رغم كل البؤس الذي يلف العالم والذي لا يستثني أحداً، والحذر والخوف اللذين يعمان الكرة الأرضية، والنداء من كل صوب تفرقوا، لا تجمعوا، لا تعبروا عن محبتكم لبعض، تحادثوا عن بعد، لا تهمسوا، لا تقبّلوا، لا تعانقوا، كأنها دعوة مبطنة لا تحب أحداً، ولا تقترب من أماكن الحبِّ، لا تضع رأسك على كتف أخيك، لا تخبئ وجهك في صدر أمك، لا تحن، لا تعبّر لا تسلّم، ممنوع الاقتراب من البشرية، ممنوع لم الشمل، تفرقوا ما استطعتم..
ما أبشع المشهد، وما أصغر الإنسان، وما أتفه التقدم، ما أقبح العجز، ما أصعب العيش خوفاً من فايروس كنّا أصغر من أن نحاربه وكان أفتك مما توقعناه، ما أقسى ما يحدث، شيء يشبه يوم القيامة «وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ».
أصبح الاقتراب من الحيوانات أسلم، وصارت الناس تخاف من بعضها، لمَ كل هذا الصخب؟ ماذا فقدنا من إنسانيتنا لندفع هذا الثمن؟ ماذا أضعنا من قيمنا في اللهاث للعيش؟ ربما الكثير فصرنا «لا تحب لأخيك ما تحبه لنفسك»، قسوة الأمم على بعضها البعض الذي لف البشرية، العنجهية التي تغللت في النفوس، التعالي المريض.. منع السوري أن يحلم بالسفر أو يقترب من حدود جيرانه، شعب بأكمله سجين قضبان، سجنه صنعه العالم بقسوة ضيّق المكان عليه، شعب بأكملة رفضه الكون حتى الموت صار حلمه، نصف الرجال أنحنوا من البؤس وقهر الرجال، صار عادة يمارسها البشر
والعالم المهزوز، واليوم العالم كله ممنوع من السفر، والنداء الأخير صار عذراً أخي الإنسان أنت ممنوع. من الاقتراب من البشرية.. هزمتنا جرثومة.


