مع الانغماس اليومي في عالم الذكاء الاصطناعي، لم تعد أسرارنا ومعلوماتنا الشخصية ملكاً لنا وحدنا، بل تحولت إلى سلعة تُباع وتُشتري خلف الشاشات. وهنا يبرز التساؤل الفعلي: أين ينتهي التسويق الذكي ليحل محله التعدي الصريح على خصوصيتنا؟

تتنوع صور السلوك غير الأخلاقي في هذا المجال، بدءاً من التضليل المباشر للمستهلك، مروراً باللعب على الوتر النفسي، وصولاً إلى الانتهاك العلني للبيانات. التسويق النزيه يضع احترام العميل أولاً؛ فيوضح الأسعار والشروط بلا مواربة، ويمنح الحرية الكاملة لرفض التتبع، ويحتفظ بالبيانات للغرض المعلن فقط. أما الطرق المظلمة فتقتات على الماكر من الحيل: إخفاء التكاليف الحقيقية حتى لحظة الدفع الأخيرة، تشغيل التتبع التلقائي، وتعقيد إلغاء الاشتراك لتثبيت المستخدم رغماً عنه، ثم بيع هذه البيانات لمن يدفع أكثر.

المقلق أن الأرقام تجسد هذا الواقع بدقة؛ إذ يُظهر الواقع أن 75% من الناس يهربون من العلامات التي لا يثقون بأمانها، ويشعر 81% منهم أن خطورة جمع بياناتهم تفوق أي فائدة يحصلون عليها، ونحو 48% لم يترددوا في مقاطعة متاجرهم المفضلة لمجرد تسريب أو انتهاك لخصوصيتهم.

ولعل الأبرز في هذا المشهد ومثال حي هو ما تمارسه بعض تطبيقات اللياقة والنوم التي نستخدمها، إذ تطلب منا ربط حساباتنا الشخصية بحجة تقديم نصائح صحية، لكنها تتعدى حدود الرياضة لتسترق السمع لنبرات التوتر أو كلمات الإحباط، لتبني بها ملفات نفسية تُباع لشركات التأمين والأدوية. بالإضافة إلى استغلال حالات الأرق في منتصف الليل لضخ إشعارات ملحة تروج لمكملات غالية الثمن تحت غطاء علاجي وهمي!

وسط هذا السباق، يبقى وعينا الشخصي هو الدرع الأخير. كيف؟ يبدأ ذلك بمنح الأذونات بحذر ورفض الصلاحيات غير المنطقية، واستخدام متصفحات تدعم الأمان، ومراجعة إعدادات الخصوصية باستمرار دون الانجراف خلف العروض الجذابة.

ختاماً، حماية الخصوصية الرقمية لم تعد تفصيلاً ثانوياً، بل معركة واعية تتطلب من الشركات نزاهة في التعامل، وتفرض علينا كأفراد حذرا دائما لحفظ بياناتنا وحريتنا في عالم لا ينام.

• أستاذ مساعد في التسويق الإلكتروني بجامعة اليمامة بالرياض