ليس كل سفر انتقالا من مكان إلى مكان، فبعض الأسفار انتقال من القلب إلى القلب، وبعضها يترك في الروح حقائب من الشوق لا تغلق، وبعضها يأخذ الضوء معه.


سافرت أم محمد، ولم يكن سفرها هروبا من حياة، ولا بحثا عن راحة، بل كان امتدادا فطريا لقلب خلق ليكون مظلة، وروح اعتادت أن تكون حضنا حين تشتد الحياة. أحد أبنائنا النابهين يقيم في مدينة غير مدينتنا، شاب طموح، أعزب، يشق طريقه في عمل مجهد، ينهض مع الفجر، ويعود مثقل الكتفين، محاطا بمتطلبات الوظيفة وضغط المسؤوليات.


وحين أقبل شهر رمضان الكريم، الشهر الذي يوقظ الحنين في القلوب، ويستدعي العائلة إلى مائدة واحدة، ويجعل الغربة أكثر وضوحا، اتفقنا أن تكون أمه بقربه، تشد من أزره، وتكون له سندا وطمأنينة، تصنع له دفء البيت في مدينة بعيدة، ليؤدي عمله وقلبه مطمئن، وروحه مسنودة بحضورها.


سافرت وبقي البيت، لكن البيوت، حين يغيب عنها من يمنحها روحها، لا تبقى كما كانت، دخلتُ الصالة بعد مغيبها بساعات، وكأن الذكرى نادتني فلبّيت دون وعي.


توقفت أمام الكرسي الذي كانت تجلس عليه؛ كرسي بسيط في شكله، عظيم في معناه. هناك كانت تبتسم، وهناك كانت تترك دفء حضورها، وهناك كانت تملأ الفراغ حياة، وتدير شؤون الأسرة بكل جدارة وصبر وحكمة.


أدركت في تلك اللحظة أن بعض الكراسي لا تصنع من خشب، بل من ذاكرة، وأن بعض الأماكن لا تحفظ شكل من جلس فيها فقط، بل تحفظ أثره وصوته وابتسامته.


انتقلت بعيني إلى غرفتها، فرأيت أشياء وأشياء مرتبة، ومنها الكرسي الآخر، والطاولة، والزاوية التي اعتادت أن تضع فيها متعلقاتها. كل شيء في مكانه إلا هي، وهنا فقط فهمت معنى أن يكون الغياب حاضرا.


الأماكن لا تتغير، لكن إحساسك بها يتغير. الجدران التي كانت صديقة بدت صامتة، والممرات أطول من المعتاد، والليل أثقل مما ينبغي.


جلست أحاول أن أقنع نفسي أن الأمر مؤقت، شهر ويمضي، ثلاثون يوما لا أكثر، لكن القلب لا يعرف الحساب، القلب يعرف فقط أن من تحب، واعتدت عليه بعيد.


في مثل هذه اللحظات، يكتشف الإنسان أن الأسرة والزواج ليسا مشاركة حياة فحسب، بل مشاركة روح، وأن الاعتياد حين يسحب فجأة يترك فراغا لا يملأ. أقاوم الشوق كي لا يفضح ضعفي، وأتظاهر بالقوة احتراما لصورتي أمام نفسي، ولولا الحياء لهاجني استعبار.


ومع ذلك، أعود فأذكّر نفسي أن سفرها ليس ابتعادا عني، بل اقتراب من ابننا المحامي النابه محمد. وهنا يتحول الحزن إلى مزيج غريب من الفخر والاشتياق. أفخر بها لأنها اختارت أن تكون حيث الحاجة.


وتتأكد لدي قناعة راسخة أن الأم حين تهتم بأبنائها، وتغرس فيهم طاعة الله، ثم بر الوالدين، وحب الوطن، والولاء للقيادة، فإنها في الحقيقة تؤسس مدرسة متكاملة لصناعة الإنسان الصالح والنافع.


كما قيل:


الأم مدرسة إذا أعددتها


أعددت شعبا طيب الأعراق


ويصدق في هذا المعنى قول الشاعر:


وينشأ ناشئ الفتيان فينا


على ما كان عوده أبوه


فالتربية الصالحة ليست كلمات تقال، بل سلوك يعاش، وقدوة ترى، ومسيرة تبنى يوما بعد يوم.


وفي منتصف الليل، حين يهدأ كل شيء، ولا يبقى في البيت سوى صوت الساعة، أرفع كفي إلى السماء وأقول:


استودع الله في الرياض لي قمرا.


يا رب احفظها بعينك التي لا تنام، ومن نحب، وألبسها ثوب العافية، وردها إلي وإلى بيتها ردا جميلا، واجعل هذا الشهر شهر قبول في الطاعات، ومغفرة للزلات، ورحمة تغمر القلوب، وشهر رجاء جميل بعودة من نحب سالمين غانمين.


تعلمتُ من هذه التجربة أن الحب الحقيقي ليس في البقاء معا دائما، بل في القبول بالغربة وبالفراق حين يكون من أجل من نحب. وأن الضوء، حين يسافر، لا ينطفئ، بل ينتقل إلى نافذة أخرى.


فبغياب أم محمد يسافر الضوء من بيتي، وبعودتها سيعود النور، وتعود الروح، ويعود كل شيء إلى مكانه الصحيح.