في أواخر أربعينات القرن الماضي ثارت فضيحة في بعض البلدان العربية التي دخلت في حرب مع الدولة اليهودية الناشئة -آنذاك- الفضيحة سُميت حينها بـ(قضية الأسلحة الفاسدة)، أما لو كانت تلك الجيوش قد ذهبت للحرب بدون أسلحة فإن الفضيحة ستصبح عاراً.. وأي عار! بالفعل لا يمكن تخيل ذهاب الجيوش بدون أسلحة ومعدات حرب وإمدادات، لا يمكن تخيّل تلميذ يذهب للامتحان بدون قلمه، وقبل ذلك استعداده الدراسي، ولا يمكن تخيّل إجراء العمليات الجراحية دون أطباء جراحين وغرف عمليات مُعقمة... إلخ.
أيضاً لا يُعقل أن نحكم على مزاج الرأي العام واتجاهاته حول قضية تهمه ويعتاش الكُتّاب منها، ما لم نعرف حقيقة هذا المزاج الشعبي وحركة معارضته أو موافقته للقضية مثار النقاش عبر مؤسسات تقيس اتجاهات هذا الرأي ومؤثراته.
هذا الأمر بديهي في العالم المتقدم، ولا يُمكن تصوّر الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بدونه. هناك دول أوروبية أحجمت عن طرح الدستور الأوروبي للتصويت، لأن قياسات الرأي العام فيها كانت معارضة بشدة لصيغ الدستور المقترح، وهناك دول أوروبية مثل (سويسرا) لم تمنع تدخين السجائر في الأماكن العامة لأن الرأي العام يعترض على الحد من الحريات الشخصية مهما كانت مُؤذية وضارة!
بلادنا الحبيبة لها ثُقل ديني واقتصادي وسياسي، لكنها تحتاج لمتممات هذه الأثقال؛ كيف يعرف صانع القرار -مثلاً- الخطوة التالية والصحيحة في مواضيع اقتراحات تغيير أيام العطلة الأسبوعية، أو تعديل مواعيد العمل في الأسواق والمطاعم؟ كيف يتلمس صدى إنشاء المدن الاقتصادية الجديدة؟ ومدى رضى أو تعاسة المواطنين حول مستوى المعيشة بعيداً عن تطمينات البيروقراطيين أو مقالات الكُتاب التي تتنازعهم الميول والاتجاهات الصاخبة، وبعيداً عن النقاشات الطويلة في مجلس الشورى الموقر والمنتهية في أغلب الأحوال بعدم نظامية موضوع المناقشة؟! لا بديل عن كل هذا إلا هيئات أو وكالات تقيس وتمسح -بصدق وحيادية واحتراف- اتجاهات الرأي العام المعني بهذه القرارات، وعلى ضوء ذلك سيُتاح لصانع القرار الاجتماعي والاقتصادي تشريع الأنظمة الخاصة بهذا الشأن أو ذاك. ليس مُهماً أن تكون هذه الوكالات والهيئات معنية في بداية الأمر بقياسات الرأي العام حول قضايا السياسة الخارجية ومسائل الحرب والسلم، كل ذلك سيأتي لاحقاً بعد تلمس فوائد مثل هذه القياسات في الشؤون الحياتية للمواطن.
ما يوجد بين أيدينا الآن قياسات للرأي العام السعودي من قبل جهات خارجية، أو اجتهادات محلية يظهر عليها بكل وضوح القصدية في أبحاثها، وأعني بذلك الوصول لما تريد هذه الأبحاث أن يُطرح للنقاش وليس لما هو كائن في العموم، يُناقش -مثلاً- ردة فعل الجمهور حول أداء هيئات معينة، ولا تُطرح -مثلاً- أسئلة حول مدى تقبل الجمهور لتعامل هيئات خدمية أخرى مع شرائح المجتمع المختلفة، ولا حتى مرونة أو تقاعس الموظفين في كل مراكزهم مع إنهاء متطلبات شأن المواطن.. وقسْ على ذلك الكثير. عندما تُتاح للمُشرّعين مؤشرات الموافقة أو الرفض، أو حتى الحيرة من قبل الرأي العام تجاه قضية ما فإن ذلك يُسهّل من عملية صنع القرار وتنفيذه.. أو عكس ذلك.. إيقاف تنفيذ ما سبق التفكير به حتى انجلاء أسباب هذا التمنّع بعد قياس جديد.
إليكم هذه القصة الطريفة والتي لها علاقة بما نكتبه:
في أواسط الستينات من القرن الميلادي الماضي أراد الرئيس (عبدالناصر) -غفر الله له- أن يبث دعاية للفكر الناصري في شرق ووسط وغرب افريقيا، وخصص لهذا نصف ساعة يومياً تُبث فيها هذه الأفكار عبر الإذاعة المصرية لتلك البلدان، وتم البحث عن مواطنين يتحدثون بهذه اللغات، فوُجد كثيرون منهم.. عدا اللغة الأوغندية، لهذا اضطر المسؤولون في الإذاعة أن يختاروا واحداً من أعضاء سفارة أوغندا في القاهرة لبثّ تلك النشرة الدعائية، وبعد مضي أشهر تبين للنافذين هناك ضرورة عمل قياس لمدى تقبل هذه الرسائل من قبل المستمعين، فجاءتهم الردود كلها مشجعة، إلا أن رد (أهل) أوغندا كان صاعقاً: الإرسال واضح وقوي، ولكن الموظف المذكور لا يذيع الدعاية الناصرية، بل يستبدل نصف ساعته المحلية في الدردشة -المجانية- مع الأهل والأقارب والجيران في بلده!
اعتذار :
من متطلبات السفر الطويل نسبياً، الانقطاع عن العالم قدر الإمكان، والانقطاع عن الكتابة وخاصة في صحيفة مثل «عكاظ» مؤلم جداً.. لكن ما باليد حيلة.. فعذراً للقراء على أمل لقاء مُتجدد -إن شاء الله- بعد أسابيع.. إن كان في العمر بقية.