين وقوع المكروه. وقد يكون المصاب -أو المصابون- ممن أوهمهم بأن الثراء سيكون حليفهم فقط إن ابتاعوا تلك (البطاقات) أو ساهموا في تجارتها، أو ممن حضهم على اقتناء سهم تجارة الدجاج والبيض والأثاث.. وحتى الملابس الداخلية.
.. إنهم لا يبالون حتى والأمر كذلك والأيدي الجريحة والمحروقة والنازفة تمتد لهم.
.. قد يكون في تلك السيارات المنصهر حديدها من يختلف مع المسعفين والمنقذين المتطوعين، في إسبال الأيدي حين الوقوف في الصلاة أو ضمها، وقد يكون من بين أهل الأنين والوجع من يُوصف بأنه صاحب غلو في الدين أو من كان نقيضه.. علمانياً أو ليبرالياً حسب التصنيف الحالي للناس وضمائرهم.. إنهم لا يبالون ولا يكترثون إن كان المكلومون من هؤلاء أو من أولئك؛ فنساء من في داخل السيارات التي زالت معالمها من أثر الاصطدام نساؤهم، والأطفال أطفالهم والرجال مهما تكن تصرفاتهم وسلوكياتهم السابقة إخوانهم وآباؤهم وأبناؤهم. طوبى لتلك الشبيبة من أبنائنا، وسلام عليهم كلما أشرقت الشمس وغربت. كيف يكافأ أولئك العُصبة المباركة الذين نجدهم أثناء الملمات وأوقات الكرب؟ أننحني لهم؟ إنهم سيغضبون حينها لأنه لا انحناء إلا لله.. هكذا هو خُلقهم.. أنرفع قبعاتنا احتراماً لهم؟ نحن لا نلبس تلك الهيئة من اللباس فأين لنا بها.. وهل يقبلون إن نحن فعلنا ذلك؟ أنعطيهم أظرفاً مليئة بالنقود كتعبير (شرقي) للامتنان؟ سيعتبرون ذلك جرحاً لكرامتهم وانتقاصاً من فعلهم التلقائي الفطري الذي لا يقبل -في رأيهم النادر- المبادلة والقياس!
ما لهم علينا -والحال كهذه- إلا الدعاء.. الدعاء بألا تُستغل تلك النخوة والإيثار (والفزعة) لتنقلب وبالاً على بلادهم وأهلهم وأوطانهم إن هي وضعت بين أيدي مخططي الشر والترهيب. ودعاء ألا تموت تلك الخصائل النادرة والثمينة وتذبل، والمجتمع يئن تحت وطأة الغش والتدليس والجشع وصراع الطبقات المرير.. وكلها ومعها أخواتها من الأثافي تجعل المتحشرجة أنفاسهم تحت الحديد الساخن لا يأملون -وقد غاب أهل الإيثار- ببقية من حياة، وجمهرة من المتطفلين المترددين تتحلق من حولهم، وهم ينظرون بلا مبالاة لطلاب العون والنجدة، والذين سيطول انتظارهم لفئات من البشر غاية في الطيبة.. أو لصوت أجهزة إنذار السيارات المتثائبة والقادمة لإنقاذهم.. إن كانت هنا بقية حياة!
19:18 | 26-10-2007
ماذا يريد الناس ؟!
في أواخر أربعينات القرن الماضي ثارت فضيحة في بعض البلدان العربية التي دخلت في حرب مع الدولة اليهودية الناشئة -آنذاك- الفضيحة سُميت حينها بـ(قضية الأسلحة الفاسدة)، أما لو كانت تلك الجيوش قد ذهبت للحرب بدون أسلحة فإن الفضيحة ستصبح عاراً.. وأي عار! بالفعل لا يمكن تخيل ذهاب الجيوش بدون أسلحة ومعدات حرب وإمدادات، لا يمكن تخيّل تلميذ يذهب للامتحان بدون قلمه، وقبل ذلك استعداده الدراسي، ولا يمكن تخيّل إجراء العمليات الجراحية دون أطباء جراحين وغرف عمليات مُعقمة... إلخ.
أيضاً لا يُعقل أن نحكم على مزاج الرأي العام واتجاهاته حول قضية تهمه ويعتاش الكُتّاب منها، ما لم نعرف حقيقة هذا المزاج الشعبي وحركة معارضته أو موافقته للقضية مثار النقاش عبر مؤسسات تقيس اتجاهات هذا الرأي ومؤثراته.
هذا الأمر بديهي في العالم المتقدم، ولا يُمكن تصوّر الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بدونه. هناك دول أوروبية أحجمت عن طرح الدستور الأوروبي للتصويت، لأن قياسات الرأي العام فيها كانت معارضة بشدة لصيغ الدستور المقترح، وهناك دول أوروبية مثل (سويسرا) لم تمنع تدخين السجائر في الأماكن العامة لأن الرأي العام يعترض على الحد من الحريات الشخصية مهما كانت مُؤذية وضارة!
