ثمة لحظات لا تمر علينا، بل تعبُر من خلالنا، لا تلمس إحساسنا فقط، بل تخترقه. ولحظة التخرّج واحدة من تلك النادرات اللواتي تقف بين عالمين، وتُشعل في القلب ما لم يكن يعلم أنه مشتعل.

تبدأ بنظرة تجول في القاعة، فتقع على وجوه كشفتها السنون، وعيون شاركتها اللهفة والسهاد ثم تأتي اللحظة الوزينة، ثقيلة الخطى، خفيفة الجناح، حين تُمد إليك ورقة بيضاء، بسيطة في حجمِها، عميقة في معناها، تُمسكها بيديك فتشعر أنك تُمسك بضع سنين مطوية، وأحلاماً كانت بالأمس بذوراً ندية، وها هي اليوم أشجار تُورق، وبالثمار غنية.

تُساءل الذاكرة فتجيب بصور متلاحقة: أول يوم تخطو فيه عتبة المدرسة، خطوةٌ مرتعشة، قلب مثقل، وحقيبة تكاد تغلبه.. ثم الليالي البيضاء حين تصارع الكتب وكأنها بحور لا شاطئ لها، مليئة بأنياب الواجبات، ووحوش الاختبارات.

ثم ها هو اليوم وقد فاجأك، شاطئ يمتد أمامك، والأفق الجديد يُناديك، يتردد في الصدر صوت لا يعبَّر عنه بكلمة، هو خليط من الامتنان والحنين، من الزهو والارتياع. كأن الروح أتمت فصلاً، ثم وقفت عند نقطة الفصل تتردد: أنكمل؟ أم تلتفت قليلاً لترى ما مضى؟

ذلك هو السر الذي يعرفه المتخرجون وحدهم: أنك حين تُتوَّج بشهادتك، فأنت تحمل نسخة منك أكثرَ نضجاً، أوسع صدراً، أعمق رؤية، تحمل إنساناً صُقل بالعلم حتى أومض.

وأخيراً أذكِّر..

أن التخرج ليس نهاية، من قال ذلك قد باع اللحظة بأبخس ثمن. التخرج هو النقطة التي يلتقي فيها كل ما مضى بكل ما سيأتي. هو الجسر المعلق بين ما كنت وما ستكون. عند عتبته تقف ململماً حقيبة غير مرئية فيها المعرفة درعاً، والخبرة بوصلة، والقيم زاداً لا ينفد، وأمامك الحياة الكبيرة بفرصها.

فهنيئاً لكل خريج بما نال، وبما أعطى. هنا يأتي السؤال: ما الذي ستفعله بعد ذلك بما أن طريقك الآن سالك؟