المقولات هنا يراد بها السمات التي تميز الموجود الإنساني بشكل كلي. فهي تقال على الإنسان بوصفه إنسانا وهي موضوعية وضرورية. وهي ثلاث: الظهور أو الوجود، والإدراك، والحرية. ومن خلال هذه المقولات الأنطولوجية نشتق باقي المبادئ العقلانية الضرورية التي تحكم الموجودية البشرية: كالحياة، والعقلانية، والعدالة، والمساواة وغيرها.
الحق في الحياة مثلا مبدأ عقلي ضروري من المبادئ الأخلاقية (أو الإنسانية) وهو حق يجب أن يحوزه كل إنسان. وهو مبدأ عقلي لأنه مشتق من إحدى مقولات الوجود وهي الظهور، لذا فلا أحد يختلف في كون القتل -بوصفه هدرا لحق الحياة- عملا غير مشروع، أو بلغتنا هنا: عمل غير عقلاني لأنه اتجاه نحو العدم. هنا ينشأ السؤال: كيف نبرر القتل والإعدام مثلا بوصفهما سلبا لهذا الحق؟ فإذا استثنينا المجرمين القتلة الذين يعرفون أنهم مخطئون، كيف نبرر للقوانين «العادلة» التي تبيح الإعدام؟ وكيف أيضا أبرر لشخص قتل شخصا آخر دفاعا عن نفسه؟
الجواب: القتل هو إهدار لحق المرء في الحياة، وهو خطأ مبدئيا. بل إنه يظل خطأ باستمرار. وهذا ما يجعلنا نشرع القوانين التي ترمي إلى هدف واحد: تبرير القتل ولكن بمعنى: تصويب الخطأ، أو مقاومة الخطأ بخطأ لتحقيق الصواب. وهنا الفرق بين العادل والمجرم. القضاء يكون عادلا في إقرار جريمة الإعدام رغم أنها عقوبة خاطئة عقليا. لكن العقل يعطي الأولوية للخطأ على الصواب من أجل صيانة بقية الحقوق. في هذه الحالة نقول إن الخطأ صواب والصواب خطأ ولكن على سبيل المجاز. فالإعدام تم تسويغه ولكن من خلال مقولات الوجود نفسها (المقولات العقلانية في الوقت عينه). فإذا قتل امرؤ امرأ آخر دفاعا عن نفسه فهو يبرر خطأه بإحدى مقولات العقل الأنطولوجي. لكن، لو فرضنا أن امرأ قتل آخر لأنه يكرهه فخطؤه غير مبرر والحال هذا؛ لأنه غير مسنود بسند عقلي.
الخطأ «وهو الإعدام، أو السجن مدى الحياة» أفضل من الصواب «وهو الحق في الحياة، أو الحرية» لأن الخطأ يفضي إلى الصواب بينما الصواب يفضي إلى الخطأ؛ فيكون الخطأ صوابا، والصواب خطأ في هذا السياق فقط، ولعبة الأحكام هذه (أو نسبيتها) تظل مشدودة للمقولات الأساسية؛ فهي التي توجه حركتها وتبرر تغيراتها «النسبية». من هنا وفي هذه الحالة يكون الصواب ليس المبدأ بل الغاية. أو يتم التركيز على الصواب كغاية، بينما فلسفيا يتم التركيز عليه كمبدأ أو مقدمة. أما لماذا لا أسمي الخطأ في هذه الحالة صوابا والصواب خطأ فلأن العقل مبدئيا يأنف من القتل أيا كان المبرر (فالقتل دفاعا عن النفس بوصفه «قتلا» خطأ عقلي إذا حكمنا عليه وفقا للمقولات الأساسية، ولكنه صواب نسبي، بشرط أن يظل، أيضا، محكوما بالمقولات نفسها لكي تكون نسبية موضوعية: أي معقولة). لذا فقوانين العقوبات هي تطبيق «عادل» للأخطاء. ولا ريب إذن حينما يقول أحد الفلاسفة «إن السياسة شر لأنها نشأت من وجود الشر فينا»، وكان يحتقر السياسة والساسة بسبب من هذا. والسياسة هي الفضاء المتاح حاليا لتطبيق القوانين.