بلادنا الحبيبة لها ثُقل ديني واقتصادي وسياسي، لكنها تحتاج لمتممات هذه الأثقال؛ كيف يعرف صانع القرار -مثلاً- الخطوة التالية والصحيحة في مواضيع اقتراحات تغيير أيام العطلة الأسبوعية، أو تعديل مواعيد العمل في الأسواق والمطاعم؟ كيف يتلمس صدى إنشاء المدن الاقتصادية الجديدة؟ ومدى رضى أو تعاسة المواطنين حول مستوى المعيشة بعيداً عن تطمينات البيروقراطيين أو مقالات الكُتاب التي تتنازعهم الميول والاتجاهات الصاخبة، وبعيداً عن النقاشات الطويلة في مجلس الشورى الموقر والمنتهية في أغلب الأحوال بعدم نظامية موضوع المناقشة؟! لا بديل عن كل هذا إلا هيئات أو وكالات تقيس وتمسح -بصدق وحيادية واحتراف- اتجاهات الرأي العام المعني بهذه القرارات، وعلى ضوء ذلك سيُتاح لصانع القرار الاجتماعي والاقتصادي تشريع الأنظمة الخاصة بهذا الشأن أو ذاك. ليس مُهماً أن تكون هذه الوكالات والهيئات معنية في بداية الأمر بقياسات الرأي العام حول قضايا السياسة الخارجية ومسائل الحرب والسلم، كل ذلك سيأتي لاحقاً بعد تلمس فوائد مثل هذه القياسات في الشؤون الحياتية للمواطن.
ما يوجد بين أيدينا الآن قياسات للرأي العام السعودي من قبل جهات خارجية، أو اجتهادات محلية يظهر عليها بكل وضوح القصدية في أبحاثها، وأعني بذلك الوصول لما تريد هذه الأبحاث أن يُطرح للنقاش وليس لما هو كائن في العموم، يُناقش -مثلاً- ردة فعل الجمهور حول أداء هيئات معينة، ولا تُطرح -مثلاً- أسئلة حول مدى تقبل الجمهور لتعامل هيئات خدمية أخرى مع شرائح المجتمع المختلفة، ولا حتى مرونة أو تقاعس الموظفين في كل مراكزهم مع إنهاء متطلبات شأن المواطن.. وقسْ على ذلك الكثير. عندما تُتاح للمُشرّعين مؤشرات الموافقة أو الرفض، أو حتى الحيرة من قبل الرأي العام تجاه قضية ما فإن ذلك يُسهّل من عملية صنع القرار وتنفيذه.. أو عكس ذلك.. إيقاف تنفيذ ما سبق التفكير به حتى انجلاء أسباب هذا التمنّع بعد قياس جديد.
إليكم هذه القصة الطريفة والتي لها علاقة بما نكتبه:
في أواسط الستينات من القرن الميلادي الماضي أراد الرئيس (عبدالناصر) -غفر الله له- أن يبث دعاية للفكر الناصري في شرق ووسط وغرب افريقيا، وخصص لهذا نصف ساعة يومياً تُبث فيها هذه الأفكار عبر الإذاعة المصرية لتلك البلدان، وتم البحث عن مواطنين يتحدثون بهذه اللغات، فوُجد كثيرون منهم.. عدا اللغة الأوغندية، لهذا اضطر المسؤولون في الإذاعة أن يختاروا واحداً من أعضاء سفارة أوغندا في القاهرة لبثّ تلك النشرة الدعائية، وبعد مضي أشهر تبين للنافذين هناك ضرورة عمل قياس لمدى تقبل هذه الرسائل من قبل المستمعين، فجاءتهم الردود كلها مشجعة، إلا أن رد (أهل) أوغندا كان صاعقاً: الإرسال واضح وقوي، ولكن الموظف المذكور لا يذيع الدعاية الناصرية، بل يستبدل نصف ساعته المحلية في الدردشة -المجانية- مع الأهل والأقارب والجيران في بلده!
اعتذار :
من متطلبات السفر الطويل نسبياً، الانقطاع عن العالم قدر الإمكان، والانقطاع عن الكتابة وخاصة في صحيفة مثل «عكاظ» مؤلم جداً.. لكن ما باليد حيلة.. فعذراً للقراء على أمل لقاء مُتجدد -إن شاء الله- بعد أسابيع.. إن كان في العمر بقية.
22:07 | 6-07-2007
قسمة ونصيب
بعيداً عن القضاء والقدر الذي نؤمن به، سلّمت أمة العرب عبر تواكلها بما قُسم لها.. وللعالم الآخر، وأجزم أن هاتين الكلمتين ومعناهما المُشوّه لن تجد لهما في بقية أراضي المعمورة الزاهية مثيلاً:
القسمة والنصيب يقولها فقراء العرب المُدقعون في عوزهم، وهم يرون التمايز الطبقي المهول في بلدانهم، والذي يزداد بنفس زيادة تباعد المجرات والثقوب السوداء في الأكوان. يقولها المهاجرون العرب الذين يصعدون يومياً على متن المراكب القديمة المُبحرة بهم إلى الشمال الأخضر حيث الأمن واليورو وشعور الإنسان بكرامته.. ما لم تختطف تلك الأحلام أسماك القرش وأمواج البحر الغاضبة مما تصنعه (قسمة ونصيب) الشاطئ الجنوبي.
يقولها شباب العرب الباحثون عن تأشيرة دخول بلدان أقصى الأرض هرباً من القناص، والسجان، والمحتكر، وتصنيفات الناس في مجتمعاتهم بين متأسلم ومستغرب.
كان العالم المتحضر يحتفل بأسرع قطار بين كياناته في نفس اليوم الذي يكتشف فيه هذا العالم ومعه البقية، أن ما سُمي بملاجئ الاحتياجات الخاصة والأيتام في بلاد القسمة والنصيب، تستنبط مداخيل لها في أيام الشح- وما أكثرها- من خلال مشروع بسيط غير مكلف: ربط المقعدين من الأطفال في أسرتهم بينما تُباع الأغذية والملابس المهداة لما سُمي بملاجئ الحنان!
