-A +A
فؤاد مصطفى عزب
هناك أصوات تمنيت أن تودع معها الأيام، وهناك أصوات أخرى لم يعد لها مكان في حياتك، فقد حذفتها من أجندة أيامك، وهناك أصوات ما زالت حريصة أن تمنحك لحظة سعادة، رغم أن السعادة أصبحت ضيفاً عزيزاً، ولأن الحياة ليست حبيبة لأحد، يتحول الأحباب إلى مقطع من أغنية فيروز «حبو بعضن.. تركو بعضن» يصبحون جرحا في جبين، وتصبح الأيام بينكما ماءً وتراباً وأرضاً لا تنبت فيها زهراً، وتلويحة وداع، وضحكة بين الضلوع، وذكرى لمقهى على مفرق سهر، وجلسة على أريكة هي الأجمل في نفسك، وفناجين مرتجفة في برد باكر، على حافة شهقة من نحيبك، ونكهة غليون مبهر، تخاطبك اللحظة أن تمهلك معطفاً من عظامك، هي الحياة لها أسماء كثيرة، أجملها ما يملأ عينيك كل يوم كرفيق على غصن، تعلق عليه ضحكتك، يتسلل إلى جروحك، عندما تبحث عمن يحيي روحك، كضماد على أبد، وتتساءل كيف تحول بعض الأصدقاء إلى أشخاص عابرين كإعلانات الشوارع وكسيارات الأجرة الشاغرة، وإلى قطن متطاير، من كان عطرك العالق بثوبك، تحول إلى تنهيدة لزهرة، وأغنية عابرة من نافذة عربة، من كان عندك يوما قمرا على مدينة، تحول إلى كشك نائٍ على ضفة في صحراء، وشجرة مشتعلة في مدفأة، وتتخلى عن غريزة الفراق، وتشابك الأيدي، وتغلق أبواب الزيزفون في قلبك، تأخذ الحب وتترك الأسى، وحتى الحب القديم يتحول إلى مشوار أقصر من أغنية، ومفاتيح في يد سجان، وقلوب متفرقة، وتحس أن هناك من نهب جزءا من عمرك، حيث يتحول الهاتف الذي لا يهدأ منه إلى شجرة خالية من العصافير، وتبدأ تحصد الأصفار، كلما أحصيت الأصدقاء، وتغفو من تعبك على ياقة قميصك، وتبدأ في كنس ظلال السعف، بسعف من ظلال، تراقب الأيام الفارة كحفنة من الرمال، ونصيحة مجرب وليس طبيبا، لا تحزن على من اختفى فجأة ولم تجد له مكانا، ولكن كن حريصا على هذا الإنسان الذي ما زال يشعرك بأنه يعيش معك، رغم أن المسافات ابتعدت والأماكن، لا تهتم كثيرا بمن لا يسأل، لأن له حياة، ربما اختار رفيقا آخر، وربما وجد نفسه لدى قلب أكثر أماناً ودفئاً، ولكن الحرص ينبغي أن يكون على قلوب تأوي إليك، وتجد الأمن والسلامة معك، لا بد أن تعترف أن الحياة تتغير وكذلك البشر، وأن من كان بالأمس حبيباً أصبح غريباً، لا تفكر من الضحية ومن الجاني، أنهي تلك الجريمة بالعناق!! لا تتجرع الشاي الأسود وحيداً كزاهد مستريب، لا تحصي نفايات الهزيمة، لا تسكب الأحبار على الجروح، احتفل بانتهاء تلك العلاقات التي نمت على الأشواك، وحاول أن تعيش الحياة كما تحب، فالحياة قصيرة، لا تستحمل دموعاً فاض بها الشوق للقاء الريح، أو الركض إلى فردوس زاخر بهذيان مرضى الزهايمر!!

كاتب سعودي

Fouad5azab@gmail.com