أغلى ما تملكه بعض أكبر شركات العالم لا يُرى ولا يُلمس. قد يكون براءة اختراع، أو علامة تجارية، أو برنامجاً، أو تصميماً، أو معرفة تراكمت حتى أصبحت تساوي مليارات. ولهذا لم تعد ثروة الدول تُقاس فقط بما تستخرجه من أرضها أو تبنيه فوقها؛ فالاقتصاد الحديث أضاف إلى مفهوم الثروة أصلاً جديداً: ما ينتجه العقل، ثم تستطيع الدولة حمايته وتحويله إلى قيمة.

ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة موافقة مجلس الوزراء على السياسة الوطنية للملكية الفكرية. فالقرار ليس مجرد إضافة تنظيمية إلى منظومة قائمة، ولا إجراء جديداً لتسجيل براءة أو حماية علامة؛ بل خطوة في بناء اقتصاد يعرف كيف ينقل الملكية الفكرية من دائرة الحماية القانونية إلى دائرة القيمة الاقتصادية.

وللدقة، المملكة لديها بالفعل إستراتيجية وطنية للملكية الفكرية، أما استحداث السياسة الوطنية فيضيف إطاراً أكثر شمولاً واتساقاً للمبادئ والتوجهات التي تحكم المنظومة، من توليد الملكية الفكرية وإدارتها وحمايتها وإنفاذها، وصولاً إلى استغلالها تجارياً. وهنا تظهر السعودية مرة أخرى كدولة لا تنتظر اكتمال الاقتصاد الجديد حتى تبني أدواته؛ بل تستحدث الأطر والسياسات بالتوازي معه، وتمنحه بيئة أكثر نضجاً للحماية والاستثمار.

وهذا فارق مهم. ففي المفهوم التقليدي تنتهي القصة تقريباً عندما يحصل المخترع على براءته أو تسجل المنشأة علامتها. أما في الاقتصاد المعرفي فهنا تبدأ القصة: ماذا سيفعل صاحب البراءة بها؟ هل يرخصها؟ هل تتحول إلى منتج؟ هل تستطيع الجامعة نقل اختراع من المختبر إلى السوق؟ وهل تدرك المنشأة أن علامتها التجارية قد تكون من أثمن أصولها، ويمكن استثمارها وترخيصها وبيعها؟

ومن هنا تأتي القيمة الاقتصادية الحقيقية للسياسة الجديدة. فالمبتكر يحتاج إلى الحماية، لكنه يحتاج بعدها إلى السوق. والجامعة تحتاج إلى البحث، لكنها تحتاج كذلك إلى مسار يحول البحث إلى تقنية قابلة للاستثمار. والمستثمر، قبل أن يضع أمواله في شركة تقنية، يريد أن يعرف: من يملك الاختراع؟ وهل الحقوق مسجلة؟ وهل يمكن إنفاذها؟ وهل يستطيع الاستثمار فيها أو نقلها أو ترخيصها؟ لذلك لم تعد الملكية الفكرية شأناً يخص المحامين والمخترعين وحدهم؛ بل أصبحت جزءاً من بيئة الاستثمار وقدرة الاقتصاد على جذب التقنية ورأس المال والمعرفة.

والأرقام السعودية تقول إن الأرضية تتسع بالفعل. ففي عام 2025 استقبلت الهيئة السعودية للملكية الفكرية أكثر من 10 آلاف طلب براءة اختراع، بنمو بلغ 28%، فيما قفزت طلبات البراءات المقدمة من الأفراد السعوديين بنسبة 96%. وهذه ليست مجرد معاملات تسجيل؛ بل مؤشر على اتساع قاعدة من يفكرون في تحويل نتاج العقل إلى حق يمكن امتلاكه ثم استثماره.

وهنا تتجاوز المسألة حدود الحماية إلى موقع المملكة في المنافسة العالمية على اقتصاد المعرفة. فالدول لا تتنافس اليوم فقط على المصانع التي تنتقل إليها، بل على العقول والبراءات والتقنيات ومراكز البحث التي تولد داخل حدودها. وكلما استطاعت المملكة أن تجمع بين رأس المال والبحث والمبتكر والحماية القانونية والإنفاذ والاستثمار التجاري، أصبحت أكثر قدرة على الاحتفاظ بقيمة الابتكار داخل اقتصادها بدلاً من أن تكون مجرد سوق لابتكارات الآخرين.

وفي ذلك أيضاً رسالة استثمارية لا تخطئها العين: المملكة لا تكتفي بجذب رأس المال والتقنية، بل تبني باستمرار البيئة التي تحمي ما ينتجه المستثمر والمبتكر فيها، حتى أدق الأصول غير الملموسة. فالمستثمر لا يبحث عن الفرصة وحدها؛ يبحث عن دولة تحمي فكرته وحقوقه وعوائد ابتكاره، وكلما اكتملت هذه المنظومة ازدادت السعودية جاذبيةً للمواهب والشركات ورؤوس الأموال التي تبحث عن بيئة آمنة للابتكار والنمو.

وهذا تحديداً ما يجعل الملكية الفكرية جزءاً من السيادة الاقتصادية الحديثة. فليس المهم أن تُبتكر التقنية داخل حدودك فقط، بل من يملكها، وأين تُسجل حقوقها، ومن يستثمرها، وأين تبقى القيمة التي تولدها. وبراءة اختراع خرجت من جامعة سعودية ثم تحوّلت إلى شركة، أو علامة سعودية خرجت إلى الأسواق العالمية، أو تقنية تم تطويرها وتوطينها هنا، ليست نجاحاً قانونياً فحسب؛ إنها قيمة اقتصادية ووظائف واستثمار ومعرفة تبقى داخل الدورة الاقتصادية للمملكة.

ولعل أجمل ما في هذا التحوّل أنه ينسجم مع فلسفة أوسع في رؤية السعودية 2030: ألا تكون المملكة مستهلكاً للاقتصاد الجديد، بل شريكاً في صناعته. فالابتكار بلا حماية قد يضيع، والحماية بلا استثمار قد تجمد الفكرة، والاستثمار بلا إنفاذ يفقد الثقة؛ أما حين تجتمع هذه العناصر، فلا تعود الدولة تحمي الإبداع فقط، بل تبني له سوقاً.

والثروة التي وهبها الله لهذه البلاد في باطن أرضها ستظل نعمة عظيمة، لكن السعودية تبني إلى جوارها اليوم ثروة أخرى مصدرها عقل الإنسان، وحين تحمي الدولة الفكرة، وتفتح لها طريقاً إلى السوق، وتحولها إلى أصل قابل للاستثمار، فإنها لا تحمي الملكية الفكرية فحسب.. بل تصنع الثروة.