بداية، نعرّف «الفكر السياسي الإسلامي» بأنه: ما يكتبه مفكرون، يدعون أن منطلقهم إسلامي، ويتعلق بـ«السياسة»، كلياً أو جزئياً. وتعرف «السياسة» بأنها: الإدارة العليا للبلد -أي بلد- وكل ما يتعلق بها من أمور. فالفكر الإسلامي هو: الأفكار التي يأتي بها مفكرون مسلمون، أو يدعون أنهم مسلمون، وتتعلق بالسياسة، وإدارة الدول. ومعروف، أن من الممكن تعريف كل من الفكر السياسي، والسياسة، بتعاريف تتناول جانباً أو أكثر من جوانب كل منهما. ولكننا هنا، سنعتمد هذين التعريفين، كأساس لمضمون مقالنا هذا.

هناك من يقسّمون «المعرفة» (Knowledge)، في أي مجال، إلى ثلاثة أقسام، حسب طبيعة المعرفة. فهناك المعرفة البديهية: وهي معرفة الإنسان العادي، وتصوره لما يرى. والمعرفة الفلسفية: هي محاولة تحديد «ما يجب أن يكون»، في موضوع ما، وفي مجال ما. ثم هناك المعرفة العلمية: وهي المعرفة الأكثر مصداقية، والناتجة عن البحث العلمي السليم. وبالتالي، يمكن تقسيم المعرفة السياسية إلى ثلاثة أقسام، هي المعرفة السياسية البديهية، المعرفة الفلسفية السياسية، والمعرفة العلمية السياسية. وما ذُكر يلقى ضوءاً أكبر على الفكر (الفلسفة) السياسية.

**

وبداية، يجب أن نفرّق بين ثلاثة أمور متداخلة، في رأينا: الإسلام الصحيح، الخالي من الشوائب التي ألصقها البعض به، التاريخ السياسي الإسلامي، الفكر السياسي «الإسلامي». الإسلام الصحيح كله خير وهدى. ومكانه قلوبنا، وكل جوارحنا. والتاريخ السياسي: هو ممارسة المسلمين للسياسة، خلال الأربعة عشر قرناً السالفة.

**

أما «الفكر السياسي الإسلامي»، منذ انتهاء الخلافة الراشدة، حتى العام 1901م، فهو، كما ذكرنا، ما كتبه من يُعتبرون مفكرين، أو فلاسفة، ويتعلق بالسياسة. ولنا عليه عدة ملاحظات، لعل أهمها ما يلي:

ضعف، أو عدم إلمام كثير ممن كتبوا، بالسياسة. لم يكونوا على علم حتى بأساسيات السياسة، وعلمها. لذلك، كثرت هفواتهم السياسية.

أن معظم كتاباتهم كانت عن «ما يجب أن يكون»، أي التفلسف. وذلك أمر إيجابي، لولا أن معظم ما قالوه يؤدى إلى الديكتاتورية، أو يكرّسها، رغم أن أسوأ ما ينبذه علماء السياسة في العالم أجمع، هو الديكتاتورية.

نفاق بعضهم لحكام معينين، واعتبار ما هم عليه، هو المطلوب، وهو المقبول، رغم انحراف الممدوحين.

معظم الفلاسفة السياسيين، يدعون إلى نظام سياسي معين، باعتباره النظام السياسي الأمثل، في رأيهم. ونجد أن معظم الفلاسفة السياسيين لم يعرفوا هذا المدخل، أو هذه الفكرة الأساسية.

استخدام هؤلاء بعض المصطلحات التي تكرّس الخنوع، وتقود بالفعل إلى الاستبداد.

بعضهم يدعون ضمناً للباطل، ويتجاوزون الحق.

**

لذلك، نعتقد أن الفكر السياسي الإسلامي الصحيح، والمفيد هو الفكر الذي يقول «ما يجب أن يكون» في حالة معينة، منطلقاً من إلمامه التام بـ«علم السياسة»، ومبادئ الإسلام الصحيح، وتجارب الأمم المتقدمة، ومعطيات العصر. منطلقاً من كون: نظام الخلافة الشهير هو نظام بشري أو مدني، قام على اجتهاد عقلاني، وعلى أساس منضبط بمبدأ الشورى الإسلامي، ليحقق مصلحة شرعية، تتمثل في إقامة الحكم الإسلامي في الدولة والمجتمع. وبناءً على ذلك، فإن نظام الخلافة ليس جزءاً من الشريعة أو الوحي، وهو ليس مقدساً كالحكم بالشريعة. وبالتالي، فإن أي نظام سياسي يقوم على أساس شورى، ويحقق المصلحة الشرعية في إقامة حكم مقيد بإطار الشريعة، يعتبر نظاماً إسلامياً، سواء سمّي نظام خلافة، أو إمامة، أو إمارة، أو رئاسة... إلخ.

وبالتالي، يجب نبذ «فكر» أولئك الذين يمجّدون وضعاً سياسياً معيناً، أو يدعون إلى ما يؤدى للاستبداد. وهو أمر لا يتوافق ومبادئ الدين الإسلامي الصحيح.

العبادات والعادات

ومعروف، أن الدين الإسلامي الحنيف الصحيح، بشقيه الكتاب والسنّة، لم يأتِ بنظام سياسي معين. لذا، أصبحت السياسة من مجال «العادات»، وليس «العبادات». وصارت من باب «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، وأصبح على المفكرين السياسيين القادمين، مسؤولية إيجاد النظام السياسي الإسلامي الأمثل (النموذج) في النظرية، مستعينين بمعرفتهم بمبادئ الإسلام الصحيح، وللسياسة، وتجارب الأمم المتقدمة، التي لا تتعارض مع الإسلام الصحيح. وبعيداً عن الغوغائية، وسوء المقصد، والنية. أما من يتفلسفون بـ«ما يجب أن يكون»، في رأيهم، محاولين مداهنة هذه الجهة، أو تلك، أو قائلين بما يؤدى إلى الاستبداد السياسي، فلا تستحق كتاباتهم، أن تُقرأ على أنها «فكر سياسي إسلامي».