التصقت فقاقيع الطلّ الصباحي بأحجار الطرق، وعَلِقتْ بحلوق بيبان يكاد خشبها ينخلع شوقاً إلى ندى طال غيابه، جبدت (كبيرة المقام)؛ مصنفها الزبيدي من فوق حبل نايلون ممتد فوق سريرها، والتحفت به، أدخلت طرفاً منه تحت ابطها الأيسر، وأعلت الطرف الآخر على كتفها الأيمن، ثم عقدته بزاوية بين صدرها وبطنها؛ وتناولت عصاتها العُتم التي تسميها (مِذهِبه) من وراء خصاف الحبّ، (تفخر بأطول عصاة في محيطها برغم قُصر قامتها)، وكلما نشدها الصغار؛ ليش تسمينها «مذهبه يا جدة»؟ تجيبهم؛ لنّها تذهب الجنّ من روسكم، وعندما يستلطفون مزاجها، يتعمّدون استثارة عباراتها اللاذعة، فيسألونها؛ ما كن عصاتك أطول منك يا جدّة؟! فتردّ، وعلى محياها ابتسامة قرويّة؛ تجيد اللعب بالمفردات (أعرف مقداري عند الكلاب) ! فيشرع الأحفاد والحفيدات في النباح، فتقوم عليهم قائلة؛ أبشروا بمذهبه، فيتفرقون سريعاً وهم يتضاحكون.

دفعت بعصاتها غطاء القُترة، النافذة من داخل البيت إلى السقف، وأزاحته لتمكّن ضوء الشمس من الولوج إلى الفُرُش والجدران وشُقاق الحطب المردوم فوق الحِرانة، مرددة؛ يا الله سفرك اللي ما يظلم ووجهك الراضي اللي ما يعتم؛ تحفّز أهل البيت الخامدين من طول عناء أمس للنهوض؛ نقّطت من حواف تنكة القترة فوق رأسها قطرات الطلّ، فمررت عليها أصابعها المحنّاة، ومسحت بها وجهها وقالت؛ إذا طلّ هلّ؛ وأضافت؛ يا الله تعطيناه برضا، ولا تورّينا قوّتك، وتكفينا غضبك، وشديد عقابك؛ فسمعها حفيدها البكر، فأزاح بطانيته عن نصف جسده العلوي، وقال بحرقة ويأس؛ وهو يتحكك من حَمَط الدّياس؛ الله يعطيناه بقوّة لين تغدي سما وما؛ ونظلّي كما الكعم فوق وجه السيل.

صدّت دعوة الجدة المبروكة، وما مالت شمس نهارهم للزوال، حتى قلب الجوّ، وحدْسُ القرويين لا يخيب؛ اللي في الوادي راح، واللي في البيت ما سرح، وانطلقت أصوات الأمهات تنادي الرعاة وحماة الطير (روحوا.. السيل فيكم)، وانطلق نسوة لاقتلاع صكك الحمير من المراغات المجاورة؛ وقبل ما ترخي السماء أثمام القِرَب العلوية، أسربت الغنمان وراء بعضها، وكلما حاذت خزلة منها؛ منزل أهلها فرقت وانفرزت وراحت، دون تدخل رعاتها؛ دنّ الراعد؛ واختلط صوته، بأصواتها التي تملأ المساريب بالهذّاء، وزادت في سرعتها لما بلغ سمعها صوت هذي بهمها المحروم من الرضاع من صباح العالمين، حتى بالكاد ينشغ (بأاااا).

صعد المذّن فوق المسيد ليؤذن لصلاة العصر؛ وضربت صاقعة في جبل يشرف على القرية من شمالها؛ فنزل يسعى ما كمّل (حيّ على...) وهو يردد؛ (حوالينا ولا علينا) ردّت عليه جارة المسيد (مرزيّه)، وين حوالينا يا ديكان، وانحن أحوج من غيرنا؛ إلا علينا ثم علينا خذلك ربي يا الذلال، فلم يردّ عليها؛ كي لا ينسى أذانه؛ وينشغل بمجاراة أُم الرُّقم.

