-A +A
حسين شبكشي
أنتمي إلى جيل كانت له قواعد وسمات للتواصل الاجتماعي بمعناه القديم سواء أكان ذلك فيما يتعلق بالمجالس العامة أو اللقاءات الخاصة. وهذه القواعد لها علاقة بطبيعة المواضيع التي تفتح ونبرة الصوت وطريقة الجلوس وغير ذلك من التفاصيل المهمة، ومن ضمن كل ما سبق ذكره كانت النكتة أو الطرفة لها مكانها في السياق المجتمعي الكبير.

والنكتة بالإضافة إلى كونها «ترطيب» للمجالس الجادة كانت بمثابة أداة قياس للمزاج الشعبي العام في الشؤون الاجتماعية أو الاقتصادية أو الرياضية أو غيرها من المواضيع. فإذا انتشرت نكات عن موضوع بعينه عرف أن هذا الموضوع هو الذي يحتل تفكير الناس وقتها ويسخرون منه بإطلاق النكات.


ومع مرور الوقت وزيادة الوعي الحقوقي ومعرفة شرائح أكبر من الناس بما هو لائق وبما هو غير مقبول أدبياً واطلاعهم على مصطلحات جديدة عليهم مثل العنصرية والتنمر والتمييز اختفت بالتدريج النكتة التي كانت تسخر من الناس لأشكالهم أو دينهم أو مناطقهم وخصوصاً مع ظهور قوانين وأنظمة جادة ورادعة لمن يقترف ذلك.

ومع تطور وسائل التقنية الحديثة وزيادة اعتماد الناس على وسائل التواصل الاجتماعي العصرية اختفت النكتة وحل مكانها مقاطع يتبادلها الناس على موقع «الواتس آب» عليها أصوات مركبة كتعليق على خبر الأسبوع الذي نال الاهتمام الشعبي.

وأصبحت هذه المقاطع هي نكات العصر الرقمية، ولكنها لم تعد لها نفس النكهة القديمة في أسلوب الإلقاء والتفاعل مع المتلقي.

وهذا التحول هو صورة وتفصيل جديد يؤكد أن التحول الرقمي ليس خطاباً، بل هو تمثل للمعرفة مقرون بفعل وممارسة، فعندما يدرك المجتمع أن الرقمنة والثقافة الرقمية هما رؤية شاملة للحياة يصبح في مقدور المجتمع تأطير التحول الرقمي في قواعد والركون إليها، وهذا ما يشير إليه الباحث اللبناني الأهم في مواضيع الرقمنة والذكاء الاصطناعي غسان مراد في كتابه الجديد «مرايا التحولات الرقمية». التحولات الرقمية في حياتنا تطال معظم المكونات بالتدريج حتى تصبح بديلاً واقعياً وتبقى الأمية الإلكترونية أهم مانع لتحقيق التحول الكامل بسلاسة.

النكتة كانت وسيلة شبه معتمدة لمعرفة الرأي العام وإن كانت بطبيعة الحال تفتقد إلى التوثيق العلمي الدقيق، واليوم تحل محلها النكتة الرقمية على الهواتف الذكية المحمولة، والتي من الممكن بطبيعة الحال مراقبتها ومتابعتها وتقصي التفاعل معها وبالتالي معرفة الحالة الذهنية السائدة في المجتمع في حينه. انتهى زمن الابتسامة التي كانت تصاحب جملة تبدأ بعبارة «مرة واحد» لتحل محلها نغمة استقبال لرسالة آتية على موقع «الواتس آب».. هناك فرق!