يمثل الأمن المائي أحد التحديات الإستراتيجية التي تواجه الدول، ولا سيما في البيئات محدودة الموارد المائية والطبيعية والمتزايدة في الطلب، غير أن النظرة الاقتصادية الحديثة لم تعد تتعامل مع هذه التحديات بوصفها أعباء تتطلب زيادة الإنفاق الحكومي فحسب، بل بوصفها محفزاً للبحث والابتكار وخلق فرص استثمارية جديدة.

وهنا يبرز مفهوم «اقتصاد الابتكار»، الذي يقوم على تحويل المعرفة والبحث العلمي إلى حلول قابلة للتطبيق والاستثمار، فالابتكار لا تكتمل قيمته الاقتصادية عند تسجيل براءة اختراع أو تطوير نموذج أولي، وإنما عندما ينتقل إلى التطبيق، ويعالج تحدياً فعلياً، ويخفض التكلفة أو يرفع الكفاءة، ثم يجد سوقاً قادرة على تبنيه والتوسع فيه.

وفي قطاع المياه تحديداً، تستطيع الحكومات أن تؤدي دوراً يتجاوز تمويل الأبحاث إلى توجيه منظومة الابتكار نحو تحديات واضحة، مثل التحلية، وإعادة استخدام المياه، ورفع كفاءة الاستهلاك، وتقليل الفاقد، ومن خلال التشريعات والمشتريات الحكومية والتحديات التنافسية والشراكات مع القطاع الخاص، يمكن أن تتحول الاحتياجات العامة إلى طلب اقتصادي يحفّز الباحثين والشركات وروّاد الأعمال على تطوير حلول جديدة.

وتظهر التجارب الدولية أن الدول التي ربطت سياسات البحث والابتكار باحتياجاتها الإستراتيجية استطاعت بناء قدرات معرفية وتقنية في قطاعات كانت تمثل في الأصل تحدياً وطنياً، وهنا تتغيّر وظيفة الإنفاق على الابتكار، من تمويل نشاط بحثي إلى استثمار طويل الأجل في المعرفة والتقنية والقدرات الوطنية.

وفي بلادنا، يمكن النظر إلى تحديات المياه من المنظور ذاته؛ فامتلاك خبرات متراكمة في التحلية وإدارة المياه يتيح فرصة للانتقال من استيراد الحلول إلى تطويرها وتوطينها، ثم تحويل الأكثر كفاءة منها إلى منتجات وخدمات قابلة للاستثمار والتصدير.

‏أخيراً

أما السؤال الاقتصادي فيصح أبعد من: كيف نوفر المياه للمستقبل؟ إلى: كيف نحوّل تحديات المياه إلى سوق للابتكار، ونحوّل الحلول التي نحتاجها اليوم إلى قيمة اقتصادية يمكن أن نصدرها غدا، وهذا ما تؤكد عليه «رؤية 2030».