افتزع (أبو مذاري) بالجماعة عقب الصلاة؛ ديّستي محروصة من أمسي ما هبت البحريّة نذرّي؟ فقال العريفة؛ هب لها بعرة فوق حجر وتهبّ عليك هبهب الله عليك، تضاحك الموامين؛ فغيّر العريفة نبرة الصوت؛ نافدى النشامى؛ تكفون استروا حنطة رفيقكم لا تغديها السما خيسه، فتنادوا نسوان ورجاجيل وأطفال؛ بالقشابي وأكياس العلفة؛ وهبّوا ونقلوا الديّسة حبّها وعلفها إلى بيت (بيحان) ولحقهم البلل؛ وسرى عليهم أبو العطايا؛ والجدّة ودّها بالمرقة.

ولكي تغيض زوجة ابنها، انفردت بالحفيد (المشوّش)، وناولته شفرتها اللي ما تظهرها إلا لحيف أو ضيف، وخفتته في أذنه؛ فانمرش مع الدرج؛ احتزّ (المشوِّش) رقبة الدجاجة البيّاضة (سَكَبه) بعدما أحكم قبضته على منقارها كي لا تصدر صوتاً، علّقت أمه؛ والله لنغزني صدري، ودقني قلبي؛ يوم شفت (حجر أبو علي) تخفتك، أحرمتنا البيض، الله يلوي لسانها عن الشهادة؛ وينتبزها نبز الشوكة من كعب السفيه.

نقعت الجدة (سكبه) في ماء ساخن؛ وطلبت من حفيدتها؛ تناولها القُطف؛ فأخرجت منه سبع حبات بُنّ؛ وقالت بانفعال؛ امسكي بقلبك يا هَمله؛ واعطي أمك تحمسها، وتشهّفها لين أصلّي المغرب، احتجت زوجة الابن بصوت مسموع؛ ذلحين أصب حليب الغنم في الشكوة، والا أنتف ريش الدجاجة، والا احمس قهوة، حمّد يا تُهمان.

افتقد ديك (أبو مذاري) زوجته الدجاجة (سكبة) فانبرى للتفتيش عنها، وصعد درج بيت الجيران نافشاً صدره وريشه؛ ودخل مستثمراً نور الفانوس المبقبق، واقترب من الطباخة، فأيقن أن سكبة، غدت مرقه، لمحه المشوّش؛ وقال؛ تسري وإلا ألحقك مرتك؟ لم يرجع لمأواه إلا بعدما انتقم منهم، شاف طحين الشعير في صحن؛ فقفز فوقه، وبعثره في كل اتجاه ؛ وما أحد انتبه من الأسرة الملتمة حول ملّة الخبزة.

طلبت الجدة من (هملة) تعجن عشاهم، وعندما اقتربت من الصحن، لم تجد فيه ما تقبض عليه كفها، حاولت إقناع الجدة تستلف من جيرانهم طحين كندي يهني بالهُنا، ردّت عليها شعرا؛ وإن تعوّدنا على حبّ الكند من يمنّه لنا؛ ثم غيّرت الطرق من عرضة إلى لعب (حب الكند ما نريده؛ ما نشتي إلا الشعيري).

شمّ (أبو مذاري) رائحة المرق، فوهّم أنهم تعشوا ديكه؛ غرّز أسفل ثوبه في كمره، تفادياً للبلل من قوة دفق ماء المطر من السيالات والسُّربان؛ وقصدهم؛ لقي الديك تحت جناحهم يرتعد برداً وحُزناً، فاحتضنه، ودعب ما سلّم، وهم منشغلين بالأكل، ولم ينتظر منهم عزيمة للمشاركة، دخل بين الجدّة والمشوّش؛ واختفس له دغبوساً، ولحق جناح من الدجاجة؛ وغادرهم يتلحّس أصابعه، وديكه على صدره؛ قالت الجدة؛ عساه تواك يا عيرنا؛ إن كان شَبَرْنا حنطتك، وجيت تتلقم شعيرنا.