دخلا بابتسامة ومصافحة، وخرجا بدعوى وقطيعة، البداية كانت فكرة واعدة بين صديقين، أذاب بينهما «العشم» خطوط الحذر التنظيمي، فتجاهلا التوثيق وقالا: «نحن أكبر من العقود»، دارت الأيام وتضخمت الأرباح، واختلفت الرؤى، فتحوّلت ذكريات السنين إلى خصومة قضائية، وضاعت الحقوق في دهاليز الاتفاقات الشفهية.

هذا المشهد ليس مجرد دراما اجتماعية، بل ثغرة نظامية تتكرر في أروقة المحاكم.

والمفارقة أن كثيراً من النزاعات لا تبدأ بخيانة أحد الطرفين، بل باختلاف الذاكرة والتوقّعات، أحدهما يتذكر الاتفاق بصورة، والآخر يفهمه بصورة أخرى من يدير؟ من يقرر؟ كيف توزع الأرباح؟ وماذا يحدث إذا أراد أحد الشريكين الانسحاب؟، أسئلة تبدو ثقيلة في لحظة البدايات الجميلة، لكنها تصبح أثقل بكثير عندما تطرح لأول مرة أمام القضاء.

في البيئة الاستثمارية السعودية الحديثة، لا يكفي حُسن النية وحده لحسم النزاع؛ فـ«نظام الإثبات» نظم وسائل الإثبات وحجيتها، والقضاء عند الخصومة يبحث عما يمكن إثباته، لا عمّا استقر في النوايا.

إن التشريعات السعودية الحديثة، وفي مقدّمتها «نظام الشركات» و«نظام المعاملات المدنية»، وفرت إطاراً نظامياً يساعد على بناء العلاقات التعاقدية بصورة أكثر وضوحاً، فكتابة عقد شراكة محكم، وتحديد الحصص والمسؤوليات وآليات اتخاذ القرار والخروج، ليست سوء ظن بالصديق، بل ممارسة وقائية تصون أموال الطرفين وتدعم استدامة الكيان.

والعقد الجيد لا يحمي المال فقط؛ فأحياناً يحمي الصداقة نفسها، لأنه ينقل الأسئلة الحساسة من لحظة الخلاف إلى لحظة الاتفاق، حين تكون النفوس هادئة والمصالح متقاربة.

«العشم» في عالم المال والأعمال، حين يتحول إلى بديل عن التوثيق، قد يصبح غفلة تهدر الحقوق وتنسف أعتى الصداقات.

لهذا، لا تجعلوا الثقة بديلاً عن التوثيق، ولا العشم مبرراً لترك الحقوق معلقة على النوايا، اكتبوا عقودكم بوضوح، وحددوا الحقوق والالتزامات منذ البداية؛ فالعقد لا يعني أننا نشك في من نحب أو نثق به، بل يعني أننا نحمي العلاقة من اختلاف قد تصنعه الأيام والمصالح.

وفي النهاية، الصداقة يحفظها الوفاء، والحقوق يحفظها العقد؛ فلا تحمّلوا الأولى ما لا تحتمل، ولا تتركوا الثانية بلا وثيقة، فكم من صداقة قتلها العشم، وكان يمكن لسطر واضح في عقد أن يبقيها حية.