بعيداً عن القضاء والقدر الذي نؤمن به، سلّمت أمة العرب عبر تواكلها بما قُسم لها.. وللعالم الآخر، وأجزم أن هاتين الكلمتين ومعناهما المُشوّه لن تجد لهما في بقية أراضي المعمورة الزاهية مثيلاً:
القسمة والنصيب يقولها فقراء العرب المُدقعون في عوزهم، وهم يرون التمايز الطبقي المهول في بلدانهم، والذي يزداد بنفس زيادة تباعد المجرات والثقوب السوداء في الأكوان. يقولها المهاجرون العرب الذين يصعدون يومياً على متن المراكب القديمة المُبحرة بهم إلى الشمال الأخضر حيث الأمن واليورو وشعور الإنسان بكرامته.. ما لم تختطف تلك الأحلام أسماك القرش وأمواج البحر الغاضبة مما تصنعه (قسمة ونصيب) الشاطئ الجنوبي.
يقولها شباب العرب الباحثون عن تأشيرة دخول بلدان أقصى الأرض هرباً من القناص، والسجان، والمحتكر، وتصنيفات الناس في مجتمعاتهم بين متأسلم ومستغرب.
كان العالم المتحضر يحتفل بأسرع قطار بين كياناته في نفس اليوم الذي يكتشف فيه هذا العالم ومعه البقية، أن ما سُمي بملاجئ الاحتياجات الخاصة والأيتام في بلاد القسمة والنصيب، تستنبط مداخيل لها في أيام الشح- وما أكثرها- من خلال مشروع بسيط غير مكلف: ربط المقعدين من الأطفال في أسرتهم بينما تُباع الأغذية والملابس المهداة لما سُمي بملاجئ الحنان!
عالم بعيد عنا، يحتفل باختفاء الأمية منذ مئات السنين بين أفراده الممتدة أعمارهم إلى أن أصبحوا عبئاً ومشكلة، في ذات الأوقات الذي يحتفل بعضنا بتدمير أضرحة من تنازعوا أو تركوا (الفتن) منذ أكثر من خمسمائة ألف يوم من أيامنا.. الحزينة هذه!
قسمة ونصيب أن يبحث العالم المُضرب عن الاعتراف بمثل هكذا كلمات، في أسباب انهيارات أسواقه المالية في الثلاثينات والثمانينات من قرنهم الماضي، بينما يكتتب من جديد أفراد قبيلة المكتوب العربية -والذين سبق وفقدوا ورق توتهم الاقتصادي- في الشركات (الواعدة) الجديدة.. لعل وعسى أحلام قسمة وأنصبة حياة الأرقام التي يسمعون عنها ولا يرونها، تصبح حقيقة وعادلة.
قسمة ونصيب نقولها هنا كلما قرأنا وشاهدنا عن أفراد في العالم (المُضحك) البعيد، وهم يُنشئون جمعيات تُعنى بجثث الحيوانات السائبة والبحث ومقاضاة المتسببين بهكذا مقتلة، بينما تتزاحم في قيعان أنهارنا وبحارنا وأراضي قفارنا، الجثث المجهولة المزدانة بمداليات التعذيب، لأنها تجرأت أن تعيش في أزمنة القتل على الهوية والمذهب والعنصر.. والبرادات المزدحمة بالموتى الآخرين غير المجهولين!
قسمة ونصيب أن يعيش الناس في بلاد العرب وهم عطشى، بينما أنهارهم الكبرى المذكورة في كتب الجغرافيا تجري من تحتهم منذ آلاف القرون إلى أن يبتلعها اليمّ الأُجاج، ومكتوب أن تُصادق الكآبة والعبوس والتجهّم وجوه من يعيشون في البقاع المُكتنزة بالطاقة والمعادن والأسواق الناشئة ومخزون قديم من حكايات الطرائف والمؤانسة!
الاختراعات الحديثة كثيرة ومتنوعة، ومن ذلك أنه باستطاعة الإنسان أن يُشغل قرصه المدمج ليشاهد ما يريده، وباستطاعته أيضاً أن يتحكم بواسطة جهاز صغير بتقديم وتأخير مقاطع من مضمون مشاهدته. فيا ليت أن تلك الأجهزة تمحو من حياتنا الاجتماعية وتاريخنا كلمتين مشهورتين تصطف بينهما أطنان من الآلام والأحزان.. قسمة ونصيب!