في جميع مراحل الوجود نحن محتاجون إلى رحم يحمينا من الأخطار التي خارج محيطنا، وتتعدد تلك المخاطر وفق سيرنا في الحياة، إلا أن الطفل ومنذ ولادته بحاجة إلى رعاية فائقة، رعاية جسدية في البدء ورعاية فكرية إلى أن يصل مرحلة الرشد، وإذا كانت المطالبة برعايته في السابق مهمة، فالآن اختلف المحيط وأصبحت الرعاية الفكرية أكثر صعوبة لاختلاف الوسائل، وسرعة المتغيرات، ودخول مؤثرات عديدة لا يمكن تفادي أثرها، فكيف نخلق رحماً حافظاً لهذه الطفولة.


كنت ضيفاً على جمعية أدب الطفل وثقافته، وانطلقت في حديثي عن مجموعتي القصصية (حكاية المداد) والتي كتبتها قبل ثلاثين عاماً، حين كان محور مهرجان الجنادرية عن أدب الطفل، في تلك الأيام كنت مشرفاً على صفحة الطفل بجريدة عكاظ، والتي كانت تصدر يومياً، بمحررين في سن الطفولة، وهم من يقومون بتوفير المادة الصحفية لصفحتهم، وكان نشاطهم ملفتاً حتى أنهم أجروا لقاءً صحفياً مع الوزير محمد أحمد الرشيد (رحمه الله) والذي أصدر قراراً وزارياً لجميع مدارس المملكة بالتعاون مع صفحة الطفل في «عكاظ» (وتلك الصفحة قام محرروها بأعمال صحفية منتقاه وتحتاج إلى كتابة خاصة عن تلك الفترة)، في ذلك الزمن فاتحني الأستاذ عبدالفتاح أبو مدين (رحمه الله) إن كان لدي قصص لنشرها وتقديمها لمحور الطفل في الجنادرية، فكتبت مجموعة (حكاية المداد).. وكان حديثي منصباً على أدب الطفل ومعوقاته من وجة نظري..


ذاكراً أن الطفولة كنز الأسئلة المجردة، والمخيلة الخصبة التي لا يحدها حد، تلك المخيلة الخصبة تجف مع الدخول إلى التعليم، فكلما كبر طفل يتم تهجين ذاكرته (بما يجب فعله والتفكير فيه) ذاكراً أن التعليم عبودية، والعلم حرية، ولأن الطفل (في العالم العربي) تم تحييد عقله وأسئلته، وتحويله إلى جهاز تسجيل، حتى إن الأدب الذي كُتب له كان أدباً توجيهياً وليس محفزاً للأسئلة، كما أن كاتب الطفل مسلوب، فلم يقدم أدباً منطلقاً بل أدبا سجين مخيلة كلسية، وكما عجزنا عن تصنيع لعبة أو فلم كرتون تم اختطاف أطفالنا منذ ذلك الزمن من خلال الألعاب وأفلام الكرتون.. ربما كنت حاداُ عندما قلت تم اختطاف الطفل سابقاً وآنياً، آنيا بصورة الاتصالات وتقدم التقنية والتي أصبح العالم يتغير يومياً، بحيث تحولت الثقافة إلى مادة سائلة تتفلت كل لحظة بما تخلقه التقنية والبرامج المتغيرة يومياً، والثقافة السائلة تحتاج إلى معلمين قادرين على مسايرة الثورات التقنية بمعارفها المستجدة، وهذا يستوجب قلب المثلث، فقد دأب العالم العربي إلى إسناد المواد التعليمية لمراحل تعليم أطفالنا إلى معلمين متواضعين في علومهم، وآن الأوان لوزراء التعليم في العالم العربي إسناد تعليم الأطفال إلى الأساتذة الأكاديميين ذوي التخصص في العلوم الطبيعية، هؤلاء هم من يستطيع إنقاذ أطفالنا من الاستلاب المحموم للتقنية وما تصدره من معارف مستحدثة.


هذه خطوة أولى لتصويب ما يحدث لطفل في المدارس التي أصبحت عاجزة بمعلميها عن اللحاق بعجلة الزمن السريعة والمتغيرة في معطيات المعرفة، ويلي ذلك خطوات جبارة على المعنيين بالطفل تجهيز وإعداد المناخ الجيد لتثمين عقلية ومخيلة الطفل التي لا تُحد، لذا نظراً للثقافة الصلبة التي سادت علينا الإسراع بالطفل الى الثقافة السائلة.