في كل مرة تختار فيها شركة عالمية أن تضع قدمها في الرياض، أشعر أن علينا أن نقرأ الخبر من زاوية أبعد من اسم الشركة ونشاطها؛ فالأمر لم يعد مجرد استثمار جديد أو مقر إقليمي يضاف إلى قائمة المقرات العالمية في العاصمة، وإنما هو انعكاس لحجم التحول الذي تعيشه المملكة. وحين تكون الشركة هي «روبلوكس» المنصة التي صنعت عالمًا رقميًا كاملًا يتجاوز فكرة اللعب إلى الإبداع وصناعة المحتوى والبرمجة والتجارب التفاعلية، فإن اختيارها الرياض مقرًا إقليميًا للشرق الأوسط وشمال أفريقيا يحمل دلالة أكبر: أن الاقتصاد الرقمي أصبح جزءًا حقيقيًا من مستقبلنا، وأن الرياض قادرة على أن تكون مركزًا تنطلق منه الشركات العالمية إلى أسواق المنطقة.
والأهم في هذا الحضور، بالنسبة لي، ليس اسم «روبلوكس» ولا مقرها الجديد، وإنما ما يمكن أن يتركه وجودها في الإنسان السعودي. فصناعة الألعاب اليوم لم تعد ترفيهًا عابرًا؛ إنها صناعة تخلق فرصًا للمبرمج والمصمم وصانع المحتوى والمبتكر، وتفتح أمام الشباب أبوابًا للعمل والاستثمار والوصول إلى جمهور عالمي. ومن هنا يمكن أن يتحول الشاب من مستخدم للعبة إلى صانع لها، ومن مستهلك للمحتوى إلى منتج ينافس به. وهذا هو الأثر الاقتصادي الذي يستحق أن نتأمله: استثمارات جديدة، وفرص عمل، ونقل للمعرفة والخبرة، ونمو لشركات واستوديوهات محلية، وربما ولادة جيل جديد من رواد الأعمال في صناعة لم تكن تحظى بهذا الحضور من قبل. كما أن تقاطع الألعاب مع التعليم والتقنية يمكن أن يمنح أبناءنا مساحة مختلفة لاكتشاف مهاراتهم مبكرًا، خصوصًا في البرمجة والتصميم والتفكير الإبداعي.
لكنني أظن أن السؤال الأجمل الذي يفرضه هذا الخبر ليس: لماذا اختارت «روبلوكس» الرياض؟ وإنما: ماذا سنصنع نحن من وجود «روبلوكس» في الرياض؟ فنجاح استقطاب الشركات العالمية لا يكتمل بعدد المقرات التي تفتح أبوابها، وإنما بما تتركه خلفها من معرفة ومواهب ومشاريع وفرص، اليوم نريد أن تكون الرياض مكانًا تأتي إليه الشركات العالمية، ومكانًا تنطلق منه الشركات السعودية إلى العالم وهذا ما يحدث فعلا؛ نريد أن يدخل أبناؤنا هذه الصناعة مستخدمين، ثم يخرجوا منها مبدعين ومطورين ومستثمرين. وحين يحدث ذلك، سنعرف أن «روبلوكس» لم تأتِ إلى الرياض لتفتح مقرًا إقليميًا فقط، بل جاءت إلى مدينة تتغير ملامح اقتصادها، وإلى جيل يتغير طموحه، وإلى وطن قرر أن يكون حاضرًا في الصناعات التي تصنع المستقبل، لا أن يكتفي بمشاهدة العالم وهو يصنعها.
ختامًا.. ليست الحكاية أن «روبلوكس» اختارت الرياض، بل أن الرياض أصبحت خيارًا عالميًا لصناعة المستقبل. ويبقى الرهان الحقيقي أن نحول هذا الحضور إلى أثرٍ باقٍ؛ مواهب تُكتشف، وأفكار تُصنع، وشركات سعودية تنطلق من الرياض إلى العالم.


