ونحن على مقربة من ختام الشهر الفضيل؛ لاحظنا في أيامه الدابرة حدة مشتعلة لطباع بعض الصوَّام: ضيَّقوا مساحات الخُلُق، غيَّبوا قيم التسامح، أشعلوا الاحتقان، وجوههم عابسة، نظراتهم متشائمة، شرهم يتطاير، وكأن عبادة الصيام عبء ثقيل لا رحلة تسمو بالروح. فكنا أمام مفارقة صارخة؛ جوهر صيام يهذب النفس، وواقع يغص بالخصومة واللجاج.
إن مبعث هذا الخلل؛ يعود إلى الفهم القاصر لمقصد الصوم، إذ اختزله البعض في أنه حرمان بدني فقط، وتجاهلوا أن الصيام الحقيقي منهج إصلاحي يرسِّخ لين الجانب، ويروِّض الذات على التحمل والسيطرة على الانفعالات.
رأينا مشاهد مؤسفة في الطرقات عكست هشاشة الوعي الاجتماعي، أصحابها اتخذوا العطش والجوع ذريعة لتجاوز ينتهك حقوق الآخرين، ويسلبهم حقهم في الأمن النفسي والسكينة العامة. والمقاطع المتداولة للنزاعات الحادة في الأسواق؛ نتيجة لغياب لجام النفس وضبطها، وكأن الامتناع عن الطعام أصبح مسوغاً لغلظة القول وتجهم المحيا.
علينا بوقفة جادة مع الذات لمواجهة هذا الغليان السلوكي مع كل صيام؛ رمضان أو غيره:
أولاً: برمجة العقل على أن خُلق التجاوز جزء لا يتجزأ من قبول العبادة.
ثانياً: ترسيخ مفهوم الصيام الأخلاقي، بتذكير المجتمع بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الصحيحين (فإِذا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ).
ثالثاً: تفعيل لغة الصفح في لحظات الذروة، فهو الاختبار الحقيقي لنجاح الصائم في مدرسته الرمضانية.
رابعاً: غرس قناعة بأن رمضان هو شهر السكينة لا الضغينة، وموسم لنشر التراحم لا التخاصم.
إن الصيام الذي لا يرتقي في طباع الإنسان، هو صيام جائع لم يذق حلاوة اليقين؛ فالعاقل من جعل من صومه ترفعاً بأخلاقه، وإن الحلم والهدوء وكبح جماح الهوى هي المنطلق الأول لحماية مجتمعنا من أوهام عصبية الصيام وانفلات السلوك.


