يمضي العمر سريعاً سريعاً سريعاً، لدرجة تعتقد فيها أن السنوات ليست مجرد شهور، بل ومضات سريعة تقدح شرارتها في الذاكرة وتمضي. هذا ما قفز إلى ذهني وأنا أشاهد أوائل مقالاتي المتخصصة في العلاقات الدولية والإعلام السياسي، وإطلالتي على الصفحات الأولى، في رحلة بدأت منذ العام 2003، واستمرت حتى الآن. رحلة جعلتني أفكر في أن هذا العالم الواسع الممتد، وهو بحر العلاقات الدولية، ليس مجرد مياه متحركة بدون ضفاف، بل محيط محكوم بتوازنات تاريخيّة لا تزال تلقي بظلالها على عالمنا حتى اليوم.
فهمُ العالم ليس ترفاً معرفياً للكاتب أو الصحافي المتخصص في الإعلام السياسي والعلاقات الدولية، بل هو شرطٌ مهنيٌّ يسبق الكتابة نفسها. فمنذ التحاقي بالإعلام السياسي عام 2003، ثم دراسته أكاديمياً، أدركت أن الخبر اليومي ليس سوى طبقةٍ سطحية تخفي تحتها تراكماتٍ تاريخية واتفاقياتٍ مفصلية وتحوّلاتٍ كبرى أعادت تشكيل ميزان القوى الدولي. من لا يمتلك مفاتيح التاريخ الحديث يقرأ الحدث معزولاً، بينما السياسة العالمية تتحرك في سياقٍ ممتد لا ينفصل عن جذوره.
أول هذه المفاتيح يتمثل في الاتفاقيات المؤسسة للنظام الدولي. فقد أرست «معاهدة وستفاليا» مفهوم الدولة الوطنية ذات السيادة، وهو المبدأ الذي لا يزال يحكم العلاقات بين الدول حتى اليوم. ثم جاء مؤتمر فيينا ليعيد رسم خريطة أوروبا بعد الحروب النابليونية، ويؤسّس لفكرة «توازن القوى» التي أصبحت لاحقاً أداة مركزية في السياسة الدولية. وفي القرن العشرين، شكّل مؤتمر يالطا محطة مفصلية قسّمت العالم إلى معسكرين وأطلقت مرحلة الحرب الباردة.
ومن المفاتيح الكبرى أيضاً التحوّلات التي أنهت أنظمةً كاملة وأعلنت ميلاد أخرى. فقد مثّل سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991 نهاية نظام القطبية الثنائية وبداية مرحلة الهيمنة الأمريكية. وقبل ذلك بعامين، كان سقوط جدار برلين رمزاً لانهيار الستار الحديدي وانفتاح أوروبا الشرقية على نظام عالمي جديد. هذه الأحداث لم تكن مجرد تغيّرات جغرافية، بل إعادة صياغة لمفاهيم الأيديولوجيا والتحالفات والأمن الجماعي.
في السياق العربي، شكّلت حرب الأيام الستة، المعروفة بالنكسة، نقطة تحوّل عميقة في الوعي السياسي والإستراتيجي العربي، إذ أعادت تعريف مفاهيم القوة والردع والتحالف. كما أن حرب الخليج الثانية بعد غزو الكويت دشّنت مرحلة جديدة من الحضور العسكري الدولي في المنطقة وأعادت ترتيب موازين القوى في الخليج.
ولا يمكن إغفال أزمة السويس التي كشفت تراجع النفوذ الاستعماري التقليدي وصعود أدوار دولية جديدة، أو اتفاقية القسطنطينية التي نظّمت الملاحة في قناة السويس وأكّدت أهميتها الإستراتيجية العالمية. بل إن الجذور الأعمق لفهم العلاقة بين السلطة والدين والسياسة تعود إلى مجمع نيقية الأول، الذي مثّل نموذجاً مبكراً لتداخل العقيدة بالقرار السياسي في تشكيل النظام العام.
إن قراءة هذه المفاتيح تمنح الكاتب والصحافي القدرة على فهم حركة العالم بوصفها عملية تراكم تاريخي لا سلسلة أحداث منفصلة. فعندما نتابع اليوم صعود قوى كبرى أو تحوّلات في التحالفات، فإننا نستحضر منطق توازن القوى الذي تأسّس في «فيينا»، ومبدأ السيادة الذي أقرّته «وستفاليا»، والانقسامات الأيديولوجية التي كرسّها «يالطا». بهذه الرؤية يتحوّل العمل الصحافي من نقلٍ للخبر إلى تحليلٍ للسياق، ومن متابعةٍ آنية إلى فهمٍ عميق لمسارات التاريخ التي لا تزال تصنع حاضر السياسة الدولية.




