إنها قصة من الواقع وليست من نسج الخيال، بل هي حقائق واقعية وحياة صعبة تعيشها أكثر من 30 أسرة على بعد 80 كيلومترا شمال منطقة المدينة المنورة في وادٍ يطلق عليه «بواط».
وتتناثر منازل هذه الأسر المصنوعة من الصفيح وبعض الأخشاب، على جنبات وادي «بواط»، بلا كهرباء ولا ماء ولا أدنى مقومات الحياة العصرية، ولا وسائل اتصالات ولا مدارس.. والطريق الوحيد الموصل لها يمر عبر رؤوس الجبال الشاهقة ولا تسلكه إلا المركبات ذات الدفع الرباعي، ويحدق بهم الخطر من كل جانب، وأبرز هذه المخاطر الأمراض التي يتعرضون لها ولا يجدون من يسعفهم، فيما تحولت الآبار القليلة بالوادي التي كان يستعين بها الأهالي لسقيا أنفسهم ومواشيهم إلى أثر بعد عين جراء السيول وقلة الأمطار والتي ساوت بعضها بالتراب، وكذا الحال بالنسبة للأشجار والطرق المؤدية إلى منازلهم.
«عكاظ» رصدت حجم معاناة ساكني وادي «بواط» حيث تعيش هذه الأسر المعزولة في صنادق وهناجر، يعيدون لملمة أجزائها كلما حولها السيل أو الرياح إلى أشلاء متناثرة في بطن الوادي.
وذكر زيدان حمود الذبياني «90 عاما»، أن سبب مكوثهم في هذا الوادي وعدم تمكنهم من الخروج هو قلة الحيلة التي تمكنهم من الانتقال إلى موقع آخر، وقال: «اعتاد الأهالي على وضعهم قبل أن تشح المياه وتطمر الآبار وينضب ماؤها نتيجة السيول وقلة الأمطار، لذلك نجلب المياه من مسافات بعيدة قد تصل إلى 20 كيلومترا عبر تعبئة «أشرعة بلاستيكية» تستخدم للسقيا».
ويسرد العم زيدان فصولا من مأساة الأسر في هذا الوادي بالقول: «يواجهون الحياة في هذا المكان دون كهرباء التي تعد عصب الحياة العصرية، وهناك من الأسر من حاولت جلب مولدات كهربائية ولكنها تراجعت عن الفكرة عندما علمت أن تكلفة هذه المولدات قد تصل إلى 12 ألف ريال، وهو مبلغ كبير لا يمكن توفيره عطفا على أوضاعها المالية، خاصة وأنها تعيش على التمر واللبن وتعتمد على بيع الماشية في تأمين رزقها والصرف على متطلبات تعليم أبنائها الذين يقطعون مسافة 20 كيلومترا عبر تضاريس وعرة للوصول لأقرب مدرسة في المليليح».
وأضاف: «تقدمت أسر الوادي بطلب للشركة قبل 10 سنوات لإيصال التيار الكهربائي لمنازلهم دون جدوى»، فيما جسد المسن مسفر حمد الجهني «82 عاما» شيئا من معاناة أهالي وادي بواط، حيث يسكن في بيت أنشأه بجهد ذاتي قبل أكثر من ثلاثين عاما في طرف الوادي لاتقاء خطر السيول، وهو مبني بألواح الخشب وقليل من أجزاء بيت الشعر كي يضمه هو وزوجته التي تقاسمه الحلوة والمرة على مدى أكثر من نصف قرن، وقال: «أسكن طرف الوادي منذ أكثر من نصف قرن في عزلة عن العالم الخارجي ولا نجد من سبل الاتصالات الحديثة ما يربطنا بأهل الخير من الجيران، ونحن نحلم بالكهرباء منذ عدة سنوات، فعندما يحل الظلام نحتمي بمنزلنا المتواضع ولا نخرج منه خوفا من الحيوانات المتوحشة ولدغات الثعابين السامة التي تظهر كثيرا في هذا الوادي وخصوصا في الأجواء الحارة».
ويشير العم مسفر إلى أن ما يأخذه من الضمان الاجتماعي لا يكفيه مع زوجته، لأنه كما يقول يحتاج إلى زيادة في الضمان لمواجهة أعباء الحياة الكثيرة.
قصة أخرى لعوض بن رجاء الذبياني «79 عاما» والذي قام ببناء منزله البسيط في طرف الوادي، وشيء من الصفيح لماشيته التي يعتمد عليها في غذائه هو وأسرته.
