ثمة آثار نفسية عميقة تبقى راسخة في حواراتنا ومواقفنا اليومية من أناس نعرفهم ولا نعرفهم، فنغادر المكان غير ما دخلناه.

وفي علم النفس؛ هناك ما يعرف بـ«الإسقاط النفسي»، كإحدى الآليات الدفاعية، وهي أن ينسب الإنسان مشاعره أو مخاوفه أو صراعاته الداخلية إلى شخص آخر، بدلاً من الاعتراف بها أو التعامل معها داخل نفسه، وغالباً ما يحدث ذلك بصورة غير واعية، وقد يظهر في صورة اتهامات أو أحكام أو تفسيرات لا تعكس حقيقة الطرف المقابل بقدر ما تعكس العالم الداخلي للشخص الذي يتحدث.

فقد يتهم شخص غيره بعدم الإخلاص؛ بينما يعيش هو حالة من الشك وانعدام الثقة.. وقد يصف الآخر بالضعف؛ في الوقت الذي يخشى فيه مواجهة ضعفه الشخصي.. وقد ينقل الإنسان توتره أو غضبه إلى من أمامه؛ فيجد الطرف الآخر نفسه يحمل مشاعر لم تكن موجودة لديه قبل هذا اللقاء.

لكن؛ من المهم أيضاً ألا نقع في خطأ معاكس، وهو تفسير كل انفعال أو نقد نتلقاه على أنه إسقاط نفسي من الآخرين، فبعض الملاحظات قد تكون صحيحة، وبعض ردود أفعالنا قد تكشف جوانب تستحق التأمل والمراجعة. لذلك؛ يبقى الوعي والاتزان هما الفيصل.

إن امتلاك الوعي الذاتي يمنح الإنسان القدرة على التمييز بين ما ينتمي إلى عالمه الداخلي، وما قد يكون انعكاساً لصراعات الآخرين. وقبل أن نتبنى أي وصف أو حكم يوجه إلينا؛ يجدر بنا أن نتوقف قليلاً ونسأل أنفسنا: هل يعبِّر هذا عن حقيقتي، أم أنه يعكس تجربة الشخص الذي أمامي؟.

وفي زمن تتسارع فيه الحوارات وتتعدد فيه مصادر التأثير؛ تصبح المحافظة على السلام النفسي مسؤولية شخصية.

الإنسان لا يحتاج إلى أن يسمح لكل رأي أو انفعال أن يعيد تعريفه، بل يحتاج إلى مساحة من الهدوء، وإلى معرفة أعمق بذاته، حتى لا تتحول مشاعر الآخرين إلى عبء يحمله دون أن يشعر.