-A +A
فؤاد مصطفى عزب
في الوقت الذي تتهاوى فيه بعض المجلات الأسبوعية، والصحف اليومية، في شتى أنحاء العالم كجرم شارد، وقع تحت جاذبية ثقب أسود، يسير الزمان عكس ذلك لمجلات وصحف أخرى، حيث تظل قمراً ساطعاً كبيراً يفيض ضوءاً فضياً يرتفع في سماء الصحافة الأبنوسي، هذا ما تؤكده لنا كل أسبوع مجلة (نيويوركر) الأمريكية، وزميلتها مجلة (التايم)، أما لماذا اشتهرت هذه المجلات واستمرت في الانتشار، في الوقت الذي اختفى غيرها، فلأنها مجلات لا تشبه إلا نفسها، مجلات تدور بك في عوالم أخاذة، خلابة، سواء على مستوى الكتابة، أو على مستوى المواقف السياسية، والثقافية الكبرى، استمرت تواصل على مدى السنوات رحلتها الجبلية الصعبة، وبنفس الروح، والجودة، والأداء، وكفكر ريادي لرفع العقل لمستوى متقدم، ناضجة دائماً كفاكهة المواسم، كالمبتدأ مبشراً بالخبر.

وعلى الرغم من أنها مجلات أسبوعية، إلا أن موقعها الإلكتروني المتميز، يتم تحديثه يومياً أكثر من مرة، وهناك مواد يختلط فيها الجد بالهزل، ليقبض على الدهشة في العيون وليسيطر على انتباه القارئ، ويهز ركود الفكر في الأدمغة، خفة ظل مشبعة بالسخرية، لا زال مقال (حقوق الحمير) الذي كتب في عهد الرئيس بوش الابن، عالقاً في ذهني، وهو مقال تهكمي بالغ القسوة، كان الكاتب يطالب فيه الدولة بضمان حقوق الحمير وليس حقوق الإنسان، ومن بين حقوق الحمير التي ذكرها، توفير المأكل والمشرب والمأوى، وعدم تحميل الحمار فوق طاقته، وعدم إيذائه. كل شيء في هذه المجلات هو لون جديد، وطعم جديد، خيمة ضيافة أسبوعية، مخملية، وثيرة، عتيدة، راسخة، تسبق الزمان، أسلوب يخطف الأبصار، ويمتع النفوس، ويحفر في الذاكرة، وعلى الرغم من التحدي الكبير بالنسبة لهذه المجلات الأسبوعية، تحديداً من الصحف اليومية، التي لم تعد تنشر الأخبار، ومقالات الرأي فقط، بل أصبحت تهتم أيضاً بنشر المقالات المطولة، والتحقيقات الصحفية (الروبرتاج) التي تمتد أحياناً لعدة أشهر من أجل تعميق نظرتها للأمور، وتناولها للقضايا، فإذا كانت الصحيفة في نظر القارئ عادة يومية، أو القرص اليومي الساخن الذي لا مفر منه، فإن المجلة الأسبوعية اختيار وانتقاء، ولقد استطاعت (النيويوركر) و(التايم) الحفاظ على توليفة التميز، والابتكار، والتركيز على استمرار تحضر المجتمع وليس التوقف على تثقيفه، حيث إن الأولى أعم وأشمل، بينما تقتصر الثانية على الجانب الفكري والعلمي والإنساني.

وبحيث تحولت هاتان المجلتان إلى مصباح سري، يأسر القارئ، حيث يظهر علاء الدين من بين الصفحات والسطور، والجمل، لحظة فاصلة تنقل فيها القارئ من زمن إلى زمن، ومن بلد إلى بلد، دائماً تؤرخ كل أسبوع لحظة فارقة في أيام القارئ، يقول (ديفيد ريمنك) رئيس تحرير (نيويوركر) الذي تولى مهام رئاسة التحرير في ١٩٩٨م والذي يبلغ ٥٩ عاماً من العمر، «أستطيع أن أقول إن توزيع المجلة يزيد على مليون ومائتي ألف نسخة، أسبوعياً، منهم نحو مليون مشترك»، هذا وإن كان (ديفيد ريمنك) قد جعل من مجله (النيويوركر) مجلة النخبة الدسمة إذا جاز التعبير، وأصبحت منبراً ثقافياً، وأدبياً، وفكرياً، ومنطقة مشعة لرأي المثقف حول التجارب التي تخوضها البلاد، تجربة تلو الأخرى، وذلك بلغة راقية، وحروف ومفردات تتوسد الجمل، وتنبسط بوسع الفواصل والنقاط، إلا أن غلاف المجلة، مع كل عدد، يظل علامة فارقة، يدعو للتأمل والتفكير والسخرية أحياناً، ويمثل الكاريكاتير (النيويوركي) وعلى مدار السنوات، مزاج المواطن الأمريكي والواقع الذي يلاغيه، لكل ذلك استمرت، مجلة (النيويوركر) و(التايم) منتشرة على مر الأزمان ورغم الظروف التي تعصف بأجواء الصحافة، بينما اختفت مجلات وصحف كثيرة في أرجاء العالم.. مضت، كومضة..

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com