عالم بعيد عنا، يحتفل باختفاء الأمية منذ مئات السنين بين أفراده الممتدة أعمارهم إلى أن أصبحوا عبئاً ومشكلة، في ذات الأوقات الذي يحتفل بعضنا بتدمير أضرحة من تنازعوا أو تركوا (الفتن) منذ أكثر من خمسمائة ألف يوم من أيامنا.. الحزينة هذه!
قسمة ونصيب أن يبحث العالم المُضرب عن الاعتراف بمثل هكذا كلمات، في أسباب انهيارات أسواقه المالية في الثلاثينات والثمانينات من قرنهم الماضي، بينما يكتتب من جديد أفراد قبيلة المكتوب العربية -والذين سبق وفقدوا ورق توتهم الاقتصادي- في الشركات (الواعدة) الجديدة.. لعل وعسى أحلام قسمة وأنصبة حياة الأرقام التي يسمعون عنها ولا يرونها، تصبح حقيقة وعادلة.
قسمة ونصيب نقولها هنا كلما قرأنا وشاهدنا عن أفراد في العالم (المُضحك) البعيد، وهم يُنشئون جمعيات تُعنى بجثث الحيوانات السائبة والبحث ومقاضاة المتسببين بهكذا مقتلة، بينما تتزاحم في قيعان أنهارنا وبحارنا وأراضي قفارنا، الجثث المجهولة المزدانة بمداليات التعذيب، لأنها تجرأت أن تعيش في أزمنة القتل على الهوية والمذهب والعنصر.. والبرادات المزدحمة بالموتى الآخرين غير المجهولين!
قسمة ونصيب أن يعيش الناس في بلاد العرب وهم عطشى، بينما أنهارهم الكبرى المذكورة في كتب الجغرافيا تجري من تحتهم منذ آلاف القرون إلى أن يبتلعها اليمّ الأُجاج، ومكتوب أن تُصادق الكآبة والعبوس والتجهّم وجوه من يعيشون في البقاع المُكتنزة بالطاقة والمعادن والأسواق الناشئة ومخزون قديم من حكايات الطرائف والمؤانسة!
الاختراعات الحديثة كثيرة ومتنوعة، ومن ذلك أنه باستطاعة الإنسان أن يُشغل قرصه المدمج ليشاهد ما يريده، وباستطاعته أيضاً أن يتحكم بواسطة جهاز صغير بتقديم وتأخير مقاطع من مضمون مشاهدته. فيا ليت أن تلك الأجهزة تمحو من حياتنا الاجتماعية وتاريخنا كلمتين مشهورتين تصطف بينهما أطنان من الآلام والأحزان.. قسمة ونصيب!
19:39 | 29-06-2007
يا رقيب..!
قبل أسبوعين تقريباً من الآن سافرت للقاهرة لعدة أيام، كان في حقيبة يدي كتاب وعدة مجلات، فضلتُ الاطلاع على الأعداد القديمة منها قبل شراء الجديدة عند وصولي لمكان الإصدار. تبين لي أن إحدى تلك المجلات انتُزع منها أربع صفحات، ظننتُ للوهلة الأولى أن شخصاً ما في المنزل قد استساغ موضوعاً مُهماً أو إعلاناً معيناً، فرغب أن يحتفظ بالصفحات المفقودة، وحتى أتأكد طلبتُ حال وصولي لمصر من صديق في بلدي تصله المجلة المذكورة كما تصلني، أن يخبرني عن محتوى الصفحات (المفقودة). وبالفعل ما هي إلا دقائق حتى تلقيتُ مكالمة من هذا الصديق، مُخبراً أن مجلته قد مسّها العطب كما مس مجلتي. وفي القاهرة طلبتُ العدد القديم مثار الاهتمام لأجد التالي: الصفحات الـمُعتدى عليها هي عن سجل تاريخي عن بدايات الإرهاب في البلاد العربية ومنها المملكة، وفيها ذكر لاسم قائد إرهابي معروف ومشهور، كانت بداياته الحسنة من هذه البلاد الكريمة إلى أن تغيرت سيرته وأفعاله. هذا كل ما في الصفحات ليس إلا! وعن هذه البدايات والنهايات يتحدث كُتابنا عادة في الصحف المحلية ويُسهبون حولها بدون أن يُثير ذلك حساسية أو تماساً بما يسمى (افتراضاً) خطوطاً حمراء، بل إن مقالاتنا هنا أكثر قوة ومباشرة حول هذه المواضيع مما ورد في الصفحات (المفقودة)؛ وفي مقابلات تلفزيونية مع مسؤولين حيناً، وحيناً آخر مع متهمين بالإرهاب، يأتي الحديث بالاسم والتاريخ والوقائع عن الإرهابي الكبير بدون أن نشعر أن قطعاً قد حدث لمجرى الوقائع. بماذا نُفسر هذا التناقض؟ ليس لدي إلا تفسير واحد: الرقيب الذي يطلع على المجلات الصادرة في الخارج يحتكم إلى (مزاجيته)، وليس لديه مرجع كتابي يرجع له في مثل هذه الحالات؛ قد يكون مفهوماً أن تُمنع أعداد من المجلات والصحف إن هي تجاوزت مقتضيات الاحترام للدين والعُرف، أو أنها قصدت أشخاصاً معينين، أو أن محتواها خطرٌ على أمن البلاد. لكن من غير المنطقي ولا المفهوم، أن أثير اللغط والتساؤل في أمور لا يجد الكُتاب المحليون والمناظرون المرئيون في بلادنا حرجاً ولا مانعاً ولا تردداً في مناقشتها بالاسم والزمان والتاريخ! من نافلة القول ورتابته التذكير بأن هذا العصر يختلف عن العصور السابقة، فكل شيء أمام الراغب للاطلاع والمعرفة، مُتاح أمامه خبراً كان أو معلومة أو تاريخ حدث. لا تستطيع مهما أحكمت الرقابة على المعلومات أن تعزل الجائع للاستزادة منها، الناس يسافرون حيث يشاؤون، ولديهم طرائق عدة لكسر الحُجب المعلوماتية، ناهيك عن وسائل الاتصال الأخرى.. وما أكثرها. بالطبع ليس ما يُكتب ويُذاع ويُعرض في خارج الحدود يناسب أوضاعنا الدينية والاجتماعية والسياسية، لكن يجب أن يكون هذا الاستثناء هو القليل والقاعدة هي السماح، خاصة إن كانت المعلومة تُقال هنا عبر وسائل عدة بصراحة وشفافية وانفتاح.. مثلاً كيف تتصدى فكرياً لظاهرة الإرهاب في بلادنا الطيبة إن أنت أنكرت وحجبت البدايات الأولى لسيرة زعيم الإرهابيين ومحجتهم.. للأحداث الأولى وتاريخ وقوعها.. للعوامل والظروف المساعدة لنشأة ظاهرة القتل الجماعي ونسف المنشآت وتكفير المخالف؟ منذ سنين عديدة قال لي صديق إنه كان عائداً إلى أرض الوطن وفي حقيبته مجلة لبنانية عابثة تهتم بالفن والفنانين -وطبعاً الفنانات- وفي حقيبته كذلك كتاب شهير لـ(كارل ماركس) اسمه «رأس المال»، المراقب في المطار المحلي صادر المجلة الفنية (لخطورتها) وسمح جهلاً بكتاب إمام الشيوعية والشيوعيين بالمرور لأن صفحاته -فقط- خالية من الصور المثيرة! شخصياً كنت أود منع العدد الذي أشرتُ إليه في أول المقال على تمزيق أربع صفحات منها بلا داعٍ إلا إثارة الفضول والتساؤل المُلحّ: لماذا؟ إليكم هذه الحكاية الحقيقية حتى يمكن أن أصل بكم أخيراً إلى ما أريد قوله: قبل خمسة أعوام تقريباً كنت أُعد برنامجاً ثقافياً لإذاعة البرنامج الثاني بجدة اسمه (خير جليس) وصدف أن لخصتُ أفكاراً لكتاب اسمه (الزمن في المفهوم الإسلامي) لأقدمه للمستمعين لمثل هكذا برامج، وهي برامج عادة ثقيلة وجادة ولها متابعون معينون. طُلب مني بعد أن أرسلت موضوع الحلقة أن أستعرض كتاباً آخر لأن الرقيب الإذاعي (رأى) أن الحديث عن الزمن فيه مأخذ ديني! امتثلتُ وأرسلت تلخيصاً لكتاب آخر، وبعد مرور سنتين تقريباً أُصبت في أحد الأسابيع بانفلونزا حادة منعتني من كتابة حلقة جديدة للبرنامج، مما أجبرني للعودة لأرشيفي وانتقاء نفس الحلقة لأرسلها -وأنا مُتردد- للإذاعة.. وإذ بي أستمع إلى موضوعي مُذاعاً كاملاً بعد كل سنوات الخشية، وكانت تلك الحلقة من أفضل الحلقات وأمتعها حسب الردود والانطباعات التي وصلتني من مختلف الشرائح والاتجاهات.. وبلا تحفظ! يقولون: سُمُّ الأفعى يمكن أن يكون ترياقاً إذا كان في أيد ماهرة، وعسل النحل يمكن أن يكون سُمًّا إذا كان في يدي غير خبير.
18:40 | 22-06-2007
قونو الخليجي
مر إعصار (قونو) المدمر على أحد بلدان مجلس التعاون الخليجي ليحصد الأرواح ويخرب الممتلكات ويقطع السُبل ويُوزع تبعات رياحه العاتية قاطعاً إمدادات المياه والكهرباء والغذاء؛ مرّت هذه الكارثة دون أن تعقد إحدى لجان إدارة الأزمات في أمانة مجلس التعاون اجتماعاً واحداً لدراسة كيفية المساندة المشتركة لإحدى دول المجلس!
اللجان الصحية في المجلس والمُناط بها العمل الخليجي الصحي المشترك، ومن ذلك إمدادات الدواء والإسعافات الطارئة أثناء الكوارث، كانت منشغلة بآخر أخبار انفلونزا الطيور في بلدانها؛ أما اللجنة البترولية فقد ركزت أنظارها صوب تأثير «قونو» على أسعار البترول المرتفعة أصلاً، بدلاً من تعويض البلد المُتضرر من خلال اقتطاع جزء من كميات التصدير لتحوّل إلى إمدادات مفتوحة للبلد المنكوب.
