تخيّل سعوديين في مجلس واحد يتابعان خبراً عن تهديد لبلادهما، يطمئن كل منهما على أهله ثم يختلفان في قراءة الموقف، أحدهما يرى في التحرك الدبلوماسي فرصة لوقف الخطر، والآخر يخشى أن يمنح المعتدي وقتاً، وقبل أن تبرد القهوة يقول أحدهما لصاحبه: «أنت لا تحب بلدك»، كانا يسألان عن سلامة أهلهما فإذا أحدهما يطالب الآخر بإثبات وطنيته.
الخلاف هنا مفهوم، أما الاتهام فهو المعركة التي أكتب عنها، فالوطنية ليست وجهة نظر وهذا ما لا أتراجع عنه، لكن تقدير الوسيلة وجهة نظر، ومن يخلط بينهما يرفع خلافاً في التوقع إلى مرتبة الخيانة، السعودي الذي يرجو نجاح الدبلوماسية يريد أن تنام أسرته آمنة، والسعودي الذي يطالب بالحزم يريد أن تنام أسرته آمنة أيضاً، فالغاية واحدة والاختلاف على الطريق لا يمنح أحدهما مقعد الممتحن ولا يجعل الآخر متهماً ينتظر النتيجة.
والدولة نفسها لم تجعل الخيارين معسكرين، ففي جلسة مجلس الوزراء في الثالث من نوفمبر، جاء تأكيد المساعي الدبلوماسية السعودية لترسيخ الأمن الإقليمي، مقروناً بالحزم في الدفاع عن الوطن وسيادته، موقف واحد يجمع السعي إلى الاستقرار والاستعداد لرد الاعتداء، فلماذا نقسم في نقاشاتنا ما جمعته الدولة في موقف واحد؟ ولماذا يصبح تأييد وسيلة اتهاماً لمن يرى فائدة في الأخرى، مع أن كلتيهما قد تخدم الغاية نفسها في التوقيت المناسب؟
قد تتغير الوسيلة لأن المعطيات تغيرت ويبقى المقصد ثابتاً، والمسؤول عن النتيجة وكلفتها وتبعاتها هو الدولة، أما ما يصلنا من الأخبار فجزء من مشهد أوسع، والثقة بقيادتنا تظهر هنا في قدرتنا على فهم حدود ما نعرفه، فلا نحول توقعاتنا إلى التزامات نطالب الدولة بالوفاء بها، ثم نغضب من مواطن آخر، لأنه لم يتبنَّ التوقع نفسه.
ثم من منح أحدنا سلطة الحكم على ما في قلب الآخر؟ في حديث أسامة بن زيد، رضي الله عنهما، أنه قتل رجلاً بعدما قال «لا إله إلا الله»، واعتذر بأنه قالها خوفاً من السلاح، فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «أفلا شققت عن قلبه»، والحديث في صحيح مسلم، وفيه إنكار الحكم على السريرة حتى في ساحة القتال، فبأي حق نجزم بما في قلب مواطن بسبب اختلاف في تقدير موقف؟
ولأن ترك الحكم على السرائر لا يعفي من مسؤولية التثبت، جاء التوجيه القرآني في أخبار الأمن والخوف واضحاً: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾، ثم بيّن المرجع: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾، فالسؤال يبحث عن الحقيقة والإذاعة تنقل أثراً إلى الناس، وبينهما مسؤولية لا تسقط بحسن النية.
قد يصل مقطع إلى مجموعة عائلية فيضيف ناقله تعليقاً أكثر إثارة من المقطع نفسه، ثم يتلقاه آخر بوصفه معلومة مؤكدة، وخلال دقائق يصبح التخمين أساساً لمشاعر وأحكام وخصومات، لذلك لا تكفي عبارة «وصلني»، لإعفاء صاحبها من أثر ما أعاد نشره، وانتظار البيان يمنح الحكم أساساً أوضح، أما ملء المسافة بين الحدث و المعلومة بروايات متعجلة، فيزيد الارتباك الذي ندّعي أننا نحاول إزالته.
والأب القلق على ابنه والأم التي أخافها تسجيل متداول يحتاجان إلى من يحترم خوفهما ويعيدهما إلى المعلومة الموثوقة، السخرية لا تصحح خبراً والاتهام لا يطمئن أسرة، وحين نحرج من صدّق معلومة خاطئة قد ندفعه إلى الدفاع عنها حفاظاً على كرامته، بينما يفتح التصحيح المنصف له طريق الرجوع، وهنا يصبح احترام الإنسان وسيلة لحماية الحقيقة نفسها.
ومواجهة جهة معتدية لا تمنحنا مبرراً لاستدعاء حساسيات المناطق والقبائل والمذاهب بيننا، فالاعتداء يُنسب إلى فاعله والمسؤولية تُحدد بالفعل والدليل، وشراكتنا في الوطن أوسع من خلاف على تعليق، حين يتسع الاتهام من عبارة إلى صاحبها ثم إلى جماعة كاملة، نكون قد صنعنا خصومة داخلية من مادة لم تكن تستحق أكثر من سؤال أو تصحيح، وحين يتحول تهديد خارجي إلى شك متبادل بين المواطنين، نكون قد نقلنا المعركة إلى داخلنا ومنحنا المعتدي مكسباً من خلافنا.
واحترام الاختلاف لا يحمي من يبرر الاعتداء أو يتعمد التضليل من النقد، لكن النقد يتناول القول ودليله ولا يمنح أحداً سلطة الحكم على السرائر أو تقرير المسؤولية التي تختص بها الجهات المعنية، بهذا المعيار نستطيع أن نكون حازمين تجاه الإساءة ومنصفين تجاه الناس، وأن نصحح الخطأ دون اختراع اتهام أكبر منه.
ولا تختصر الوطنية في ما يقال عن الأحداث، فالجندي في موقعه والطبيبة في مستشفاها والمعلم في فصله يشتركون في حماية انتظام الحياة، استمرار العمل بإتقان جزء من قدرة البلد على مواجهة الضغوط، ومن يؤدي مسؤوليته بصمت لا يحتاج إلى شهادة من نقاش محتدم، كما أن اختلاف المواطنين في التعبير عن قلقهم أو ثقتهم لا يختزل حقيقة ارتباطهم ببلادهم.
قد تحمل الأيام المقبلة تصعيداً أو انفراجاً، لكن علاقتنا ببعضنا لا يجوز أن ترتفع وتنخفض مع كل عنوان، هذه بلاد تقف خلف قيادتها صفاً واحداً والصف الواحد يتسع لاختلاف التقدير في التفاصيل، نراجع آراءنا حين تتغير المعطيات ونحفظ لبعضنا مكانه في الوطن، فكلما اتسعت الثقة بين أبنائه ضاقت المساحة التي يدخل منها التحريض والتضليل.
نقطة آخر السطر:
لا تجعلوا من يختلف معكم في تقدير ما يحمي الوطن مضطراً إلى إثبات أنه وطني.


