من يطالع شكاوى ومشاكل الناس سواء بالمجال العملي أو الاجتماعي سيتوصل لحقيقة مفادها أن السبب الرئيسي لتعاسة الناس ومعاناتهم هو انعدام ثقافة التكريس الأخلاقي، أي أن يكتسب الإنسان الأنماط والقيم والمثاليات الأخلاقية الفكرية والنفسية والسلوكية، وحتى الثقافة الدينية باتت تفتقر بشكل شبه كامل لجانب التكريس الأخلاقي وتنصب على المظاهر والعبادات. وسبب غياب التكريس الأخلاقي بالثقافة العامة الدينية والاجتماعية والمهنية هو أن قيمة الإنسان بالثقافة العربية المعاصرة هي بوضعه المادي والظاهر والمظاهر والانتماءات كالجنس والنسب والطائفية، بينما لا تزال مجتمعات دول شرق آسيا وأوروبا قيمة الإنسان فيها هي بأخلاقه ومعاملته للناس وسلوكه، ولذا رغم أنه يغلب عليها عدم التدين لكنها تتسم بثقافة التكريس الأخلاقي ويظهر أثر ذلك بانخفاض نسب الفساد المالي والإداري والجريمة والطلاق والعنف الأسري والاجتماعي ونسب عدم الرضا الوظيفي وانعدام الإرهاب الداخلي والحروب، فلا توجد ظاهرة من هذه الظواهر إلا وعدم التكريس الأخلاقي الفردي سببها وجذرها، وشيوع عدم التكريس الأخلاقي الفردي سببه أن الثقافة العامة السائدة لا تجعل معيار الحكم على الإنسان هو بأخلاقه الخاصة، حتى مفهوم الشرف بالشرق مشوّه ولا يكون في ذات الشخص إنما يعيش الذكور عالة على شرف النساء؛ فمهما كان الذكر فاسداً يبقى يعتبر صاحب شرف كامل غير منقوص طالما نساء بيته يعشن بصندوق مقفل، بينما مفهوم الشرف لدى الأمم الأخرى أن شرف الإنسان في ذاته وشخصيته وقناعاته وسلوكه ومعاملته وأفعاله وليس بأقاربه الإناث، فالذكر عندما يكون فاشلاً دراسياً لا يمكن وصفه بأنه ناجح دراسياً لمجرد أن أخته ناجحة بالدراسة، وهذا سبب أن بعض المجتمعات تشعر بالنشوة لرؤية النساء يفرطن بالتحجب والتغطية لأنه يمنح المجتمع شعوراً وهمياً بالامتياز الأخلاقي على كل من عداهم لأن المجتمع يعيش عالة على شرف النساء، فالمعضلة بمجتمعاتنا هي تشوه مفهوم الأخلاق، وليس فقط غياب الاعتبار لأهميتها؛ فالتعصب للانتماءات الفئوية والطائفية والقبلية ينظر إليه على أنه خلق إيجابي، بينما هو من الرذائل المنتنة، والغيرة المفرطة على النساء التي تؤدي لحرمانهن الحياة الطبيعية، ويتم التستر على المعتدين جنسياً بدل إزالة منكرهم بحجة «الستر» والذي لا يشرع إلا بالخطايا الشخصية التي ليس فيها عدوان على أحد، ومن علامات الانحطاط الأخلاقي بالمجتمعات؛ أن تسودها منظومة الأخلاق الغرائزية البدائية غير المتحضرة وغير المترقية كالثقافة الذكورية السامة التي تؤدي لشيوع الإجرام بحق الإناث، وتحفيظ النصوص الدينية عن الأخلاق لا يجعل الحافظ يطبّقها تلقائياً، فالتطبيق يتطلب التدريب العملي منذ الصغر بالبيت والمدرسة والمجتمع ويتطلب تمحور قيمة الإنسان بالثقافة العامة حول تحلّيه بالقيم الأخلاقية المثالية بحق، وأفضل مصدر لمعرفة المثاليات الحقيقية الصحيحة هو برامج الذكاء الاصطناعي وبخاصة المثاليات الأخلاقية الفكرية، ومبرمجوها أناس متخصصون أكاديمياً بالأخلاق.