المختصون بالبيئة في دول مجلس التعاون الخليجي كان يشغلهم تأثيرات المد العالي لمياه الخليج على الثروة السمكية، بدلاً من قيامهم جماعياً بزيارة (عُمان) لمعرفة كيفية الاستفادة من قدراتهم وخبراتهم- إن كانت موجودة- لإنقاذ الحياة البيئية المتأثرة بشدة هناك، وبالتأكيد ليس هناك مُسميات لأطباء بلا حدود ولا مهندسين بلا حدود في دول مجلس التعاون، لذا فليس من المنطقي في هذا الشأن زيادة كلمات مثل: لماذا ومتى في أسطر هذا المقال!
لقد تبلورت فكرة إنشاء المجلس عندما شعرت بلدان الخليج بمخاطر وتبعات الحرب العراقية- الإيرانية في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، وكان الهدف هو حماية أرواح سكان الخليج وممتلكاتهم وبالطبع أراضيهم. ولو افترضنا أن النتيجة واحدة في الاعتداء المسلح أو إعصار كاسح، فلماذا التردّد والانكفاء في التصدي لأحديهما إن حدث؟!
المواطن الخليجي ليس مهتماً بمباحثات المجلس مع الاتحاد الأوروبي حول اتفاقيات التجارة الحرة، وليس مهتماً بمشاريع الطاقة النووية الخليجية، ولا بمواعيد عرقوب للوحدة النقدية، ليس مهتماً بكل هذا قدر اهتمامه بشأنه اليومي وهمومه العاجلة:
سيقول هذا بالتأكيد رب العائلة العُمانية وهو ينظر إلى الفيضان وقد اجتاح منزله وروّع أهله، سيقول هذا مزارع عُماني دمّر الإعصار نخيله وثمره، سيقول ذلك كل المواطنين هناك وقد تعطلت الدراسة في المدارس والجامعات، وتشققت الطرق ونُسفت الجسور.
سيقول المنكوب هناك أين عنهُ (فزعة) المجلس إبان الضرر الذي أحاق بلبنان أو بدارفور أو بباكستان؟ الإجابة ستكون مريرة بالطبع وستُبين مدى هشاشة العمل الخليجي الموحد.
.. أمثلة :
قبل سنوات اجتاحت الفيضانات بلدان وسط أوروبا، عندها عقد الاتحاد الأوروبي أسرع اجتماعاته من أجل نجدة بلدان معينة من منظومته، وأجّل اجتماعات الميثاق الأوروبي والتزامات الوحدة النقدية الأوروبية ومشاريع الدفاع المشترك إلى حين!
ما خفف من (وحشة) التصرف الخليجي المشترك هو موقف الرجل الكبير بقلبه ومقامه (خادم الحرمين الشريفين) وسمو ولي عهده، وكأنهما يريدان التعويض عن هذا التقصير المشترك الذي لطالما حذرا منه وأشارا إليه.
منذ وقت طويل كنا نستغرب الموقف المُتردد لأهلنا البعيدين في عُمان تجاه العمل العربي والخليجي (الموحد) الذي يملأ الفضاء ضجيجاً بقراراته وتوصياته، لكن (قونو) وبرغم وطأته الثقيلة أثبت أن الحكمة العمانية، والصمت القديم للناس الطيبين هناك حول ما يجري في المقرات المكيفة المُترفة، هما أبلغ من سيول الصفحات التي تبدأ بكلمة: قررنا!!
20:05 | 15-06-2007
خيبة أمل
في كل صيف يتكرر المنظر الذي لا تراه إلا هنا: شباب وعائلات لا حصر لهم تتخذ من الأرصفة أمكنة تفترشها لتقضي على باطنها الملتهب، سويعات ليل يمتلئ بالهواء الساخن والغبار وعوادم السيارات، ومُحوّلة تلك الافتراشات القاسية إلى ملاعب ومطاعم ومقاهٍ، تزكم الأنوف بروائح (الفاست فوود) والطبيخ والمعسل، أما رئة انسان الأرصفة العجيب فقصتها قصة مع احتراقات الوقود القاتل.
منظر يبعث على الحزن، لوعة على الحياة الاجتماعية المحلية والبيئة.. وعليك، لكنك بعد كل تلك الدهشة وحركات التأفف والاستنكار، وبعد سيل داخلي من الأسئلة تعود فتعطي العذر كل العذر لمساكين صيف الأرصفة، لن ترى مهما سافرت او ارتحلت مثلما يفعلون هنا. شخصياً.. لا أفرح كلما فتحتُ صحيفة «الصباح» لأجد أخبار المدن الجديدة، ولا أنباء حجر الأساس لناطحات السحاب، وما يتردّد عن صفقات اندماج وبيع وشراء. ما يفرحني أكثر عندما أقرأ عن الاهتمام بالانسان البسيط الذي لا يكاد يغادر مكان عمله أو دراسته إلا ويجد في البيت (صراخ) الصغار والملاسنات اليومية بين أفراد عائلته المزدحمين بين جدران ساخنة تخلو من النقش وأرفف الكتب وأقفاص الطير المغرد.
العائد والمنتظر الضجر كلهم لا مكان لهم إلا تلك الأرصفة بسخامها وعفونتها، انهم لا يجدون حدائق بمفهوم الحدائق ذات الأنشطة المتعددة، ولا الأماكن الرياضية التي تمارس فيها الهواية بمفهومها الواسع والعملي، ولا أماكن للفنون الراقية، ولا صالات لاكتشاف روائع المبدعين.. هذا للشباب أما للفتيات فإن الكلام عنهن يطول ويُؤلم! دائرة من الشتات النفسي تكوّنها ضغوطات الحياة اليومية، ونسق اجتماعي يُبالغ في القسوة على نفسه وعلى بنيه، اضافة لاهمال مُستغرب ممن ستعود عليهم تلك الدوائر القهرية بشباب يحمل قنبلة أو ابرة مخدرة.. إن سَلِمَ من سقطات المستغلين لغرائزه الأخرى.
