-A +A
صدقة يحيى فاضل
لمن سألني لماذا هذا الاهتمام الذي تبديه أنت، وكتاب سياسيون عرب آخرون، بما يحدث في أمريكا من تطورات سياسية ملحوظة، أذكره بأن: معظم ما يتم الاهتمام به من «أحداث أمريكية»، يستحق، بجدارة، أن يهتم به، ويتبصر في أمره ومغازيه، وبخاصة إن كان حدثاً أو أحداثاً كبرى، كما يحصل في الوقت الحاضر، في هذه الدولة القطب، التي لها تأثير سياسي واقتصادي واجتماعي عالمي هائل. فببساطة، نهتم لأن أمريكا هي الدولة العظمى الوحيدة الآن، وحتى إشعار آخر. ولأن ما يحصل فيها، ومنها، يؤثر تأثيرا بليغا في الغالب، في معظم مناطق وبلاد العالم، وخاصة منطقتنا العربية. وأغلب محللي السياسات في العالم يتطرقون دائما للأحداث الامريكية الكبرى. ومن هذا المنطلق، يأتي اهتمام كاتب هذه الأسطر بقضايا أمريكية محلية الأصل والمنشأ، عالمية الوقع.

وسيظل ما حصل بأمريكا يوم «الأربعاء الأسود»، 6 يناير 2021م، أعمق وأخطر بكثير مما ظهر على السطح. إنها «العنصرية» البيضاء.. الضاربة بأطنابها في عمق النفسية الأمريكية. وهو «التشيع» السياسي للجنس الأبيض، ولقيمه المعروفة، وفخره بنفسه واستعلائه (White Supremacy). هذا التشيع الذي يمكن، عندما يتفاقم ويتطرف، ويشتعل فتيله، أن يقود لانفجار مجتمعي.. يهدم في ساعات ما تم بناؤه خلال عقود.


ويجب عدم لوم أي إنسان على ما يكمن في نفسه من «تفضيل» وتشيع، خفي وظاهر لبني جلدته. فهذا أمر طبيعي، نادرا ما يخلو بشر منه. العيب عندما تنظر فئة لأخرى باستعلاء، وتظن أنها الأولى بكل ما في مجتمعها من مزايا. والكارثة تحدث عندما تتجسد هذه النظرة في الحقد، واستخدام العنف ضد الآخر المرفوض. وتكفل القوانين المناسبة، والتطبيق السليم لها، ردع أي خروج على الحق المألوف، والمتفق عليه، الضامن للأمن والسلام، والحياة البشرية الطبيعية المنتجة. ونحاول هنا توضيح هذا البعد فيما حصل، عندما قام مناصرو الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، بدعم وطلب منه، باقتحام مبنى الكونجرس، أثناء جلسته المشتركة، لإقرار تصويت المجمع الانتخابي (Electoral College) الخاص بانتخابات الرئاسة الأمريكية، وعطلوا جلسته. وكان هدفهم الحيلولة دون إعلان جوزيف بايدن رئيسا لأمريكا. الأمر الذي ما زال يثير قضية سياسية وقانونية كبرى في الولايات المتحدة.

****

ما زالت أمريكا هي قلعة الديمقراطية في العالم، بل وأقدم قلاعها، رغم ما حصل فيها، يوم 6 يناير 2021م، من سلوكيات غوغائية عنصرية وإرهابية، تمثلت في خرق حرمة مبنى الكونجرس. ولكن هذا الاقتحام سيظل جرس إنذار لكل الأمريكيين، وكل من يهمه أمرهم، و«دافعاً» لمراجعة الذات، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بعدم تكرار حصول ما حصل، والحيلولة دون ظهور مستبدين جدد، على غرار الرئيس السابق ترمب. وهذا يعني ضرورة إعادة النظر في بعض القوانين والمؤسسات، ودعمها، لتمكينها من تحقيق هذا الهدف.

لا يوجد قانون على وجه الأرض إلا ويحتاج لمراجعة دورية، لجعله مواكبا لتطورات الشأن الذي يحكمه، عبر إجراء التعديلات اللازمة فيه، من حين لآخر، وعندما تقتضي الضرورة. والدستور الأمريكي الذي بدأ العمل به اعتبارا من عام 1789م، أجريت عليه عدة تعديلات حتى الآن. وهو يعتبر من الدساتير الجامدة، أي التي يصعب إجراء أي تعديل فيها، إلا عبر إجراءات واحتياطات مشددة ومطولة. وقد أجري عليه حتى الآن سبعة وعشرون تعديلا، تم اعتماد آخر تعديل عام 1992م. ولكن، ما زالت هناك تعديلات يجب تبنيها، لتكريس جوهره، والمبادئ التي يقوم عليها، ويسعى لاستتبابها.

ولعل من أهم ما يجب، في رأيي كمراقب صديق، أن ينظر مشرعو الولايات المتحدة في دراسته وتبنيه، سواء في دستورهم أو قوانينهم الأساسية، هو التعديلات السبعة التالية:

1- تشريع ما يشجع على تواجد أحزاب سياسية أخرى، تمثل كل التوجهات السياسية للأمريكيين، وتتنافس مع الحزبين الرئيسين الكبيرين السائدين حاليا. صحيح، أن قانون الأحزاب السياسية يتيح إقامة الأحزاب السياسية المختلفة، وفق مواده. وقد تواجدت أحزاب عدة. ولكنها ما زالت ضعيفة، وغير جذابة. والمقصود هنا تشريع ما يؤدى لكسر احتكار الحزبين الكبيرين للسلطة، طيلة عقود، بقيام أحزاب قوية أخرى. أو حتى تشجيع التوجهات المتفرعة من الحزبين الكبيرين، على التحول لأحزاب قائمة بذاتها.

2- دراسة إلغاء مبدأ «المجمع الانتخابي» في انتخابات الرئاسة الأمريكية، وجعل كل أمريكا عبارة عن دائرة انتخابية واحدة... ليفوز بالرئاسة من يحصل على أكبر عدد من الأصوات الشعبية. وفى هذه الحالة سيكون للولايات الأكثر سكانا القول الفصل أيضا في تحديد الفائز بالرئاسة. ولكن ذلك سيكون أخف وطأة من «الثقل الانتخابي» الذي يعطى للولايات الأكثر سكانا، عبر «المجمع الانتخابي».

3- تشديد شروط المرشحين لرئاسة الدولة، وكذلك المرشحين لمجلسي النواب والشيوخ. وذك عبر تبنى اشتراطات جديدة، وضرورية، ومنها توفر قدر معين من التعليم والثقافة، والشخصية السوية المؤمنة بالقيم السياسية الأمريكية، في المرشحين. ونكمل هذا الحديث في مقال الأسبوع القادم، بإذن الله.