شكّلت أزمة الطاقة في إيران قبيل نجاح الثورة الخمينية العام 1978م، أهم مسار في طريق انهيار نظام الشاه، لقد توقف أكثر من 37 ألف عامل عن العمل في إنتاج الطاقة، فتحوّلت البلاد إلى مجرد كتلة حجرية صامتة بلا حياة.

كانت طوابير السيارات الأمريكية الفارهة التي كان يقتنيها الإيرانيون قبل الثورة تمتد لمئات الأمتار في معظم المدن الإيرانية، واضطر الكثير منهم لتركها عند المحطات التي كانت مغلقة.

وأدت الاضطرابات الحادة في قطاع النفط نتيجة الإضرابات العمالية الواسعة إلى تراجع إنتاج النفط الإيراني وهبط من نحو 6 ملايين برميل يومياً إلى حدود مليون ونصف، كانت إيران تترنح بالفعل، فالإيرادات العامة تنهار، والحياة داخل البلاد متوقفة.

وأدى امتناع العمال إلى انقطاع التيار الكهربائي، وتعطل أجهزة التدفئة في البيوت، وتراكم المرضى في المستشفيات، وانهيار الحركة التجارية، وتوقفت المخابز عن الإنتاج، الأمر الذي دفع الملايين للخروج إلى الشوارع والاصطدام بقوات الأمن.

لقد استطاع الخميني وهو في ضاحيته الباريسية السيطرة على البلاد وشل حركتها بعدة شرائط أرسلها للعمال يحرضهم فيها بالتوقف عن العمل.

وفي محاولة يائسة حاول الجيش والبحرية الإيرانية إدارة منشآت النفط، وتشغيل محطات التكرير، لكن ذلك لم يحصل، لقد انهار كل شيء سريعاً، وأفلحت خطة خنق نظام الشاه التي قام بها الخميني، وتغافل أو لربما ساعد فيها الغرب، ليسقط نظام الشاه محمد رضا بهلوي.

صحيح أن أزمة الوقود قبل الثورة الإيرانية ارتبطت بمغادرة الخبراء والشركات الأجنبية، إلا أن توقف العمال الإيرانيين كان العامل الأهم فقد رفضوا الخروج للعمل وبقوا في بيوتهم.

لقد سقط النظام مع توقف أول محطة عن العمل، وحتى قبل مغادرة الشاه بأشهر.

اليوم تتكرر نفس المشاهد فطوابير السيارات الإيرانية -رخيصة الثمن- تقف في صفوف طويلة في انتظار ملء خزاناتها بالوقود، لكن الكلمة الوحيدة التي يسمعونها هي: لقد نفد «البانزين»، ليس لأن العمال توقفوا عن العمل كما حصل قبل خمسة عقود، بل لأن محطات الإمداد ضربت وأصبحت مجرد ركام.

وفي سعي الحكومة الإيرانية -الحالية- لحل الانهيار المتواصل لإمدادات الطاقة لجأت إلى إجراءات تقنين قاسية وسريعة، فارضة إغلاقات متكررة للبلاد تشمل المدارس والجامعات والمكاتب الحكومية لترشيد استهلاك الطاقة، بجانب تشغيل متقطع للتيار الكهربائي، ونقل الوقود من المدن الصغيرة لتأمين العاصمة طهران وتجنّب إغلاق محطاتها.

مشكلة إيران ليست وليدة تداعيات الحرب، ولا بسبب إغلاق مضيق هرمز، ولا إصابة محطات الطاقة فقط، بل هي أعمق وأقدم بكثير، فالنظام الإيراني فضّل تسخير إمدادات الطاقة للمجهود العسكري والتصنيع الحربي، كما حوّل موارده من الكهرباء لخدمة أنشطة موازية (مثل معامل تعدين العملات المشفرة للحرس الثوري للالتفاف على العقوبات)، وتوجيه القدرات المالية لتغذية الأذرع والاستثمار في الصراعات الإقليمية، على حساب صيانة وتجديد البنية التحتية المحلية المتهالكة.

لعلّ السؤال الأهم الذي يمكن طرحه بعد هذه المقاربة بين المرحلتين: هل ستدفع طوابير السيارات وتوقف محطات الكهرباء، وتعثر الخدمات الصحية، وعدم توفر الغذاء والخبز، إلى خروج ملايين الإيرانيين إلى الشوارع كما فعل آباؤهم في العام 1978م، على إثر أزمة الوقود؟ وهل يمكن لنا أن نقول ما أشبه الليلة بالبارحة؟ ولعل الفرق الوحيد بينهما أن تلك الثورة كانت عقائدية هيأها تواطؤ غربي، واليوم ربما تكون الثورة معيشية يحرّض عليها الغرب، لكنه سيتركها في منتصف الطرق كما فعل دائماً.