في مناسباتنا الاجتماعية تظهر صورة تحتاج إلى مراجعة؛ موائد تكفي أعداداً كبيرة ثم لا يستهلك إلا جزء يسير منها والباقي إلى الهدر، وقد يظن صاحبها أن زيادة الطعام دليل على زيادة الكرم.

وعندما يصبح هدف الإنسان أن يقال عنه: «ما أكرمه!» تنتقل المسألة من الإكرام إلى الاستعراض المقدرة أمامهم، والله سبحانه وضع قاعدة واضحة للإنفاق (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَاماً)؛ أي أن المنهج ليس في الإفراط ولا في التضييق، وإنما في الاعتدال.

والتفريق بين الكرم والإسراف لا يحتاج إلى معادلة معقدة، فإذا كان الإنفاق يتجاوز الحاجة ويؤدي إلى الهدر فنحن أمام إسراف وإن حملناه اسم الكرم، والأجمل المحافظة على قيمة الكرم دون تحميلها ما لا تحتمل، والكرم الحقيقي أن تعطي بسخاء وبوعي، وأن تفرح بإكرام الآخرين دون أن يكون إكرامهم سبباً في إهدار النعمة.

آن الأوان لإعادة تعريف الكرم في وعينا الاجتماعي، فليس الأكثر إنفاقاً هو الأكثر كرماً، وليس الأقل إنفاقاً هو الأقل مروءة، بينهما مساحة واسعة اسمها الاعتدال؛ وفيها يلتقي الكرم مع الحكمة، وتحفظ النعمة، وتصان المروءة.

أجمل العطاء ما جمع بين سخاء اليد ورشد العقل.