ليس هناك أيّ رثاء يمكن له أن يكون محيطاً لما تشعر به.. وسعيد السريحي محيطٌ لا تحتويه المفردات.
سعيد لا يموت في داخلي، ولا أستطيع استيعاب فقده حتى أنني لم أحضر دفنه؛ لكي لا أتأكد أنه رُدِم تحت التراب.. أحبتي الأموات أحياء في حياتي، أبقيهم كما هم، مع التطعيم بقناعة أنهم على سفر، وأزور حساباتهم في مواقع التواصل، علَّ أحدهم يفيق من سفره، بعد أن ينفض التراب عن جبينه، بحثاً عن ماء يتخلص به من وعثاء السفر، كل من سافر من أحبتي لم يعد، وأظلّ في انتظاره على أرصفة العائدين، أمي الوحيدة التي تزورني للاطمئنان على وفائي لها بالبقاء محبّاً، كاشفة الدمغة التي أوسمتني بها ذات طفولة:
- الحياة حبٌّ، فلا تعش من غيره وتغادر أحلامي، بعد أن تشير للطريق الذي عليّ أن أسلكه ذات يوم؛ لكي التقي بكل أحبتي.
- أكان علينا شق غمام الغياب؟ كل سفر حبيبٍ أوسع معه مساحة الأرصفة التي أفترشها، وتلويحة الوداع لا أظهرها علّه يأتي من بعد غياب فاحتضنه كما لم أفعل ذات يوم.. كل الراحلين يجتمعون في نقطة وحيدة، وكل وقت، وأنا أحلم بإزاحة ستار البرزخ، لأقول لهم:
- طال الغياب، فجئتكم. ربما تفرح أمي بتلك الزيارة، أمي التي حملتني تسعة أشهر، سأطالبها بأن تعيدني جنيناً في بطنها.. نحن لا نستطيع أن نعيش من غير رحم يحمينا من كبد الدنيا.. وأنا منذ زمن طويل أبحث عن رحم ينجيني من بكاء الفقد، فقدت أحياء كثيرين، وأمواتاً كثيرين، وليس هناك من ملجأ إلا الانتظار على أرصفة المودعين علَّ أحدهم يأتي.