.... سيقول أحدهم انك تُبالغ!
لقد قيلت تلك المُهوّنات من الكلمات وأشباهها عندما بدأت ظواهر تعاطي المخدرات ثم ظواهر الإرهاب، الذي تم تصديره واستيراده لهذه البلاد الطيبة، ثم ظواهر السرقات والانتحار والجرائم بأنواعها.. ثم ماذا؟
بالطبع الكثير من (ناس) الأرصفة مثاليون وأقرب إلى الوسطية السلوكية، لكن هذا الكثير وتلك القلّة لهم علينا واجبات: تدعيم الخير وانقاذ من يريد الشر بنفسه ومجتمعه، ولن يحدث هذا و(الكل) الواقع عليه خسران الطرفين يتجاهل حق الإنسان في وجود أماكن لقضاء وقت الفراغ واللهو غير المفسد، أماكن لن نعود إلى وصفها سوى أن تكون الأرصفة وزواريب الشوارع!
.. أبداً لن تكون المقاهي والمطاعم المُترفة غالية السعر هي الحلول المناسبة لمثل هكذا مشاكل، والأكيد كذلك أن خراطيم المعسل بديل بالغ السوء للموضوع الذي نناقشه، أما السفر إلى كل بلاد الدنيا فمطلب عزيز فقط للمنتظرين في الخارج ولشركات السفر و السياحة ومصدري البطاقات الذهبية والفضية.
ما الحل؟!
نقول: تفعيل كل بنود خطط التنمية الكثيرة التي أشارت إلى برامج التنمية الاجتماعية، وأيضاً مبادرات طموحة هدفها الإنسان وصحته النفسية والاجتماعية من قِبل القطاعين العام والخاص، على المدى القصير سيكون الصرف على هذا الإنسان السوي الحائر أو الذي شرع في الضياع، سيكون الصرف هائلاً ومؤلماً، لكن وعلى المدى الطويل ستكون النتائج عظيمة جداً ولا تُقاس بثمن وبذل مستمر.. قد يُخصص لشؤون أقل أهمية ونِتاجا.
وأنا أكتب عن هذه المشكلة تذكرت -ولا أدري لماذا؟- هذه الأسطر التي أنقلها مما ورد في كتاب عن أرض داغستان.. فقط يجب ان نستبدل الشجرة هنا بالإنسان.
«تنتصب الشجرة خمسة أشهر مغطاة بالخضرة، إنما يكفيها نهار واحد، وليل واحد حتى تصفّر أوراقها، عكس ذلك، قد تنتصب الشجرة خمسة أشهر عارية وسوداء كالفحم، ويكفيها صباح واحد نديّ مُشرق ودافئ حتى تكتسي بالخضرة.. يكفيها صباح بهيج واحد كي تُزهو».
حالنا مع إنسان الأرصفة ينطبق عليه أي المثاليين الشاعريين؟
فضلا راجع عنوان المقال!
20:36 | 8-06-2007
خبر عاجل
في محاضرة لأحد الباحثين في الإعلام سُمعت هذه الكلمات: الخبر ليس في عضة كلب لأحد المارة، ولكن في عضة هذا الشخص للكلب!
أمضيت من خريف العام الماضي الذي يوافق في (نيوزلندا) فصل الربيع ما يقارب الشهرين هناك. كان الخبر الأول والعاجل في محطات التلفزيون والإذاعة في تلك البلاد القصية: ولادة بقرة لتوائم كُثر، أو تفتح زهور قبل أوانها، وإن لم يكن هذا وذاك، فانتحار حوت الدلفين على أحد شواطئ الجزيرة الجميلة! عندما عدتُ إلى ما سُمي جغرافياً بالشرق الأوسط، بعد انتهاء دورتي العلمية، وجدت التلفزيون ينقل في صالة مطار عواصم أحد بلدان منطقتنا خبراً عاجلاً عن انفجار في بغداد أودى بحياة ثمانين شخصاً، ثم توالت الأخبار التي أعرف مثلها قبل أن أسافر: مقتل سياح أجانب في هذه الصحراء.. انتحاري يُفجّر نفسه في مقهى هناك عند الساحل.. اكتشاف خلية إرهابية في الجبل.. حوادث إهمال تقتل جماعياً المسافرين في عبّارة أو حافلة أو طائرة مستأجرة.. إغلاق حدود بين بلدين شقيقين.. إلخ. شيئاً فشيئاً لم يعد لتلك الأخبار العاجلة والحاوية لأطنان من الكمد والدموع، وقعٌ في أنفس الناس هنا.. في بلدان إقليمنا المنكوب؛ لقد اعتاد الناس على الفناء الذي يُقام سرادقه بينهم يومياً، هو رقم فقط، فالتقدم الأمني في العراق