في الأندية الكبيرة، قد يكون الرحيل أحياناً أكثر شجاعة من البقاء. فالرئاسة ليست حقاً مكتسباً، والمنصب ليس مشروعاً شخصياً لصناعة المجد، والعمل في نادٍ بحجم الاتحاد مسؤولية تجاه كيان وجمهور وتاريخ. ومن يقبل هذه المسؤولية، يقبل معها حقيقة لا تقل أهمية: أن يسأل نفسه في لحظة ما، وبكل تجرد، هل ما زال وجودي يضيف إلى النادي، أم أن النادي أصبح يحتاج إلى غيري؟ ليس لأن الاتحاد خسر في بداية موسمه الجديد؛ بل على العكس، لقد فاز في مباراتيه الرسميتين، وحقق المطلوب، وتأهل آسيوياً. نفرح بذلك كاتحاديين، ونحسبه للفريق ولا نبخسه حقه. لكن الانتصار في مباراتين لا ينبغي أن يحجب السؤال الأكبر الذي تركه خلفه موسم كامل: ماذا أضاف فهد سندي وإدارته إلى الاتحاد؟
هذا السؤال ليس شخصياً، ولا انتقاصاً من الرجل، ولا تشكيكاً في اتحاديته. قد يكون فهد سندي من أكثر الناس حباً للاتحاد، وقد يكون بذل ما يستطيع واجتهد وأراد النجاح. لكن حب الاتحاد ليس مؤهلاً كافياً لإدارته؛ فجمهوره بالملايين يحبونه. رئيس الاتحاد مطالب بشيء آخر: أن يحوّل هذا الحب إلى إدارة، والاستثمارات إلى فريق، والقرارات إلى استقرار، والطموح إلى مشروع يمكن للجمهور أن يراه على أرض الواقع.
مر موسم منصرم، ولم نرَ في حصيلة الإدارة ما يكفي، في رأيي، لتبرير طلب المزيد من الوقت بالشروط نفسها. فريق دخل الموسم الماضي بطلاً للدوري والكأس، ثم خرج من الموسم بلا بطولة، وبين البدايتين والنهايتين عانى الاتحاديون من ارتباك وعدم استقرار وأسئلة كثيرة حول القرار الرياضي والإداري. والنتيجة في النهاية لا تُقرأ من مباراة، وإنما من موسم.
ولهذا لا أقبل أن تتحول انتصارات البداية الجديدة إلى إجابة جاهزة لكل من ينتقد الإدارة. نعم، فاز الاتحاد، وهذا جيد. لكن الفوز نتيجة مباراة، أما نجاح الإدارة فنتيجة مشروع. وقد يفوز فريق بما لديه من جودة فردية وروح لاعبين وخبرة فنية، بينما تبقى الأسئلة الإدارية نفسها بلا إجابة. الاتحاد في أول مباراتين أظهر شخصية لاعبيه وقدرتهم على تحقيق النتيجة، وهذا ما نريده؛ لكن المطلوب من الإدارة أكبر من أن تحتفل بما صنعه اللاعبون في تسعين دقيقة.
وهنا نصل إلى العبارة التي تتكرر كلما ارتفع النقد: لنصبر. حسنًا، نصبر. لكن على ماذا تحديداً؟
الصبر ليس قيمة إدارية في ذاته، ولا تفويضاً مطلقاً لأي إدارة. نصبر عندما نرى مشروعاً يتشكل، وهيكلاً يستقر، وقرارات تتراكم في الاتجاه الصحيح، ونشعر بأن الوقت سيجعل المؤسسة أفضل. أما أن يصبح «لنصبر» جواباً على كل سؤال، فهنا يتحول الصبر من فرصة للإدارة إلى تأجيل لمحاسبتها.
والاتحاد لا يملك ترف الانتظار الطويل. الأندية المنافسة تتحرك، وتتعلم من أخطائها، وتبحث عن الاستقرار، وتبني منظوماتها الرياضية والإدارية عاماً بعد عام. وفي كرة القدم السعودية الجديدة لم تعد المنافسة بين أحد عشر لاعباً وأحد عشر لاعباً فقط؛ إنها منافسة بين إدارات ومشاريع وقدرات على اتخاذ القرار قبل أن تبدأ المباراة أصلاً.
