التاريخ هو ذاك البحث الذي يكشف جهود الإنسان في الماضي.. كل نشاطاته سلماً أو حرباً.. إبداعاً أو تكفيراً.. علماً أو جهلاً. نشاطات الحاكمين والمحكومين، الأعلام منهم والمغمورين. أما الفن فإنه يعني المقدرة والمهارة في الغايات الجمالية، ويُعرف كذلك بأنه مجموعة من المناشط الإنسانية التي تميل إلى الاتجاه صوب النزعة الجمالية.
هل هناك صلات بين مضامين المصطلحين؟ كثيرة هي الصلات، ومن ذلك تسجيل أنواع من الفنون للأنشطة والجهود الإنسانية السابقة.. أي للتاريخ بمعنى أوضح؛ فهذه اللوحة قد نتبين منها -مثلاً- شراسة المعارك الأهلية في أسبانيا، أو غزوات نابليون وهتلر لروسيا، أو لحروب الشمال والجنوب في أمريكا.
السينما يمكنها أن تؤرخ حسب رواية المؤلف والمخرج وشركة الإنتاج لأحداث الماضي، وتُعطي للمشاهد صورة تقريبية لأبطال الحدث التاريخي المختار.
.. كذلك الرواية ذات النفس الطويل والملحمي تُزيل بفنها غبار التاريخ عن شخص أو حدث، ثم تبثُّ فيهما حياة من سطور، قد تكون كافية لإثارة لغط حول ما كان يُعتقد أنه الحقيقي والمؤكد حول شخص أو واقعة، فإذا الأمر -والقلم يخط أو الكاميرا تدور- مُلتبس ومحير وقابل للنقاش وللشك في كل ما قيل سابقاً ووقر في عقول الناس وقلوبهم.
لاحظت هذا وأنا أتابع ردات فعل بعض الإخوة الأصدقاء المصريين وهم يتابعون مسلسل الملك (فاروق) الذي عُرض في شهر رمضان الماضي.
أصدقائي وُلدوا بعد ثورة 1952م، أو أنها قامت ولم يعرفوا ما كان يدور حولهم لحداثة أعمارهم، لكنهم نشأوا وتعلموا ودائرة مغلقة من المعارف التاريخية تقول لهم: إن مصر العظيمة لم تُولد إلا في يوليو 1952م، وأنها قبل ذلك لم يكن فيها دستور ولا حياة حزبية وديمقراطية نسبية؛ الحياة السياسية حينها مجرد عربدة وفساد ومماحكات وتواطؤ مع الأجنبي وتفريط بالحقوق؛ وحلقة بعد حلقة زادت دهشة الأصدقاء المصريين، فتاريخ ما قبل 1952م فيه أشياء سيئة جداً، وفيه أشياء أخرى مضيئة كما هو تاريخ الأمم كلها، فيه حادثة مشهورة رفض فيها ملك شاب الانصياع لرغبات الإنجليز إلى حد تهديد حياته ونفيه، وفيها كذلك حياة تحت قبة البرلمان إلى درجة أن طلباً لرئيس الوزراء للفة قُماش كان مثار جدل وطلب إقالة!
طرحت محطات فضائية كثيرة أسئلة على مشاهديها عن رأيهم في الملك (فاروق) بعد المسلسل، فكانت النتائج غريبة ومذهلة، بعضها أعطى تعاطفا معه بنسبة 80% من المشاهدين والأقل وصلت نسبتهم إلى 55%!!
ذهبت أدراج الرياح كل تلك الأسفار من الكتب والمعلومات والحكايا الصحفية المفروضة منذ عام 1952م وحتى رمضان 2007م، ويعود الفضل بذلك للفن وتأثيراته.
أما أنا فقد تابعت الحملات المتقطعة الصوت التي هاجمت المسلسل، وأظنها كانت صرخة في فراغ، وكذلك سيكون عليه الحال كلما نشط الفن بكل مناحيه: رواية أو فنوناً تشكيلية أو عبر كاميرا ساحرة جذابة..
سترمي تلك الفنون الأحجار في المياه الراكدة، وستُخيف بعض الناس، وسيحاول بعضهم التسفيه بها وتهديد أصحابها بكل أنواع التهديدات، لكن الفن ولأن من صفاته الحرية والانطلاق وتثوير الراكد والمسلم به، لن يستطيع أحد إيقاف تنويره للعقول.. إلا بأعمال فنية مقابلة.
وهناك سيترك الحكم للذائقة وللمعلومة الصحيحة وللإجادة والإبداع، وقبل ذلك كله مقارنة الناس بين ما كان وما هو كائن حالياً.. وما ينبغي أن يكون!
أخبار ذات صلة