-A +A
ملفي الرشيدي
لا أعلم إذا ما كان هناك أمة قد تناقلت كمية هائلة مغلوطة من المعلومات أكثر منا، ولا أظن أن هناك شعوبا أكثر منا قد أدمنت التعامل مع مفردات مثل «إعادة توجيه، إعادة تغريد، انسخ والصق،...» في كافة وسائل التواصل الاجتماعي بدءاً من طيبة الذكر - المنتديات، مروراً بالواتس آب وتويتر، إلى أن يشاء الله. بالطبع كل هذا غير مصطلح «انشر تؤجر» الذي لا ينازعنا عليه أحد ولا ينافسنا من دونه لا جان ولا بشر، والذي تم ويتم استخدامه غالباً بشكل انتقائي وسلبي بشكل كبير. يؤمن الكثير منا أن العقل البشري مُستهدَف في عصر الإنترنت وخصوصا من وسائل التواصل الاجتماعي العديدة والمتنوعة والمتوفرة التي تأتي إليك قبل أن تذهب إليها. هذا العقل الذي -من حُسن حظه وربما من سوئه- يغرف من خزانات ضخمة جداً من المعارف والحقائق والبيانات والخرافات والشائعات وبالتالي وقع في شراك ما يُسمى بفرط المعلومات. ولكن مثلما أن المعارف والمهارات (الإيجابية) ترتقي بالعقل وتسمو بالفكر، فإن الخرافات والشائعات تفتك بهما وتُوهن التفكير وبالتالي طرد الأفكار الجيدة في نهاية المطاف.

وإذا أخذنا تطبيق الواتس المشهور مثالاً، فإنه في خِضّم الصراعات الفكرية والنزاعات السياسية والاجتماعية، نجد أنه أصبح ملاذاً للحركيين ومسرحاً للناقمين يحركون به أدواتهم وأتباعهم، مستفيدين من طبيعة التطبيق لتمرير المُغالطات ورمي الأفكار الرديئة وإعادة تدوير الشائعات المغرضة القائمة على تجهيل وتحريش وتجييش العامة أو توجيهها لفئة محددة. لا شك أن مُطاردة الشائعة عملية منهكة جداً للإنسان وضارة للعقل البشري، ولهذا أعتقد أن القارئ الفطن يعي أنه: «عندما تطاردنا الشائعة فهذا قد يكون ابتلاء، ولكن عندما نقوم نحن بمطاردة الشائعات والبحث عنها فهذا هو الغباء بعينه ابتداءً، وقد يكون الخطر بذاته انتهاءً». لا خلاف أن انتشار الشائعات هو نتيجة مباشرة لاضمحلال الوعي الفردي والمجتمعي، وفي الوقت نفسه سبب له كذلك، وهي أكثر الأدوات التي يُراهن عليها الأعداء والخصوم سواء على مستوى الفرد أو المجتمع في تشتيت الأفكار وتشويه الآراء وهز الثقة بمُسلَّمات مجتمعية ووطنية وتأصيل صور نمطية سلبية لأجل أن تستقر في العقل الباطن للمتلقي.

لعلي هنا أذكر نقطة مهمة ومثالا واقعيا حول الوعي والاستخدام الجيد لوسائل التواصل الاجتماعي؛ النقطة متعلقة بالدور الكبير و(الحقيقي) الذي يجب أن تلعبه مؤسسات التعليم العالي في استزراع الفكر لدى طلبتها؛ فالمدة الزمنية التي يقضيها الطالب في الجامعة وقبل ذلك التوقيت العمري الحرج في تجهيز عقل الطالب نفسه بالأدوات السليمة والمهارات اللازمة للتفكير، تذهب جميعها إلى نتيجة مفادها أن هناك هدراً ضخماً وفرصاً ضائعة في تشكيل وعي مجتمعي في هذه الفترة العمرية الحرجة لعدد هائل من البشر في مؤسسات التعليم العالي. أما المثال فهو يحمل طرافة وأداة حقيقية لتشكيل الوعي حول موضوع أو بلد معين من خلال متابعة ورصد المعلومات وتصحيح المغلوط منها بشكل مهني وتفصيلي ومُهذَّب. هنا -عزيزي القارئ- أتحدث عن حسابَي دولة السويد ودولة النرويج في تويتر، اللذين يتابعان المعلومات ويرصدان النقاشات الدائرة باللغة العربية، ويقومان بتقديم معلومات واضحة حيالها بشكل أكسبهما شعبية وثقة ومصداقية لدى المغردين. ذكرت أنه يحمل طرافة لأن بداية الحسابين كانت ردة فعل لشائعات منشورة وآراء مغلوطة عن تلك الدول قام بتسويقها بعض من أبناء جلدتنا، وهم على كل حال يقومون به بشكل متكرر في قضايانا المجتمعية ويُجابهون من وقت وآخر بردود كاشفة، ولكنهم سرعان ما يهربون إلى وسائل تواصل اجتماعية أكثر انتقائية وبالتالي أكثر هشاشة واحتمالية أكبر للاستفراد بعقل المُتلقي.

يقول ستيفن كوفي «كل إنسان لديه أربع مَلَكات أو هبات: الوعي، الضمير، الإرادة المستقلة والخيال الخلَّاق».. لكن عندما يتحول الإنسان إلى مُجرَّد آلة تدوير ذاتية لما يصله من الآخرين أو يصنعها كما يُقال بالعامية (من كيسه) فإنه حتماً سيفقد أغلب هذه الملكات الأربع - إن لم يكن قد فقدها بالفعل كلها.

* كاتب سعودي

Dr__Melfi@