بقدر ما يتعاظم فخرنا بالنتائج الباهرة التي يقدّمها منتخبا المغرب ومصر في مونديال كأس العالم 2026، تتعاظم في الدواخل مشاعر الخيبة والحرقة على المشاركة الهزيلة التي ظهر بها منتخبنا الوطني، بما لا يتوازى كليّاً، ولا يتّسق مع تجربة «الأخضر» بمشاركاته السبع الماضية، ولا الإمكانات المادية المتوفرة له، ولا سمعته في المحافل الدولية، ويزداد الأمر أسىً ومضاضة أن «الأخضر» تذيّل مجموعته، وتفوّق عليه فريق يعتبر «سنة أولى مونديال» منتخب الرأس الأخضر، الأقل تجربة، والأضعف إمكانات، ومن بلد يعتبر في عداد البلدان الفقيرة، والأنكى من ذلك أن «الأخضر» لم يكن يحتاج سوى فوز واحد ليعبر إلى دور الـ(32) الإقصائي، لكنه فشل، بكل أسف في ذلك، وعاد، ماسحاً خلفه ما تركه من سمعة في مونديال قطر.

وبعيداً عن «ردة الفعل» الآنية التي صاحبت الخروج المر، واستقالة رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم، فمن الواجب الذهاب عميقاً لاستقصاء الأسباب الجوهرية التي أفضت بالأخضر إلى هذا الحال المؤسف، فليس من الإنصاف تعليق هذه «الخيبة» وترحيلها إلى جهة واحدة، والاطمئنان إلى أننا وجدنا الحلّ، واهتدينا إلى الطريق الصحيح. فواقع الحال يشير بوضوح إلى تراكم سلسلة من الأخطاء والأسباب الكارثية التي مرت دون معالجة، وكانت محصلتها المنطقية ما انتهى بنا إلى هذه النتيجة الحتمية.

وبظني أنّ الانتقال الكبير في تركيبة دوري المحترفين السعوديين، بزيادة عدد المحترفين الأجانب قبل ثلاث سنوات، وبالتحديد في ديسمبر 2023، إلى 10 لاعبين ألقى بظلاله الكثيفة، وأثّر تأثيراً لا يستطيع أحد إنكاره، بأنّه السبب الرئيس فيما انتهى إليه حال منتخبنا الوطني، مع هذا العدد الكبير من اللاعبين، على نحو لم يشهده الدوري من قبل، وفتح الطريق أمام الأندية لاستقطاب من تشاء، في كافة المراكز من حراسة المرمى إلى الهجوم، والدفاع وفق إمكاناتها وقدراتها المالية، وما يفاض عليها من دعم وزارة الرياضة.

فمن الطبيعي أن لا يجد اللاعب السعودي مكانه الأساسي في التشكيلة الثابتة التي تخوض المباريات، بما يصقل موهبته، ويرفع من حساسية تعامله مع المباريات التنافسية، ويجعله قادراً على المنافسة والظهور بالمظهر اللائق الذي يعكس مقدار الاهتمام والعطاء الذي يحظى به.

قد يرى البعض أن هذا الوضع يضع اللاعب السعودي أمام تحدي إثبات نفسه ليكون جديراً بأحقية المشاركة، وهو قول يحمل شيئاً من الوجاهة، لكنه يناقضها في الوقت نفسه، فكيف بنادٍ يصرف ملايين الدولارات على لاعب أجنبي ليبقيه حبيس الدكة، إذ من الطبيعي أن اللاعب الأجنبي المُستجلب بمبالغ تفوق اللاعب الوطني، هو المفضل لدى المدرب، والمقدم عنده في التشكيلة لتنفيذ ما يطلبه منه، وهو ما لمسناه خلال المواسم الثلاثة الماضية، من انحسار مشاركة العنصر الوطني على حساب الأجنبي، والمحصلة من ذلك «ضمور» الموهبة السعودية في الملاعب، بل واختفاؤها.

