ما إن تقع حادثة، أو تبرز قضية، حتى يأتيك السؤال: ما رأيك؟ وقد لا يمنحك السائل وقتًا لتفهم، ولا مساحة لتقول: لا أعرف. يريد موقفًا جاهزًا، واضح الانحياز، صالحًا للتداول. كأن الإنسان مطالب بأن يحمل في جيبه إجابات عن العالم، وكأن التريث نقص، والاعتراف بحدود المعرفة فضيحة!


لكن، من الذي ينتظر الناس رأيه فعلًا؟ صاحب المعرفة أم صاحب الشهرة؟ من عايش القضية أم من أحسن تقديم نفسه؟ ثمة فرق بين أن يُطلب رأيك لأن لديك ما تضيفه، وأن يُستدرج صوتك ليزيد عدد الواقفين في أحد الصفين. وقد يكون السؤال اختبارًا لولائك؛ فلا يرضي السائل أنك فكرت، وإنما أنك انتهيت إلى ما يريد.


بعضنا مفتون بأن يكون له رأي في كل شيء؛ في الاقتصاد والسياسة والثقافة والتربية، وحتى حفرة الشارع تصبح مناسبة لشرح رؤيته في الإدارة والتخطيط! وليس العيب في اهتمامه؛ فمن حقه أن يناقش ما يمس حياته. المشكلة حين يمنح انطباعه العابر سلطة المعرفة، ويعامل احتمال الخطأ كأنه إهانة شخصية، ثم يغضب ممن يطالبه بدليل.


ولماذا رفعت كلمة صاحبها، وأودت أخرى بقائلها إلى التهلكة؟ ليست المسألة دائمًا في صواب الرأي وخطئه؛ فثمة رأي صادق يدفع صاحبه ثمنه، وآخر رديء يجد من يكافئه. لكن الكلمة تُوزن أيضًا بمقصدها وعدالتها وتوقيتها وأثرها. قد تفتح باب إصلاح، وقد تشوّه إنسانًا، أو تؤجج خصومة، أو تمنح الجهل ثقة لا يستحقها. وحسن النية لا يلغي مسؤولية الأثر.


لهذا، لا أرى الاستجابة لكل ضغط فضيلة. من حقي أن أقول: لم تتضح لي الصورة، أو أحتاج إلى سماع الطرف الآخر. ولي أن أحتفظ برأيي حين لا أجد في إعلانه فائدة. غير أن الصمت يستحق مساءلة صاحبه أيضًا: هل أتريث طلبًا للعدل، أم أختبئ من مسؤولية تخصني؟ فالسكوت عن ظلم أشهده يختلف عن الامتناع عن تحليل قضية لا أفهمها.


أما المنصات، فقد وسعت فرص التعبير، وأوصلت أصواتًا وخبرات كانت بعيدة عن الجمهور. لكنها وضعت الرأي أمام إغراء السرعة والانتشار؛ فصار بعضنا يفكر في وقع عبارته قبل دقتها، وفي عدد المتفاعلين معها قبل أثرها. وقد تضيع الفكرة المتأنية وسط عبارات غاضبة تختصر قضية معقدة في اتهام.


وهنا يُختبر احترامنا للاختلاف. يسهل أن نحتفي به بين المتفقين، لكن ماذا نفعل حين يمس رأي آخر قناعة عزيزة علينا؟ هل نناقش حجته، أم نفتش في نيات صاحبه؟ وهل نترك له فرصة المراجعة، أم نحبسه في عبارة قديمة ونعاقبه كلما تعلم؟


نحتاج إلى تربية تعيد للكلمة وزنها: نسأل قبل أن نحكم، ونميز بين المعلومة والانطباع، ونصحح أخطاءنا بالوضوح نفسه الذي أعلناها به. ونحتاج إلى شجاعة الاعتذار عن الخوض فيما نجهله، وشجاعة الكلام حين تكون لدينا معرفة وشهادة ومسؤولية.


لا يلزم أن يكون لي رأي في كل شيء. يلزمني، حين أتكلم، أن أعرف قدر ما أعرف، وأن أتذكر أن وراء القضايا بشرًا ستصل إليهم كلماتي. وقبل سؤال: «ما رأيك؟»، يجدر بي أن أسأل نفسي: ما الذي سأضيفه إن تكلمت؟