قبل أسبوعين تقريباً من الآن سافرت للقاهرة لعدة أيام، كان في حقيبة يدي كتاب وعدة مجلات، فضلتُ الاطلاع على الأعداد القديمة منها قبل شراء الجديدة عند وصولي لمكان الإصدار. تبين لي أن إحدى تلك المجلات انتُزع منها أربع صفحات، ظننتُ للوهلة الأولى أن شخصاً ما في المنزل قد استساغ موضوعاً مُهماً أو إعلاناً معيناً، فرغب أن يحتفظ بالصفحات المفقودة، وحتى أتأكد طلبتُ حال وصولي لمصر من صديق في بلدي تصله المجلة المذكورة كما تصلني، أن يخبرني عن محتوى الصفحات (المفقودة). وبالفعل ما هي إلا دقائق حتى تلقيتُ مكالمة من هذا الصديق، مُخبراً أن مجلته قد مسّها العطب كما مس مجلتي. وفي القاهرة طلبتُ العدد القديم مثار الاهتمام لأجد التالي: الصفحات الـمُعتدى عليها هي عن سجل تاريخي عن بدايات الإرهاب في البلاد العربية ومنها المملكة، وفيها ذكر لاسم قائد إرهابي معروف ومشهور، كانت بداياته الحسنة من هذه البلاد الكريمة إلى أن تغيرت سيرته وأفعاله. هذا كل ما في الصفحات ليس إلا! وعن هذه البدايات والنهايات يتحدث كُتابنا عادة في الصحف المحلية ويُسهبون حولها بدون أن يُثير ذلك حساسية أو تماساً بما يسمى (افتراضاً) خطوطاً حمراء، بل إن مقالاتنا هنا أكثر قوة ومباشرة حول هذه المواضيع مما ورد في الصفحات (المفقودة)؛ وفي مقابلات تلفزيونية مع مسؤولين حيناً، وحيناً آخر مع متهمين بالإرهاب، يأتي الحديث بالاسم والتاريخ والوقائع عن الإرهابي الكبير بدون أن نشعر أن قطعاً قد حدث لمجرى الوقائع. بماذا نُفسر هذا التناقض؟ ليس لدي إلا تفسير واحد: الرقيب الذي يطلع على المجلات الصادرة في الخارج يحتكم إلى (مزاجيته)، وليس لديه مرجع كتابي يرجع له في مثل هذه الحالات؛ قد يكون مفهوماً أن تُمنع أعداد من المجلات والصحف إن هي تجاوزت مقتضيات الاحترام للدين والعُرف، أو أنها قصدت أشخاصاً معينين، أو أن محتواها خطرٌ على أمن البلاد. لكن من غير المنطقي ولا المفهوم، أن أثير اللغط والتساؤل في أمور لا يجد الكُتاب المحليون والمناظرون المرئيون في بلادنا حرجاً ولا مانعاً ولا تردداً في مناقشتها بالاسم والزمان والتاريخ! من نافلة القول ورتابته التذكير بأن هذا العصر يختلف عن العصور السابقة، فكل شيء أمام الراغب للاطلاع والمعرفة، مُتاح أمامه خبراً كان أو معلومة أو تاريخ حدث. لا تستطيع مهما أحكمت الرقابة على المعلومات أن تعزل الجائع للاستزادة منها، الناس يسافرون حيث يشاؤون، ولديهم طرائق عدة لكسر الحُجب المعلوماتية، ناهيك عن وسائل الاتصال الأخرى.. وما أكثرها. بالطبع ليس ما يُكتب ويُذاع ويُعرض في خارج الحدود يناسب أوضاعنا الدينية والاجتماعية والسياسية، لكن يجب أن يكون هذا الاستثناء هو القليل والقاعدة هي السماح، خاصة إن كانت المعلومة تُقال هنا عبر وسائل عدة بصراحة وشفافية وانفتاح.. مثلاً كيف تتصدى فكرياً لظاهرة الإرهاب في بلادنا الطيبة إن أنت أنكرت وحجبت البدايات الأولى لسيرة زعيم الإرهابيين ومحجتهم.. للأحداث الأولى وتاريخ وقوعها.. للعوامل والظروف المساعدة لنشأة ظاهرة القتل الجماعي ونسف المنشآت وتكفير المخالف؟ منذ سنين عديدة قال لي صديق إنه كان عائداً إلى أرض الوطن وفي حقيبته مجلة لبنانية عابثة تهتم بالفن والفنانين -وطبعاً الفنانات- وفي حقيبته كذلك كتاب شهير لـ(كارل ماركس) اسمه «رأس المال»، المراقب في المطار المحلي صادر المجلة الفنية (لخطورتها) وسمح جهلاً بكتاب إمام الشيوعية والشيوعيين بالمرور لأن صفحاته -فقط- خالية من الصور المثيرة! شخصياً كنت أود منع العدد الذي أشرتُ إليه في أول المقال على تمزيق أربع صفحات منها بلا داعٍ إلا إثارة الفضول والتساؤل المُلحّ: لماذا؟ إليكم هذه الحكاية الحقيقية حتى يمكن أن أصل بكم أخيراً إلى ما أريد قوله: قبل خمسة أعوام تقريباً كنت أُعد برنامجاً ثقافياً لإذاعة البرنامج الثاني بجدة اسمه (خير جليس) وصدف أن لخصتُ أفكاراً لكتاب اسمه (الزمن في المفهوم الإسلامي) لأقدمه للمستمعين لمثل هكذا برامج، وهي برامج عادة ثقيلة وجادة ولها متابعون معينون. طُلب مني بعد أن أرسلت موضوع الحلقة أن أستعرض كتاباً آخر لأن الرقيب الإذاعي (رأى) أن الحديث عن الزمن فيه مأخذ ديني! امتثلتُ وأرسلت تلخيصاً لكتاب آخر، وبعد مرور سنتين تقريباً أُصبت في أحد الأسابيع بانفلونزا حادة منعتني من كتابة حلقة جديدة للبرنامج، مما أجبرني للعودة لأرشيفي وانتقاء نفس الحلقة لأرسلها -وأنا مُتردد- للإذاعة.. وإذ بي أستمع إلى موضوعي مُذاعاً كاملاً بعد كل سنوات الخشية، وكانت تلك الحلقة من أفضل الحلقات وأمتعها حسب الردود والانطباعات التي وصلتني من مختلف الشرائح والاتجاهات.. وبلا تحفظ! يقولون: سُمُّ الأفعى يمكن أن يكون ترياقاً إذا كان في أيد ماهرة، وعسل النحل يمكن أن يكون سُمًّا إذا كان في يدي غير خبير.