ويأتي إعلان وزارة الرياضة عن البدء في نقل ملكية الـ25% من أسهم شركات الاتحاد والهلال والنصر والأهلي، التي تمثل ملكية المؤسسات غير الربحية، إلى صندوق الاستثمارات العامة، ليجعل السؤال الإداري أكثر إلحاحاً لا أقل. فالكرة السعودية تمضي إلى مرحلة جديدة تتغير فيها هياكل الملكية، وترتفع معها قيمة الاستثمار والحوكمة والمساءلة، ومن غير المنطقي أن يتقدم الكيان استثمارياً فيما يبقى السؤال الإداري معلقاً. الاتحاد المقبل على هذه المرحلة يحتاج إدارة بحجم التحول، تعرف كيف تدير رأس المال والقرار الرياضي والجمهور معاً، لا إدارة نطلب من الجمهور في كل مرة مزيداً من الوقت للحكم عليها.
ولهذا فإن القضية بالنسبة لي ليست أن «فهد سندي يجب أن يرحل» لأن الجمهور غاضب، ولا أن يبقى لأنه يريد إثبات نجاحه. القضية أعمق من الاثنين: إدارة الاتحاد ليست حقاً شخصياً لأحد، كما أن مغادرتها ليست هزيمة شخصية لأحد. هي عمل مؤسسي ومجتمعي لخدمة نادٍ يمثل ملايين الناس، ومن يتولى مسؤوليته يصبح وجوده وسيلة لخدمة الكيان، لا يصبح الكيان وسيلة لإثبات نجاحه.
وهنا تحديداً تظهر شجاعة المسؤول. فإذا كان فهد سندي يرى أن إدارته ما زالت تملك مشروعاً واضحاً يمكن الدفاع عنه، فكان عليه الخروج إلى الاتحاديين، والتحدث معهم بصراحة، وليقل ماذا تحقق، وما الذي تعثر، وما الذي سيختلف، ومتى تظهر النتائج. الجمهور لا يطلب المستحيل، لكنه يستحق أن يعرف إلى أين يمضي ناديه.
أما إذا كان الرجل، وهو الأعرف بما يجري داخل النادي، يرى أن التجربة لم تصل إلى ما كان يأمله، أو أن إدارته لم تعد تملك الأدوات الكافية لإحداث التغيير، فإن أشجع قرار يمكن أن يتخذه ليس أن يتمسك بالموقع، بل أن يتحمل مسؤولية اللحظة ويقول: حاولنا، واجتهدنا، والاتحاد اليوم يحتاج إلى مرحلة جديدة. ذلك لا يعيبه، بل ربما يحفظ له احترام جمهور يعرف جيداً الفرق بين من يخدم المنصب ومن يخدم النادي.
فالقيادة ليست أن تبقى حتى آخر يوم تستطيع فيه البقاء؛ القيادة أحياناً أن تعرف متى يصبح إفساح الطريق جزءاً من المسؤولية نفسها.
وأقولها بكل وضوح، لا خلاف مع فهد سندي الإنسان، ولا مزايدة على محبته للاتحاد. حاول الرجل واجتهد، وهذا يُحترم. لكن الاتحاد أكبر من الأستاذ فهد سندي، وأكبر من إدارته الموقرة وأعضائها، وأكبر من أي شخص سيأتي بعدهما. وفي النهاية، الاتحاد لا يحتاج رئيساً يثبت أنه يحب الاتحاد؛ فجمهوره بالملايين يفعلون ذلك كل يوم. الاتحاد يحتاج إدارة تعرف كيف تديره.
لقد كان «لنصبر» خياراً مشروعاً في بداية التجربة. أما بعد موسم كامل، فإن السؤال لم يعد كم من الوقت سنمنح الإدارة، بل ماذا قدّمت خلال الوقت الذي مُنح لها. وحين لا تكون الإجابة بحجم الاتحاد، لا يعود الصبر خياراً.