يقول عوض: «من ير حالة من يسكن هذا الوادي من الأسر يدرك مدى حجم المعاناة التي يعيشها هؤلاء السكان والذين يكابدون الأمرين في الحياة من نقص الكهرباء ونضوب مياه الآبار وقلة ذات اليد التي تمكن السكان من توفير سبل الحياة الحديثة»، ويضيف: «هذه الأسر هم في حاجة ماسة في هذا الشهر الكريم إلى سلة غذائية شاملة لجميع احتياجات الأسر حيث إن أغلب الأهالي يفطرون على الماء والدقيق وحليب الأغنام ويقتاتون من الحطب والفحم والمواشي مأكلا ومشربا في منطقة معزولة عن المحسنين وأهل الخير».
ويؤكد الذبياني أن حرمانهم من الخدمات الضرورية جعلهم بين فكي «الرحيل المر» من الوادي والبحث عن سبل الراحة، أو البقاء في أماكنهم، وهو ما يقومون به الآن إلا أن قلة ذات اليد تمنع الكثير من الأسر من مغادرة طرف وادي بواط لأسباب معيشية محضة وعليهم تحملها.
ولم يدر بخلد محمد مطلق الجهني «70عاما» أنه سيأتي يوم يواجهون فيه حياة قاسية إلى هذا الحد - على حد قوله، ويروي الجهني عن وادي بواط فيقول: «الأسر التي تنتشر على أطراف هذا الوادي أسر كثيرة يزيد عددها على 30 أسرة من مختلف الأعمار، يلتحفون السماء ويفترشون الأرض لقلة ما عندهم، فهؤلاء ليسوا أهل تجارة أو بيع وشراء بل أناس على قدر حالهم، تكفيهم اللقمة المتوفرة في الحال فليس لديهم أموال لبناء مساكن تقيهم الحر والبرد، بل مجرد عشش وأخشاب تذهب مع أدنى هبوب ريح ومن ثم يبحثون عن البناء مرة أخرى».
وقال: «أصبحت الحياة في هذا الوادي مخيفة بعد نضوب آباره التي كانت تزيد عن الـ45 بئرا تسقي الجميع، وأصبح لزاما علينا جلب الماء على ظهور المركبات وعبر الأشرعة من أماكن غير هذا الوادي، ومن لم يستطع ذلك فعليه الاستعانة بالمحسنين».
ولا يخفي الجهني، نقص الخدمات التي تعانيها أسر الوادي مثل افتقارهم للخدمات الصحية والتعليمية والاتصالات، ويقول: «من أراد إجراء مكالمة هاتفية عليه قطع مسافة 50 كيلومترا صعودا باتجاه رؤوس الجبال الشاهقة الي تحيط بالوادي من كل الجهات».
وأشار محمد الجهني إلى أن بعض الأسر تعاني من الفقر الذي لا يمكنها من شراء مولدات الكهرباء، والتي يتفاوت سعر الواحد منها ما بين ألف وسبعة آلاف ريال للمستعملة، وهذه المولدات بحاجة إلى وقود وصيانة أيضا، وهذه الأسر لا تجد قوت أولادها الذين أكثرهم بالمدارس ويضطر البعض لبيع بعضا من ماشيته لسد متطلبات العيد ولوازم الدراسة المختلفة.
وفي أحد جوانب الوادي يرعى المعمر حيلان الجهني الذي تجاوز عمره المائة عام أغنامه كما أخبرنا أحد جيرانه، حيث يخرج لأطراف الوادي منذ الصباح ويعود قريبا من الظهر لشدة الحرارة.
حيلان لا يعرف سوى هذه الوادي منذ مولده وسيموت فيه، كما يقول حيلان إنه واجه الذئاب المفترسة في الماضي بكل حزم، ويقوم بطردها بعيدا عن الماشية من خلال إشعال النيران في الحطب والجري ومطاردتها حتى تذهب بعيدا، ولكن مع تقدم سنه وضعف نظره اكتفى بما عنده من ماشية ويرعاها بالقرب من سكنه من الصفيح لوفاة شريكة حياته منذ أكثر من 50 عاما.
يسكنون منازل الصفيح و«القش» .. أسر وادي «بواط»:
نواجه العطش بـ «الأشرعة البلاستيكية»
15 أغسطس 2013 - 19:07
|
آخر تحديث 15 أغسطس 2013 - 19:07
نواجه العطش بـ «الأشرعة البلاستيكية»
تابع قناة عكاظ على الواتساب
مهل العوفي «المدينة المنورة»