مثلاً أن يُقتل في يوم واحد أربعون قتيلاً لا مائة. والاصطدام بين (الإخوة) في فلسطين يظل في نطاق المعقول إن اغتيل (قائد) من هذا الفصيل أو ذاك يومياً ولم يتعدّ الأمر الأتباع الكُثر! فقدت الأخبار في منطقتنا صفة العاجلة، لأن الناس مُتلهفون على الأكثر فظاعة وهولاً، وإلا فالأخبار التي ترد ليست عاجلة ولا تستحق أن يُطلق عليها ذاك المسمى المتميز! سألتُ نفسي وأنا أقارن بين النقائض: ما الذي جعل شعوباً -كتلك- تستحبُّ نوعية من الأخبار العاجلة، وتتلهف شعوب أخرى على أخبار لا علاقة لها بما يسمعه ويراه الآخرون هناك؟ إن كنا أصحاب الحضارات القديمة ونعيش في الأرض التي نزلت عليها الرسالات السماوية التي تُنادي بالرحمة والعفو والصبر والكفّ عن الأذى، وإن كنا ومن جاورونا أول من تمنطق وحاور وتفلسف، فلِمَ تلك الأواصر من الصداقة -بل الأخوة- الضاربة الجذور مع الدم والترهيب والجبروت والظلم إذن؟ هناك إجابتان لا ثالث لهما لتلك الأسئلة: إما أن تلك الحضارات والعلوم ضاعت بوصلتها التاريخية والجغرافية أصلاً فتعاملت مع من لم يُحسنوا ترجمة مقاصدها الشريفة والطيبة والعاقلة؛ وإما أن الشعوب الأخرى قد توصلت إلى (زبدة) الحضارة والفلسفة المشرقية التي غفل عنها أهلها، مع إضافة واقعية عقلهم الآخر ليُنتج من هذا المزيج ما نراه من فروق في نوعية الأخبار العاجلة عندهم وعندنا. ... نسيت هناك إجابة ثالثة لا رابعة لها! أقول: يمكن أن جينات أممنا القديمة التي أنتجت الحضارات واستمعت للرسالات وتفاعلت مع العلوم القديمة، هي جينات مختلفة عن جينات شعوب القرن الواحد والعشرين في منطقتنا؛ الطريف في الأمر أن الأمم مثلها مثل الحياة البيولوجية للبشر، ضعيفة في طفولتها قوية في شبابها ثم تعود إلى الضعف مرة أخرى.. إلا في عالمنا المشرقي: أمم قوية معرفياً وحضارياً في طفولة تكوين الدول، تشيخ في شبابها وسرعان ما تموت قبل الكهولة! في نفس المكان الذي (كان) يجلس فيه الرشيد والمأمون في بغداد، يجلس الآن من يُعدّ لتفجير مدرسة أو تجمع لمشيعي جنازة، وغير بعيد عنهم ميليشيا تخطط لتصفية السكان الآخرين الذين يختلفون في المذهب ويشتركون في المواطنة وشرب ماء دجلة وقراءة شعر المتنبي.. أرأيتم الفرق بين القديم والجديد؟ في المكان نفسه الذي أخرج ابن طفيل وابن رشد وابن خلدون وغيرهم من أعلام إنارة العقول، هو نفس المكان وما جاوره الذي يُخرج الآن أعلام فتاوى الموت للجميع. كان الأقدمون (الأجانب) يأتون لمشرقنا لدراسة كل المعارف، لأن وباء الفقر الحضاري لديهم مُتفشٍّ حينها، وإذ بخلفهم الآن يسمعون عن حل لمشكلة الاختلاط في العمل عندنا عبر إرضاع الزميل -البالغ بالطبع- من ثدي زميلته التي تُشاركه في بعض البلدان الجامعة أو المستشفى أو في أعمال المطارات!
استميحكم العذر في فتح التلفزيون لدقائق تفصل بين كتابة أسطر هذا المقال:
.. لقد عدت سريعاً لمواصلة الكتابة لأن شاشة إحدى القنوات الإخبارية العربية كانت مُقسمة إلى أربعة إطارات وكلها تحمل (أخباراً عاجلة): الأول منها عن أحداث نهر البارد بلبنان، والثاني عن تجدد الاشتباكات بين الفصائل في غزة، والثالث عن انتحاري يفجر نفسه في مستشفى بكركوك، والرابع عن تفكيك خلية إرهابية في بلد مشرقي آخر. أما قنوات (ما وراء البحار) الأجنبية فكانت تبُث -خبراً عاجلاً- عن اكتشاف دواء جديد يُنسي الإنسان حوادث الزمن الماضي والحاضر.. البائسة!
