يعتقد الكثيرون أن مجموعة عدم الانحياز قد تجاوزتها التطورات التي حدثت في حركة السياسة الدولية، بعد انهيار نظام القطبية الثنائية، أثناء مرحلة استعار الحرب الباردة، بين الشرق ( الشيوعي ) بقيادة الاتحاد السوفيتي والغرب ( الرأسمالي )، بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية. وقتها كان النظام الدولي، غير مستقر، من وجهة نظر فعاليات كثيرة من الدول، في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية. لا يكفي لتحقيق التوازن الدولي، التعويل على سيادة آلية ردع غير تقليدية، يمتلكها قطبا نظام الحرب الباردة. السلام، في اعتقاد هذه المجموعة التي أنشأت منظمة عدم الانحياز في عام 1961، عند انعقاد أول مؤتمر قمة لها في بلغراد بيوغسلافيا 1961، بحضور 25 من رؤساء وممثلي زعماء دول في القارات الثلاث، لا يمكن ترك مصيره لإرادة القوى العظمى، وحدها . وكان قبل تلك لقمة الأولى للحركة قد أُعلن عن الفكرة، عام 1955، في اجتماع بريوني بيوغسلافيا، من قبل مؤسسيها الرئيسيين، الزعماء: جمال عبد الناصر ( مصر ) جوزيف بروز تيتو ( يوغسلافيا ) جواهر لال نهرو ( الهند ).
كانت فكرة مجموعة عدم الانحياز تتمحور حول قناعة من أنه لا يمكن ضمان استقرار العالم، وصيانة الأمن والسلام الدوليين، في ظل نظام الحرب الباردة، الذي يقوم على إمكانات ردع غير تقليدية بين قطبي النظام الدولي الرئيسيين. ليس هناك ما يضمن الانتقال من "قيض" الحرب الباردة، إلى "سعير" الصدام النووي، بين المعسكرين الرئيسيين، عند تطور أي منحى سلبي في العلاقات المتوترة أصلاً بينهما. لذا، فإنه لا يمكن، بأي حال من الأحوال، الاعتماد على عقلانية تصرف طرفي نظام القطبية الثنائية للعلاقة المتوترة بينهما، في أي لحظة، لتفادي حرب نووية قد تقضي على مصير الإنسان في الأرض. بالإضافة إلى أن نظام الحرب الباردة، الذي كان يعتمد على "توازن" صارم لإمكانات الردع المتبادلة، بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، الذي كان يُعرف بـ "توازن" الرعب النووي، في داخله عوامل عدم استقرار خطيرة سياسية وفنية، فإمكانية نشوب حرب نووية بين المعسكرين الشرقي والغربي واردة، بصورة مقلقة، حتى بطريق الخطأ.
في البداية، لقد كانت فكرة منظمة عدم الانحياز تتمحور حول تحقيق توازن أكثر فاعلية لحركة النظام الدولي، لا يعتمد على قطبين نوويين رئيسيين، بقدر ما يعتمد على وجود طرف ( قطب ) ثالث، يدعم توازن حقيقي للنظام الدولي، من خلال بناء تجمع دولي جديد، خارج نفوذ هذين القطبين النوويين الرئيسيين.. ويعمل، على تفادي مخاطر الاستقطاب الدولي الحاد، في النظام الدولي، الذي كان يسود عهد الحرب الباردة. لقد كان من أهم بؤر الصراع في نظام القطبية الثنائية، هو محاولة مد نفوذ كل قطب منهما إلى خارج نطاق مجاله الحيوي، في أوروبا، إلى العالم بأسره، بالطبع على حساب استقلال دول ما كان يسمى بالعالم الثالث في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وحرية شعوبها.
إعلان هذه المجموعة، بالتمسك بسيادة عدم الانحياز في علاقة أعضائها بدول المعسكرين النوويين، في الشرق والغرب، من شأنه النأي ببلدانها عن "قيض" الحرب الباردة، الذي ربما يتحول إلى سعير جهنمي، لو تحولت إلى حرب ساخنة. ثم بعد ذلك حولت هذه المجموعة مفهوم عدم الانحياز المطلق، إلى ما أطلقوا عليه، الحياد الإيجابي، بمعنى: أن هذه الدول عليها ألا تترك مسرح السياسة الدولية حكراً على القطبين الرئيسيين، ولكن حتى تكون الحركة حاضرة تماماً في الإسهام في استقرار النظام الدولي، على مجموعتها الدولية أن تنشط بفاعلية خدمة قضايا السلام في العالم.. وأيضاً لخدمة مصالح دولها العليا، عند قطبي النظام الدولي الرئيسيين. بعبارة أخرى أن مجموعة عدم الانحياز، لا تعكس نهجاً سلبياً في حركة السياسة الدولية، كما يوحي به اسمها... بل هي عامل إيجابي مهم في استقرار النظام الدولي.. وخدمة قضايا السلام والأمن الدوليين.. وعمل كل ما من شأنه، تخفيف حدة التوتر بين قطبي النظام الدولي الرئيسيين.
