-A +A
فؤاد مصطفى عزب
ونستون تشرشل قال قولاً بليغاً عن الفرق بين المتشائم والمتفائل، حيث صور المتشائم، بأنه الرجل الذي يرى الصعوبة في كل فرصة، بينما المتفائل يرى الفرصة في كل صعوبة، عبارة في غاية الصدق والذكاء والحقيقة، فنحن البشر، من يرسم حلقه ضيقه ونضع أنفسنا فيها ونملأها نكداً وقتالاً وشقاء، نحن من نصنع أحزاننا، ثم نلوم الزمان، معظمنا يقف في حلبة مصارعة نحن من نصبناها بأيدينا واعتليناها، وجعلنا الحياة، انتصاراً وهزيمة، وكأن لاخيار لدينا غير ذلك، على الرغم من أن هناك خيارا حقيقيا آخر، وهو أن ترى الحياة بقلبك وليس بعينيك، أن ترى بواسق النخيل وقد وصلت رؤوسها إلى عطاف الطيور، نحن من يختار للنجوم سماءها، وللبحار ملحها، نحن من نتخيل أنه عند كل عتبة فرج في سلم الحياة خطوة صغيرة من الهم لابد أن نتعثر بها ونقف عندها، أو ننظر إلى هذه الحياة بعين طفلة نائمة، فنرى أحلاماً وردية مكدسة، وآمالاً زاهية متراكمة، وأفكاراً مفعمة بالأمل وإن كانت خيالاً، وعبارات مليئة بالحب وإن كانت مجازاً، وننام كل ليلة في حضن نغم، بالقلب ترى حقائق الأشياء، فالعمى الحقيقي لا يصيب الأبصار، وإنما القلوب التي نحملها، والتي فيها ما يكفينا من الزاد، إذا أردنا أن نمحو الغبار الكثيف عن مراياها، مجلة «التايم» الأمريكية، عندما أرادت الاحتفال ببداية العام المنصرم ماذا فعلت؟ بحثت عن أناس متفائلين، واحتفلت بهم في عددها، والذي كان عبارة عن كرنفال للتفاؤل والأمل، أناس ليسوا متفائلين قولاً فقط، بل فعلاً أيضاً، والتفاؤل لديهم أسلوب حياة، أناس يرون العالم من حولهم بعيون كلها أمل، أناس أيقنوا أن لكل قوي هناك من هو أقوى منه، وأن الضعف نسبي، وأن المظاهر خداعة، وأن السواعد تنبع من الروح، وإلا فلا فرق بينها وبين سواعد الضان، اختاروا الملياردير «بل جيتس» جعلوه رئيس تحرير زائراً والمشرف على مضمون ملف المتفائلين، ركزوا على البحث عن أسباب تفاؤلهم الدائم، طلبوا منه أن يسلط الضوء على تلك النماذج الإيجابية في الحياة، عندما تطلب منك مجلة عريضة، كـ«التايم» إعداد ملف تشرف عليه، مهما كانت مكانتك الاجتماعية والاقتصادية، فإن ذلك سيكون مبعث شرف وقيمة لا تضاهى، تجربة غير اعتيادية، وفكرة لا يحدها سقف، تصطاد عناصرها من الماء العذب الصافي، تنبعث منها روائح متفاوتة تتقارب لتكون عطراً دافقاً بالتفاؤل، الصدق الشعوري الذي نقله ذلك العدد في أول العام الميلادي، كان محاولة لتمزيق كل الأقنعة وتكسير كل الغرابيل التي تغطي الشمس، كان عدداً مميزاً، وربيعاً جديداً لعام جديد، وبحلة جديدة مختلفة، انتشرت قطرات الندى على الصفحات مثل حبات اللؤلؤ والعسجد، ومن فاته عدد كهذا، كأنما نسي طفولته برمتها ولم يعد منها شيئا، العدد اشتمل على سبيل المثال لا الحصر، على الفتاة الباكستانية «ملالا» ورجل الأعمال الأمريكي «وارن بفت» والمدرسة الأمريكية «كاميلا جونز» يذكر العدد أنه في عام ١٩٩٠م كان أكثر من ثلث سكان الأرض يعيشون في حالة الفقر الشديد، اليوم فقط عشر سكان الأرض يعيشون في هذه الحالة ذاتها، كما أن ٩٠% من أطفال العالم اليوم يذهبون إلى المدارس ويحضرون فصول التعليم الابتدائي، ولا ينسى العدد الإشارة إلى أن ينبه العالم، إلى أن عدد الأطفال الذين كانوا يموتون في السابق قبل الوصول إلى سن الخامسة من عمرهم انخفض إلى النصف، يقول الشاعر الأمريكي «ويتمان» في قصيدته الغريب أيها الغريب.. يا عابر السبيل.. إذا مررت بي.. وكنت تريد أن تتحدث معي.. فلماذا لا تفعل؟ أنا أريد أن أتحدث معك.. أتحدث معك عن الأمل.. ونوافذ مفتوحة..تطل على الشمس! وأنا في أول هذا العام، أرجو من معشر الكتاب أن يتحدثوا عن الأمل والتفاؤل أكثر، فمتعتي ومتعة القراء ليس أن نحيا حياتنا.. بل أن نحلم بحياة أمتع!! متعتي أن أقرأكم تبيعوا البهجة على رصيف الأحلام مهما كان حجم الضوء، الكاتب الأمريكي الساخر«ارت بوكوالر» مشعل سديري كنساس سيتي كتب يوما «لقد تم وضعي على هذه الأرض كي أدفع الناس للضحك والفرح، إذا استطعت أن تضحك الناس ستحصل منهم على كل الحب الذي تريده» وكان عاموده الأخير والذي نشر بعد موته في المستشفى بيومين يحتوي على هذا النص «سواء الزمن الذي نعيشه، هو أفضل زمن، أو أسوأ زمن، هو الزمن الوحيد المتوفر لدينا» واختتم «ليس في استطاعتك أن تبتكر أي شيء، العالم نفسه صار مسخرة مبتكرة، كل ما نفعله هو أن نقوم بتسجيل ما نراه ونعيشه» نصوص تخطت حاجز الزمن وانتقلت لزمن يتبع حياة من كتبها، لأنها نصوص تطارد الأمل وتبحث عن النور، إنها الأحلام الجميلة التي يستيقظ منها النائم على وقع كلمات وجمل متناهية الشوق، لتحقيق الحلم الجائش بالتوق إلى الفرح والأمل والتفاؤل والسعادة، تظل محلقة في الأثير، مثل الساحر الذي يخرج حمائم بيضاء من هنا وهناك متى أراد!

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com