لهذا رأينا المدرب السابق للأخضر إيرفي رينارد يتخبط في اختيار العناصر، يجمع ويطرح، يستدعي ويستبعد، يجرب ويفاضل، وكان ذلك دأبه ولم يتبقَ للمونديال سوى شهرين، فكان من الطبيعي أن يقال، قياساً على تجاربه الإعدادية، وفقدان «الأخضر» هويته الفنية المائزة له، وكانت تلك معالجة ضرورية، لكنها كانت متأخرة جدّاً، على الرغم من تعالي الأصوات منذ وقت مبكر بخطورة الموقف وعدم جدوى استدعاء رينارد، ولم تكن الاستعانة بدونيس أفضل حالاً، لقصر المدة الزمنية، فلم يتمكن من إيجاد توليفة متجانسة، فكانت المحصلة مشاركة عشوائية في كل تفاصيلها، واجتهادات شخصية داخل المعلب وخارجه، لا علاقة لها بكرة القدم الحديثة، المبنية على استراتيجيات وخطط ومدارس وأكاديميات، تعمل على نهج متصل، وبرؤية استشرافية تتجاوز المناسبات الآنية، وتنظر إلى أبعد من ذلك بكثير.

ولنا في تجربة اليابان آسيوياً، والمغرب ومصر عربياً وإفريقياً المثال الواجب قراءته بتمعّنٍ، ونتائجه الباهرة التي لمسناها في العطاء الذي قُدم، والهوية الفنية التي ظهرت في هذا المونديال وغيره.

ويكفي أن فريق غامبا أوساكا الياباني، الذي انتزع كأس آسيا 2 من أمام النصر في الأول بارك، لم يشارك معه في المباراة النهاية سوى ثلاثة محترفين، في مقابل النصر الذي شارك بأكثر من ضعف هذا العدد أو يزيد، وخسر اللقب.

إن زيادة عدد اللاعبين الأجانب في دوري المحترفين السعودي هي المسؤول الأول عن حال «الأخضر»، ولن ينصلح الحال إلا إذا تمت معالجة هذا الأمر على نحو يحقق المصلحة المرجوة من الزيادة، والآثار المترتبة عليها..

ورغم أن المشاركة الواسعة للعنصر الأجنبي في الدوري السعودي لها وجوه إيجابية، فقد رفعت أسهم الدوري في بورصة المتابعة والمشاهدة العالمية، وزاد رواجه في الإعلام العالمي، وأصبح محل رغبة للاعب الأجنبي، قياساً على المردود الفني والمالي الذي يفوق بكثير ما يحصل عليه في الدوريات الأوروبية خاصة، وهذا مستهدف مهم وضروري بالنظر إلى استعداد المملكة لاستضافة كأس العالم في العام 2034.

ولمّا كان من الصعوبة العدول عن هذا العدد، فلا بد من الذهاب إلى معالجات منطقية تضمن مشاركة اللاعب السعودي وصقله لصالح المنتخب من بوابة ناديه، فمثلاً يمكن سنّ تشريع يقضي بحتمية مشاركة كافة اللاعبين السعوديين بعدد دقائق محددة في مباريات الدوري، أو اصطناع دوري موازٍ تقصر فيه المشاركة على العنصر السعودي فقط، ويحفّز الفائز به بمقعد إضافي في المنافسات الآسيوية.

بدلاً عن اختيار ذلك من ترتيب جدول الأندية في دوري المحترفين، كما يمكن قصر المشاركة في دوري كأس خادم الحرمين الشريفين على العنصر السعودي فقط.

كل هذه المعالجات وغيرها يمكن أن تكون محل دراسة، يتنادى إليها ذوو الشأن والدربة والخبرة، والذهاب بعيداً في إيجاد منظومة رياضية تنقذ «أخضرنا» من هذا الحال البائس الذي وصل إليه.