-A +A
عبداللطيف الضويحي
لا أحد بوسعه الوقوف طويلا في المنتصف وإلى ما لا نهاية، فالمنتصف لا يعني دائما الاعتدال، إنما يكون الاعتدال سبباً عندما يكون التطرف شيئاً واحداً أو كتلةً واحدةً، من غير الواضح فيها اليمين واليسار، وهذا يتجلى عندما توغل المجتمعات بالتقليدية والبساطة، لكن هذا الاعتدال سرعان ما يصبح واقعا تكبر وتصغر مساحته وحجمه وثقله وتأثيره، كلما اتضحت وبرزت معالم تطرفين اثنين عن اليمين وعن اليسار. فالاعتدال في المجتمعات الديموقراطية نتيجة لتطرفين اثنين؛ تطرف اليمين وتطرف اليسار معا.

لكن لطالما الحروب في قاموس السياسة الأمريكية كانت غايةً مثلما هي وسيلة! عقود من الزمن ومكنة الحرب الأمريكية هي المطبخ الرئيس والأساس لديناميكية السياسة الأمريكية، خاصة إبان الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي وما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.


خلال السنوات الأخيرة، ظل الإرهاب مطبخ الحياة السياسية الأمريكية حتى عندما تتلون بالاقتصاد، يظل الاقتصاد يدور في أتراس الحروب التي تخوضها آلة الحرب الأمريكية في أكثر من منطقة من مناطق العالم.

في السنوات الأخيرة، ظلت السياسة الأمريكية تدور بقطبيها الديموقراطي والجمهوري وتتغذى داخليا وخارجيا على موضوع الإرهاب، رغم أهمية وحجم التحديات التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية في العالم والتي تتجاوز حجم وأهمية الإرهاب، ناهيك عما تتحدث به مصادر مختلفة وبينها أمريكية من أنه كان إرهابا تم «تصنيعه وتعليبه وترويجه» غالبا بعلم أو بمشاركة أمريكية.

فهل تخرج السياسة الأمريكية عن مسارها التقليدي؟ يبدو أن مآلات الانتخابات الأمريكية الأخيرة كشفت للرأي العام حجم الفجوة الكبيرة بين اللعبة السياسة الأمريكية. لا أحد يقلل من أهمية وحجم المشروع الأمريكي خلال فترة الحرب الباردة في إيجاد نوع من التوازن القطبي، لكن القطب الآخر اليوم ليس روسيا، إنما هو الصين التي تفوق قدرات الاتحاد السوفييتي حينئذ، اقتصاديا وتجاريا، وسياسيا، عسكريا والأهم تقنيا.

من هنا، نخلص إلى أن الرئيس الأمريكي الحالي جوزيف بايدن لن يكون نسخة عن الرئيس السابق باراك أوباما، حتى لو أراد، لأن نتائج فايروس كورونا في الولايات المتحدة وفي العالم، وقرارات ترمب حيال العديد من القضايا في السياسة الخارجية الأمريكية، لا تسمح للرئيس بايدن باستنساخ سياسة باراك أوباما الخارجية حتى لو أعاد جميع طواقم أوباما البشرية للإدارة الحالية، بل ستبقى هذه الإدارة منغمسة لفترة ليست قصيرة بنقض ما تستطيع من قرارات الرئيس السابق ترمب، ومسايرة البعض من سياسات ترمب التي يتعذر نقضها.

أضف إلى ذلك أن الجناح الذي ينتمي له هذا الرئيس، ليس متطرفا كما هو الجناح الذي تنتمي له هاليري كلينتون، ناهيك عن قدرة أمريكا العسكرية والاقتصادية وحتى السياسية التي تآكلت ومرشحة للكثير من الانكسارات.

ففي ما يتعلق بالشرق الأوسط، قد يكون من الحكمة استباق الكثير من المتغيرات الدولية، والسعي الجدي والحثيث للعمل على مشروع عربي للدول المؤمنة والقادرة على مواجهة المشاريع الإقليمية غير العربية في المنطقة والتي تستند في الغالب إلى حاضنة من الحواضن الدولية التي لا تبني تحالفاتها على منطلقات أيديولوجية.

إن المشروع العربي المأمول في مواجهة المشروعات الإقليمية لن يكون تكرارا للمشروعات العربية السابقة؛ لأنه سيولد في ظروف مختلفة وعلى أسس استفادت من الأخطاء السابقة.

كاتب سعودي

Dwaihi@agfund.org