خلال الأيام القليلة الماضية تواترت الأخبار القادمة من واشنطن، والتي حملت عطايا لروسيا لم تتوقف عند الإعفاء من رسوم وتعرفة جمركية تبلغ 500%، بل أضيف لذلك اتفاق لشراء الديزل الروسي، كأحد أهم عوامل تخفيف الضغط على أسعار الطاقة، وتعويض ما تأثر من اضطرابات إمدادات الطاقة في منطقة الخليج العربي.
وبالتزامن زار وزير خارجية روسيا المخضرم سيرغي لافروف البحرين وحضر اجتماع وزراء الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي، قبل أن يغادر لطهران ويلتقي بنظيره الإيراني عباس عراقجي، وحرص الإيرانيون على أن يشيروا إلى أن علاقاتهم مع الروس في مستوى متميز وغير مسبوق، وفي السياسة كثير من المدح يكون ضمن الدبلوماسية الوقائية خاصة وقت المفاوضات.
طبعا تباينت الآراء التي ترى تغيّراً براغماتياً في الموقف الروسي، وتفاوتت بين من يرى أن روسيا باعت إيران إلى من يرى أنها بدأت في التخلي عنها وتركها لمصيرها، خاصة إذا ما أضفنا لزيارة لافروف، زيارة قائد الجيش الباكستاني في اليوم التالي عاصم منير ولقاءه بأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، وحرص الأخير على تصريحات متزامنة ارتبطت برفض إخراج النووي المخصب من إيران، وهو عادة الملف الذي يقبل الغرب أن يوكل لموسكو، كما قبل مسبقا أوباما أن يقوم الروس بإخراج المواد الكيميائية من سوريا.
وبالحديث عن سوريا ربما يسهم الملف السوري في فهم العلاقة بين طهران وموسكو أكثر، ففي سبتمبر 2015 حين دخلت القوات الروسية، بدا المشهد تحالفاً متماسكاً: الطيران الروسي في الجو، والحرس الثوري وحلفاؤه على الأرض، والهدف المعلن إنقاذ نظام الأسد. لكن خلف هذا التنسيق كانت هناك أجندتان مختلفتان، أرادت روسيا دولة سورية قابلة للتفاوض، وقاعدتين على المتوسط، أو كما يسمونه الروس الوصول للمياه الدافئة، ومقعداً في ترتيبات مستقبل دمشق، وأرادت إيران ممراً برياً يصل طهران ببيروت، وعمقاً دفاعياً متقدماً في مواجهة إسرائيل.
ظهر هذا الافتراق مبكراً في العلاقة الروسية الإسرائيلية. ففي العام نفسه للتدخل، أنشأت إسرائيل وروسيا آلية لمنع الاشتباك بين قواتهما الجوية، بينما كانت إسرائيل تضرب بانتظام أهدافاً للحكومة السورية وحزب الله وأهدافاً إيرانية. وكانت النتيجة العملية أن القوات الروسية في سوريا كانت تغض الطرف عن الغارات الإسرائيلية، رغم وجود منظومات S-300 وS-400 في حميميم وطرطوس.
كما أن الخلافات بين روسيا وإسرائيل لم تكن يوماً حول التواجد الإيراني، بل حول تنسيق الجهود حتى لا يسقط أي من الطرفين طيارة للآخر، وحتى بعد أن بدأت معارك روسيا في أوكرانيا 2022 وتوتر العلاقات، خرج سفير موسكو في إسرائيل للثناء على آلية التنسيق في سوريا وضرورة إبقائها، وبالتالي يتضح أن الذهنية الروسية لم تكن تنظر للوجود في سوريا كمؤازرة محضة لحليف إيراني، بل رأت وجود إيران ضعيفة هناك يمثل نفوذا روسيا أكبر.
وربما نتذكر قبل قمة هلسنكي في 2018 حين ظهر للمرة الأولى صفقة مقايضة أوكرانيا مقابل النفوذ الإيراني في سوريا، وكانت تنص على تخفيف العقوبات على روسيا بعد سيطرتها على القرم في 2014، مقابل خروج إيران من سوريا، والذي رأى لافروف عدم واقعيته وعرض إبعاد إيران 85 كلم عن الحدود الإسرائيلية.
وهذا يأخذنا إلى السيناريو الأرجح وهو صفقة جزئية، مُنحت فيها روسيا الكثير من الدعم لاقتصادها وصفقة الديزل، وضغط سياسي من الإدارة الأمريكية على الرئيس الأوكراني زيلينسكي، وأوكرانيا بالطبع جائزة كبرى لبوتين، في مقابل ضغط روسي على إيران للقبول بالصفقة أو التخلي عن إعطائها العديد من المعلومات الاستخبارية، والأخطر إيرانياً ما يحويه عرض القمة الثلاثية بين واشنطن وموسكو ولكن الجديد سيكون دعوة بكين، والتي بلا شك تضررت من إغلاق هرمز وارتفاع الأسعار والاضطراب في إمدادات الطاقة.
حادثة من التاريخ من الجيد تذكرها في ظل تصريحات «رضائي» المتعنتة، وهو ما ترويه السفيرة ويندي شيرمان والتي كانت كبيرة المفاوضين مع الوفد الإيراني في اتفاق (5+1)، وذلك حين طفح الكيل من لافروف وانفعل في وجه جواد ظريف، بسبب استمرار الوفد الإيراني في المماطلة واستخدام تكتيكات تفاوضية حتى في الملفات التي حُسمت، وحين هم الوزير ظريف بالمغادرة حاول وزير الخارجية جون كيري منعه بعكازه حيث كان مصاباً في قدمه حينها.
تشير السيدة شيرمان إلى أن هذه الغضبة كانت مفيدة جداً، وأوضحت لظريف بما لا يدع مجالاً للشك أن كافة الأطراف الدولية موحدة، ولا مجال لمناورات الثعالب، وهذه اللغة يفهمها جيداً الإيرانيون خاصة في الغرف المغلقة.


