في محاضرة لأحد الباحثين في الإعلام سُمعت هذه الكلمات: الخبر ليس في عضة كلب لأحد المارة، ولكن في عضة هذا الشخص للكلب!
أمضيت من خريف العام الماضي الذي يوافق في (نيوزلندا) فصل الربيع ما يقارب الشهرين هناك. كان الخبر الأول والعاجل في محطات التلفزيون والإذاعة في تلك البلاد القصية: ولادة بقرة لتوائم كُثر، أو تفتح زهور قبل أوانها، وإن لم يكن هذا وذاك، فانتحار حوت الدلفين على أحد شواطئ الجزيرة الجميلة! عندما عدتُ إلى ما سُمي جغرافياً بالشرق الأوسط، بعد انتهاء دورتي العلمية، وجدت التلفزيون ينقل في صالة مطار عواصم أحد بلدان منطقتنا خبراً عاجلاً عن انفجار في بغداد أودى بحياة ثمانين شخصاً، ثم توالت الأخبار التي أعرف مثلها قبل أن أسافر: مقتل سياح أجانب في هذه الصحراء.. انتحاري يُفجّر نفسه في مقهى هناك عند الساحل.. اكتشاف خلية إرهابية في الجبل.. حوادث إهمال تقتل جماعياً المسافرين في عبّارة أو حافلة أو طائرة مستأجرة.. إغلاق حدود بين بلدين شقيقين.. إلخ. شيئاً فشيئاً لم يعد لتلك الأخبار العاجلة والحاوية لأطنان من الكمد والدموع، وقعٌ في أنفس الناس هنا.. في بلدان إقليمنا المنكوب؛ لقد اعتاد الناس على الفناء الذي يُقام سرادقه بينهم يومياً، هو رقم فقط، فالتقدم الأمني في العراق مثلاً أن يُقتل في يوم واحد أربعون قتيلاً لا مائة. والاصطدام بين (الإخوة) في فلسطين يظل في نطاق المعقول إن اغتيل (قائد) من هذا الفصيل أو ذاك يومياً ولم يتعدّ الأمر الأتباع الكُثر! فقدت الأخبار في منطقتنا صفة العاجلة، لأن الناس مُتلهفون على الأكثر فظاعة وهولاً، وإلا فالأخبار التي ترد ليست عاجلة ولا تستحق أن يُطلق عليها ذاك المسمى المتميز! سألتُ نفسي وأنا أقارن بين النقائض: ما الذي جعل شعوباً -كتلك- تستحبُّ نوعية من الأخبار العاجلة، وتتلهف شعوب أخرى على أخبار لا علاقة لها بما يسمعه ويراه الآخرون هناك؟ إن كنا أصحاب الحضارات القديمة ونعيش في الأرض التي نزلت عليها الرسالات السماوية التي تُنادي بالرحمة والعفو والصبر والكفّ عن الأذى، وإن كنا ومن جاورونا أول من تمنطق وحاور وتفلسف، فلِمَ تلك الأواصر من الصداقة -بل الأخوة- الضاربة الجذور مع الدم والترهيب والجبروت والظلم إذن؟ هناك إجابتان لا ثالث لهما لتلك الأسئلة: إما أن تلك الحضارات والعلوم ضاعت بوصلتها التاريخية والجغرافية أصلاً فتعاملت مع من لم يُحسنوا ترجمة مقاصدها الشريفة والطيبة والعاقلة؛ وإما أن الشعوب الأخرى قد توصلت إلى (زبدة) الحضارة والفلسفة المشرقية التي غفل عنها أهلها، مع إضافة واقعية عقلهم الآخر ليُنتج من هذا المزيج ما نراه من فروق في نوعية الأخبار العاجلة عندهم وعندنا. ... نسيت هناك إجابة ثالثة لا رابعة لها! أقول: يمكن أن جينات أممنا القديمة التي أنتجت الحضارات واستمعت للرسالات وتفاعلت مع العلوم القديمة، هي جينات مختلفة عن جينات شعوب القرن الواحد والعشرين في منطقتنا؛ الطريف في الأمر أن الأمم مثلها مثل الحياة البيولوجية للبشر، ضعيفة في طفولتها قوية في شبابها ثم تعود إلى الضعف مرة أخرى.. إلا في عالمنا المشرقي: أمم قوية معرفياً وحضارياً في طفولة تكوين الدول، تشيخ في شبابها وسرعان ما تموت قبل الكهولة! في نفس المكان الذي (كان) يجلس فيه الرشيد والمأمون في بغداد، يجلس الآن من يُعدّ لتفجير مدرسة أو تجمع لمشيعي جنازة، وغير بعيد عنهم ميليشيا تخطط لتصفية السكان الآخرين الذين يختلفون في المذهب ويشتركون في المواطنة وشرب ماء دجلة وقراءة شعر المتنبي.. أرأيتم الفرق بين القديم والجديد؟ في المكان نفسه الذي أخرج ابن طفيل وابن رشد وابن خلدون وغيرهم من أعلام إنارة العقول، هو نفس المكان وما جاوره الذي يُخرج الآن أعلام فتاوى الموت للجميع. كان الأقدمون (الأجانب) يأتون لمشرقنا لدراسة كل المعارف، لأن وباء الفقر الحضاري لديهم مُتفشٍّ حينها، وإذ بخلفهم الآن يسمعون عن حل لمشكلة الاختلاط في العمل عندنا عبر إرضاع الزميل -البالغ بالطبع- من ثدي زميلته التي تُشاركه في بعض البلدان الجامعة أو المستشفى أو في أعمال المطارات!
استميحكم العذر في فتح التلفزيون لدقائق تفصل بين كتابة أسطر هذا المقال:
.. لقد عدت سريعاً لمواصلة الكتابة لأن شاشة إحدى القنوات الإخبارية العربية كانت مُقسمة إلى أربعة إطارات وكلها تحمل (أخباراً عاجلة): الأول منها عن أحداث نهر البارد بلبنان، والثاني عن تجدد الاشتباكات بين الفصائل في غزة، والثالث عن انتحاري يفجر نفسه في مستشفى بكركوك، والرابع عن تفكيك خلية إرهابية في بلد مشرقي آخر. أما قنوات (ما وراء البحار) الأجنبية فكانت تبُث -خبراً عاجلاً- عن اكتشاف دواء جديد يُنسي الإنسان حوادث الزمن الماضي والحاضر.. البائسة!