في الوقت الذي تتعرّض فيه المنطقة لتحوّلات إقليمية عميقة، يطل علينا من يرى أن إيران لا تشكّل خطراً حقيقياً على العالم العربي بحجة بُعدها الجغرافي عن بعض الدول. هذه النظرة المحدودة لا تصمد أمام منطق السياسة، إذ يمكن لأي طرف آخر أن يستخدم الحجة نفسها ليقول إن إسرائيل ليست خطراً على العرب البعيدين عنها. إنها سردية تتناقض تماماً مع فكرة الوحدة العربية والمصير المشترك التي طالما شكّلت ركيزة الخطاب القومي لعقود طويلة.

فالمنادون بالوحدة يرون أن العالم العربي كتلة واحدة، وأن أي تهديد يستهدف دولة من دوله يجب أن يُعتبر خطراً على الجميع. هذه الرؤية التي ترسّخت في الفكر العربي الحديث تؤكد أن الأمن العربي لا يتجزأ، وأن ما يحدث في الخليج أو في المشرق أو في شمال أفريقيا له أثر مباشر على استقرار المنطقة بأكملها. بيد أنه في كل مرة يتعرّض فيها الخليج العربي للتهديد تتغيّر المعادلة الفكرية تماماً، لدرجة أن هنالك من يرى أن إيران ليست خطراً على الدول العربية مطلقاً!

اليوم، يواجه الخليج العربي تهديداً واضحاً من دولة مارقة قامت بقصف الأعيان المدنية وتهديد السلم الإقليمي والدولي. ومع ذلك، جاءت الإدانات العربية باهتة ومتأخرة، لتعيد إلى الأذهان مشهد الغزو العراقي للكويت عام 1990، حين انشغل بعض المثقفين العرب بتبرير العدوان أو بمساواة الضحية بالجلاد. هذا التردد في المواقف يكشف عمق الأزمة في الخطاب العربي المشترك، الذي فقد بوصلته تجاه الأخطار الحقيقية.

لقد أثبتت التجربة الخليجية أن القوة تكمن في الوحدة. فتماسك دول الخليج هو ما جعلها قادرة على تحييد التحديات ومواجهة الأزمات بثقة، دون انتظار دعمٍ من «أطفال اليسار العربي» الذين لا يحضرون عادة إلا بعد فوات الأوان. خلال العقود الأخيرة، برهنت الدول الخليجية أن لديها مشروعاً عربياً ناجحاً، قائماً على الاستقرار والفاعلية، لا على الشعارات. وفي هذا التجمع يبرز الثقل السياسي والجغرافي الذي تمثله المملكة العربية السعودية باعتبارها أساس النفوذ الخليجي وقوته.

ومع ذلك، ما زال بعض الخطاب العربي يحاول التقليل من هذا الدور، وحصره في النفوذ المالي فقط، متجاهلاً مظاهر القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي رسّخت حضور الخليج ركيزةً رئيسيةً في توازنات المنطقة.

اليوم، تبدو الحاجة ماسة إلى مراجعة شاملة لمفهوم الوحدة العربية، لتُفهم على أنها مسؤولية جماعية لا شعاراً عاطفياً. فالصمت أو النأي بالنفس لحظة تهديد الحلفاء يفرغ الوحدة من معناها، ويترك الباب مفتوحاً أمام تكرار المآسي العربية.