مر إعصار (قونو) المدمر على أحد بلدان مجلس التعاون الخليجي ليحصد الأرواح ويخرب الممتلكات ويقطع السُبل ويُوزع تبعات رياحه العاتية قاطعاً إمدادات المياه والكهرباء والغذاء؛ مرّت هذه الكارثة دون أن تعقد إحدى لجان إدارة الأزمات في أمانة مجلس التعاون اجتماعاً واحداً لدراسة كيفية المساندة المشتركة لإحدى دول المجلس!
اللجان الصحية في المجلس والمُناط بها العمل الخليجي الصحي المشترك، ومن ذلك إمدادات الدواء والإسعافات الطارئة أثناء الكوارث، كانت منشغلة بآخر أخبار انفلونزا الطيور في بلدانها؛ أما اللجنة البترولية فقد ركزت أنظارها صوب تأثير «قونو» على أسعار البترول المرتفعة أصلاً، بدلاً من تعويض البلد المُتضرر من خلال اقتطاع جزء من كميات التصدير لتحوّل إلى إمدادات مفتوحة للبلد المنكوب.
المختصون بالبيئة في دول مجلس التعاون الخليجي كان يشغلهم تأثيرات المد العالي لمياه الخليج على الثروة السمكية، بدلاً من قيامهم جماعياً بزيارة (عُمان) لمعرفة كيفية الاستفادة من قدراتهم وخبراتهم- إن كانت موجودة- لإنقاذ الحياة البيئية المتأثرة بشدة هناك، وبالتأكيد ليس هناك مُسميات لأطباء بلا حدود ولا مهندسين بلا حدود في دول مجلس التعاون، لذا فليس من المنطقي في هذا الشأن زيادة كلمات مثل: لماذا ومتى في أسطر هذا المقال!
لقد تبلورت فكرة إنشاء المجلس عندما شعرت بلدان الخليج بمخاطر وتبعات الحرب العراقية- الإيرانية في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، وكان الهدف هو حماية أرواح سكان الخليج وممتلكاتهم وبالطبع أراضيهم. ولو افترضنا أن النتيجة واحدة في الاعتداء المسلح أو إعصار كاسح، فلماذا التردّد والانكفاء في التصدي لأحديهما إن حدث؟!
المواطن الخليجي ليس مهتماً بمباحثات المجلس مع الاتحاد الأوروبي حول اتفاقيات التجارة الحرة، وليس مهتماً بمشاريع الطاقة النووية الخليجية، ولا بمواعيد عرقوب للوحدة النقدية، ليس مهتماً بكل هذا قدر اهتمامه بشأنه اليومي وهمومه العاجلة:
سيقول هذا بالتأكيد رب العائلة العُمانية وهو ينظر إلى الفيضان وقد اجتاح منزله وروّع أهله، سيقول هذا مزارع عُماني دمّر الإعصار نخيله وثمره، سيقول ذلك كل المواطنين هناك وقد تعطلت الدراسة في المدارس والجامعات، وتشققت الطرق ونُسفت الجسور.
سيقول المنكوب هناك أين عنهُ (فزعة) المجلس إبان الضرر الذي أحاق بلبنان أو بدارفور أو بباكستان؟ الإجابة ستكون مريرة بالطبع وستُبين مدى هشاشة العمل الخليجي الموحد.
.. أمثلة :
قبل سنوات اجتاحت الفيضانات بلدان وسط أوروبا، عندها عقد الاتحاد الأوروبي أسرع اجتماعاته من أجل نجدة بلدان معينة من منظومته، وأجّل اجتماعات الميثاق الأوروبي والتزامات الوحدة النقدية الأوروبية ومشاريع الدفاع المشترك إلى حين!
ما خفف من (وحشة) التصرف الخليجي المشترك هو موقف الرجل الكبير بقلبه ومقامه (خادم الحرمين الشريفين) وسمو ولي عهده، وكأنهما يريدان التعويض عن هذا التقصير المشترك الذي لطالما حذرا منه وأشارا إليه.
منذ وقت طويل كنا نستغرب الموقف المُتردد لأهلنا البعيدين في عُمان تجاه العمل العربي والخليجي (الموحد) الذي يملأ الفضاء ضجيجاً بقراراته وتوصياته، لكن (قونو) وبرغم وطأته الثقيلة أثبت أن الحكمة العمانية، والصمت القديم للناس الطيبين هناك حول ما يجري في المقرات المكيفة المُترفة، هما أبلغ من سيول الصفحات التي تبدأ بكلمة: قررنا!!
أخبار ذات صلة