طوال أربعة عقود ونصف من الانخراط في حركة السياسة الدولية، كقطب دولي له ثقله ونفوذه، في النظام الدولي، تمكنت حركة عدم الانحياز من ترسيخ وجودها في النظام الدولي، حتى بعد زوال نظام القطبية الثنائية، الذي استفز التفكير في إيجادها، باعتبار حركة عدم الانحياز قطبا دوليا ثالثا، زادت العضوية فيها أربعة أضعاف، عما كانت عليه وقت أول مؤتمر قمة لها، عام 1961. من يومها والحركة تساهم، إلى حدٍ كبيرٍ، في تخفيف حدة التوتر، في حركة السياسة الدولية، سواءً في ظل سيادة نظام القطبية الثنائية، وحتى بعد انهيار نظام الحرب الباردة. لقد نجحت الحركة طوال أربعة عقود ونصف من فرض أجندتها، في قضايا السلام و والأمن الدوليين.. وكذلك في توثيق عرى التكامل الاقتصادي والتنسيق السياسي بين دولها، من أجل حماية استقلالها من تقلبات حركة السياسة الدولية... الأمر الذي أكد على ضرورة استمرارها، حتى بعد انتفاء ضرورة إيجادها الأولية، عند إنشائها.
المملكة العربية السعودية كانت من أول الدول التي شاركت في تأسيس الحركة.. وكانت في مقدمة الدول التي حضرت مؤتمر بريوني، عام 1961.. ومن يومها والمملكة عضو فاعل وحاضر، في كل فعاليات الحركة.. وفي مقدمة الداعين إلى التمسك بها واستمرارها. كما قال رئيس وفد المملكة في قمة الحركة الأخيرة المنعقد مؤخراً في هافانا بكوبا، في كلمته أمام رؤساء وممثلي 161 دولة، التي تتشكل منها عضوية المنظمة، اليوم.. وتعتبر أكبر تكتل دولي، بعد الأمم المتحدة متواجد على الساحة الدولية، قال: إن المنظمة تتمتع، في هذا الوقت بأهمية كبيرة تقتضي استمرار وجودها على الساحة الدولية، لأن القضايا التي نادت المنظمة لنصرتها، لا زالت تمثل حضوراً قوياً على الساحة الدولية، بعد انهيار نظام القطبية الثنائية وعهد الحرب الباردة.
لا زالت دول الحركة كما قال ممثل المملكة، في كلمته: تعاني من نفس مشاكل التعامل مع القوى العظمى، ربما بصورة أقسى من تلك التي كان سائداً، في نظام الحرب الباردة. دول الحركة، والمملكة إحداها، لا زالت تعاني من غطرسة الإملاءات، التي ترد إليها من القوى الكبرى في العالم، بما ينال من استقلالها وحرية شعوبها.. ولا زالت قضايا السلام والأمن الدوليين، في مناطق التوتر في العالم، تعاني من ازدواجية ونفاق الفعاليات المهمة في النظام الدولي على حساب أمن وسلام العالم... منطقة الشرق الأوسط، بالذات، تظهر فيها ازدواجية ونفاق القوى المهمة في النظام الدولي الحالي، بصورة أقسى وأمر مما كانت تعاني منه قضية السلام في المنطقة، في عهد الحرب الباردة .. ثم أن تفشي ظاهرة الإرهاب، التي لم تكن موجودة في الماضي، تسببت في "خلق" عدوٍ جديدٍ يهدد أمن وسلامة دول العالم، وبالأخص دول الحركة، حتى يمكن التصدي له بقوة وحزم وعزيمة ماضية. كما أشار ممثل المملكة في قمة هافانا لحركة عدم الانحياز: أنه في ظل النظام الدولي الحالي تتوفر مبررات للتمسك بالحركة، ربما بما يفوق الضرورة التي حفزت إنشاءها كعامل توازن مهم لحركة السياسة الدولية. لم تشاهد منطقة الشرق توتراً ومظاهر مقلقة لعدم الاستقرار، كما تعايشه اليوم بفعل عوامل عدم الاستقرار المتجسدة في النظام الأحادي القطبية الحالي. بعد أن كانت بؤر عدم الاستقرار، في منطقة الشرق الأوسط، تتركز في مسرح عملياته التقليدي، في جبهات المواجهة العربية الإسرائيلية، كما أوضح ممثل المملكة في كلمته أمام قمة هافانا، نجد هناك بؤراً أكثر خطورة نشأت، بفعل عوامل عدم الاستقرار الخطيرة في النظام أحادي القطبية الحالي، مثل ما هو متفاعل من أحداث عنف خطيرة في العراق.. وأفغانستان.. ومن احتمالات توتر قادمة في منطقة الخليج العربي.. وملف أسلحة الدمار الشامل... بالإضافة إلى فشل كل المساعي الدولية، لإيجاد حل شامل وعادل لأزمة الشرق الأوسط المزمنة، بين العرب وإسرائيل.
المنظمة، أيضاً، كما قال ممثل المملكة في قمة هافانا ساهمت في احتواء حركة الصراع الدولي بين قطبي نظام الحرب الباردة، بإمكانها أن تساهم، في الوقت الحاضر، في بناء الجسور بين الثقافات والحضارات والأديان والمذاهب، التي تدخل من خلال الصراع حولها، أطماع الدول الكبرى.. وتستغلها الجماعات الإرهابية، المنتشرة حول العالم، لنشر فكرها المريض ( الكاره للسلام ).. واستمراء عبثها المجنون بأمن الشعوب ومصالحها.
حركة عدم الانحياز، تثبت يوماً، بعد يوم، أن مبررات استمرارها تُستقى من شرعية وجودها.. واستراتيجية دورها في حفظ توازن النظام الدولي حالياً، كما كان الأمر في الماضي.