22:17 | 1-06-2007
داخل عقل إرهابي
قبل أسابيع أطلق طالب في جامعة فرجينيا التكنولوجية بأمريكا واسمه (تشو سونغ هوى) النار من أسلحته المختلفة على زملائه الطلاب وأساتذته ومشرفيه ليقتل اثنين وثلاثين منهم قبل أن يقتل نفسه، ومذاك الوقت راحت محطات التلفزيون والصحف والمجلات تتنافس لكشف حقائق الجريمة والبحث عن مسبباتها، وتفردت مجلة «نيوزويك» بتحقيق مثالي، بحثت فيه اجتماعياً وثقافياً وطبياً وسياسياً عن الأسباب الكامنة للقتل والإجرام.. فكان عنوان غلاف أحد أعدادها: (داخل عقل قاتل). .. في بلادنا نحن نشكو منذ سنوات من عمليات إرهابية وإرهابيين قتلة لا يرحمون، ومصممين على نسف المجمعات السكنية وضرب المنشآت الاقتصادية وقتل النُخب، وبعد كل عملية أو كشف لأعداد لها، تروح المقالات تصف هؤلاء بالفئة الضالة والمنحرفة، وأنهم شواذ وخارجون عن الملة، أو أنهم عملاء ومُغرّر بهم.. إلخ. كل ذلك صحيح في وصفهم، لكننا ونحن نستفز الكُتاب والمقالات، ونستنجد بعشرات فرق النُصح، ونُعدّ ما لا يُحصى عددهم من (خبراء) الإرهاب للظهور في التلفزيون ليقولوا ما نعرفه ولا نجهله، كل ذلك يتم دون أن نُجيب على الأسئلة التالية: لماذا أصبح هذا الشخص إرهابياً قاتلاً؟ لماذا يتركز خروج هذا القاتل الإرهابي في هذه المنطقة وتنجو جاراتها من ذلك؟ لماذا تُنبت بيئة في حيز جغرافي بمدينة كبيرة واحدة هذا الكمّ من الإرهابيين وتخلو منطقة في نفس المدينة تمتاز برفاهيتها منهم؟ يقول أحد ضحايا المذبحة الأمريكية -طبقاً لما تقوله الصفحات الرائعة للنيوزويك- وهو ينظر سريعاً إلى وجه القاتل: «رأيت عينيه أيضاً، لعل هذا أكثر ما أخافني.. كانتا فارغتين، وشبه خاليتين من أي تعبير، عندما تنظر إلى عيون الناس، ترى فيها حياتهم وقصصهم، ولكن نظراته كانت فارغة تماماً».
.. عندما كان التلفزيون السعودي يعرض اعترافات الإرهابيين من أبنائنا قبل أسبوع، تذكرت تلك الكلمات، لم أر في عيون (المقرن إخوان) وزملائه أي معنى أو ندم أو قصة عشق أو لهفة لمنظر طائر على شجرة. كانت نظراتهم فارغة بلا معنى، وستصبح كذلك حتى وفرق المناصحة تجالسهم ليل نهار! لماذا أصبحوا كذلك؟ أي رحلة ثقافية أو جينية أو ظروف اجتماعية أوصلتهم لهذا الخواء السرمدي في نظراتهم؟ لم أقرأ ولم أسمع ولم أشاهد تحليلاً واحداً محلياً يرد على أسئلتي هذه. وأول نتائج هذا الفراغ المعرفي ستكون -للأسف- زيادة عدد المطلوبين والمقبوض عليهم والمُشتبه بهم. يجب علينا أولاً أن نتفق على مسلمات بسيطة: لِمَ يُولد هؤلاء الإرهابيون وقد لُفّ على أوساطهم أحزمة ناسفة، ولم يرضع هؤلاء وهم صغار حليب فتاوى وزيرستان، ولم يُعلمهم المشي مُرشد موت الكتروني؛ لابد أن (حدثاً) أو منعطفاً حياتياً خطيراً إنْ لم نقل جينة مجنونة قد جعلت من هؤلاء فارغي النظرات وهم يُؤسسون خلاياهم، أو وهم يعترفون بما كانوا ينوون القيام به من شر. هذا لا يعني -قط- إعفاء المجرمين من جرائمهم، ولا يعني تسويغ أفعالهم، لكنه يعني ونحن نبحث الدوافع -كما يفعل غيرنا وهم يئنون من فقدان أرواح أحبائهم مثلنا- يعني ألا نرى لوائح جديدة وقد بلغت الآلاف -للأسف- بعد أن بلغت المئات، وأن لا تُقطع البرامج لسرد تفاصيل عملية إرهابية مُدمرة تعقبها نفس ديباجات المقالات والتصنيفات وحوارات خبراء الإرهاب المحلي.
يضيف مقال «نيوزويك» الرائع: «لماذا لم نرصد جينات المرض لدى الطلاب في جامعاتنا؟ لماذا لم نعرف مقدار العزلة الاجتماعية وطريقة صقل مجتمعنا لأبنائه؟ لماذا لم نتوقع أن العنف الإجرامي يعكس سوداء البيولوجيا والتجارب الشخصية والثقافة المجتمعية المحيطة بالمرء، إضافة إلى إرادة نزع حياة الناس بأعصاب باردة؟ لماذا لم ندرك أن مرتكبي القتل الجماعي تعساء ومجروحون عاطفياً ومكتئبون سريرياً ومنعزلون اجتماعياً، وأنهم مصابون بجنون الشك والاضطهاد، ويظنون أن العالم بأسره ضدهم؟ لماذا لم نتوقع أن طريقة ما.. وفي كان ما زرع أحدهم بذور الشر في نفس (تشو) وأمثاله؟». قد تكون تلك الأسئلة من فوائض الرفاهية في مجتمعات بالكاد يعرف الأب كثير الأبناء اسم أحدهم؛ في مجتمعات لا يستطيع أستاذ المدارس الحكومية إنهاء تحضير أعداد وأسماء طلبته حتى تنتهي حصة درسه؛ في مجتمعات تخلو من أماكن اللهو البريء وممارسة الرياضة غير المدفوعة الثمن؛ في مجتمعات طغت أحاديث منافع الاكتتابات وآخر الأهداف الكروية وأجمل الألبومات الغنائية، على أحاديث آخر الإصدارات!
وحتى نقرأ دراسة تُشابه الدراسة التي وردت في مقال المجلة الأمريكية تطلعوا بين فينة وأخرى إلى العيون التي ستظهر في التلفاز وهي فارغة.. بلا معنى!
19:51 | 25-05-2007
اقرأ المزيد