لم تعد الطوابير الطويلة أمام المقاهي والمطاعم والمتاجر مجرد مشهد عابر في المدن الكبرى، بل أصبحت تعبيرًا عن ظاهرة اجتماعية تتسع في العالم. مشروب يتحوّل فجأة إلى هوس جماعي، ومقهى تتزاحم أمامه الحشود، ومطعم يصبح وجهة لا بسبب جودة ما يقدّمه بالضرورة، وإنما لأنه تصدّر منصات التواصل الاجتماعي. إنها ثقافة «الترند» التي باتت تعيد تشكيل أذواق الناس واختياراتهم، بل وطريقة عيشهم.

لن نصف ما يحدث بأنه «زمن التفاهة»، فذلك حكم متعجل على تحوّلات اجتماعية تستحق فهمًا أعمق. نحن أمام ظاهرة عصر جديد، تتداخل فيه التكنولوجيا مع علم النفس والاجتماع والاقتصاد، وتتحوّل فيه الرغبات الفردية إلى سلوك جماعي تصنعه الخوارزميات وتغذيه الرغبة في الانتماء والظهور.

لقد أصبحت الخوارزميات أكثر قدرة على اصطياد انتباه الإنسان، واستنزاف وقته، وتوجيه خياراته دون أن يشعر. وهي لا تكتفي باقتراح ما يشاهده، بل تسهم في تحديد ما يأكله، وأين يذهب، وماذا يشتري، وكيف يقضي يومه. والأخطر أنها تربط بصورة غير مباشرة بين الشهرة والتقدير الذاتي، حتى يصبح رضا الإنسان عن نفسه مرهونًا بمقدار حضوره في العالم الافتراضي.

وهنا تكمن المفارقة؛ فالإنسان الذي يبحث عن السعادة في محاكاة حياة الآخرين قد يبتعد تدريجيًا عن رغباته الحقيقية، ويصبح أسيرًا لحياة متخيلة يعتقد أنها أكثر جمالًا من حياته الواقعية.

تاريخيًا، كانت الولايات المتحدة القوة الأبرز في صناعة الدعاية والتسويق وتصدير أنماط الحياة. فقد نجحت الثقافة الاستهلاكية الأمريكية في التأثير على العالم، من عادات الإفطار وأنواع الطعام إلى الأزياء والترفيه وإيقاع الحياة اليومية. لكننا اليوم نشهد تحوّلًا لافتًا؛ إذ لم تعد الشركات والمؤسسات الإعلامية وحدها تصنع الذوق العام، بل أصبح أفراد يمتلكون ملايين المتابعين قادرين على تحريك الأسواق وتوجيه السلوك الاستهلاكي وصناعة أولويات جيل كامل.

وفي علم الاجتماع، يمكن قراءة هذه الظاهرة من خلال مفهوم «المحاكاة الاجتماعية»، حيث يميل الأفراد إلى تقليد سلوك الجماعة بحثًا عن القبول والانتماء. كما يفسر عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو جانبًا من الاستهلاك بوصفه وسيلة للتمايز الاجتماعي وإظهار المكانة، وهي أفكار تكتسب أبعادًا جديدة في زمن المنصات الرقمية.

ليست المشكلة في تجربة مقهى جديد، أو متابعة موضة عابرة، أو الاستمتاع بما يفضله الآخرون. المشكلة تبدأ عندما يفقد الإنسان استقلال ذوقه، ويتحوّل من صاحب قرار إلى تابع لما تقرره الشاشات.

ولهذا فإن رفع الوعي الثقافي والنقدي أصبح ضرورة اجتماعية، لا لمقاومة العصر أو رفض مظاهره، وإنما لاستعادة التوازن بين ما نريده فعلًا وما يُراد لنا أن نريده. فأخطر ما تفعله ثقافة «الترند» ليس أنها تجعل الناس يتشابهون في أذواقهم، بل لأنها قد تجعلهم يعتقدون أن اختيارات الآخرين هي اختياراتهم الشخصية.