تتبعنا في الحلقات الماضية اهم المحطات العلمية والعملية في حياة معتوق احمد حسنين من مدرسة الفلاح الى البريد الى شركة ارامكو التي شهد خلال العمل بها جولات التنقيب الاولى واكتشاف النفط في المملكة وتشرف بلقاء الملك عبدالعزيز ليقدم له اول عينة من البترول السعودي ،وصولا الى عمله كأول نائب سعودي لمحافظ مؤسسة النقد التي كان يرأسها في ذلك الوقت الامريكي بلاوس، وتنقلنا بين عدد من القطاعات الحكومية والخاصة متتبعين مسيرته العملية في المجال الدبلوماسي حيث عمل قنصلا فخريا للنمسا وكوريا الجنوبية، وتقلد عددا من المناصب الادارية الاخرى التي كان من بينها تعيينه اول مدير عام لمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر،
في هذه الحلقة نواصل معكم رحلة البحث في جوانب اخرى من حياة الراحل معتوق حسنين مستحضرين من خلال اصدقائه بعض القصص الانسانية التي تجسد ملامح شخصيته التي جمع فيها بين التواضع والجد في طريقه الحافل بالصدق النجاح.
رجال خدموا الوطن
استرجع غازي هاشم سلطان وكيل وزارة البترول والثروة المعدنية سابقا وابن هاشم سلطان ممثل حكومة المملكة لدى الشركة العربية الأمريكية للبترول قبل أن تصبح تحت مسمى أرامكو في ذلك الوقت، بعض المواقف والقصص للراحل معتوق قائلا: ما أحلى الذكريات خصوصا عندما تكون عن شخصيات لها بصمة في تاريخ الوطن الغالي ولا سيما ممن ساهموا في وضع حجر الأساس لعدد من الدوائر الحكومية والأهلية ليكون البناء صلبا قويا متينا قائما على أسس ثابتة لا يبليها الزمان ولا المكان، واستطرد غازي قائلا: اثارني سؤال وجهه لي - ذات لقاء - الدكتور عبدالعزيز معتوق حسنين عن علاقة أسرتنا بوالده الراحل معتوق - يرحمه الله – ودفعني السؤال لاستعادة الماضي المشرق الذي سجله التاريخ لرجال خدموا وطنهم وساهموا في بنائه، وعندئذ قلت للدكتور يا سيد : رغبتك الوفية في معرفة صلة آل سلطان بوالدكم بعد مرور سبعين سنة لهو دليل على أن الإنسان يذهب لربه ويترك إحدى الثلاث، فأشهد أنك أنت يا دكتور إحدى هذه الثلاث لوالدكم الغالي عليكم وعلينا.

علاقة وطيدة
واستعرض غازي تاريخ العلاقة بين الاسرتين وقال : كانت تربطنا ب معتوق علاقة وطيدة صادقة فقد كان صديقا حميما لوالدي هاشم سلطان وأخي علي - يرحمهم الله –، وشاءت الأقدار أن تكون أسرتنا وأسرة معتوق حسنين في حي واحد بمكة المكرمة، واضاف: معتوق رجل من الرواد المميزين وقد عمل مع والدي في عام 1931م و كان يقوم بترجمة كل ما يصل من الأمريكيين عن بحثهم للبترول في المنطقة الشرقية وما توصلوا إليه من تقدم ونظرا لأهمية وسرية الموضوع كانت تصل لوالدي باللغة الإنجليزية برموز (أو شفرة) لا يحلها إلا معتوق الذي بدوره يترجمها ويطبعها ثم يقدمها لوالدي ومن ثم يرفع بها هاشم مباشرة الى جلالة الملك عبدالعزيز – يرحمه الله- حيث لم تكن هناك بعد وزارة للبترول.

الصدق والوفاء
وعن شخصية الراحل يقول غازي كان معتوق صديقاً وفياً دمث الخلق ومثلا أعلى للصداقة والإخلاص فعندما توفى والدي هاشم سلطان يرحمه الله عام 1364هـ ظل معتوق يواصلنا وصل المحبة والوفاء ويسأل عن افراد اسرتنا قريبا وبعيدا لا يترك لا صغيرا ولا كبيرا إلا وسأل عنه بالاسم.
وقد واصل صداقته مع أخي علي يرحمه الله وحتى بعد وفاة أخي علي في عام 1374هـ ظل معتوق على اتصال بنا يراقب حياة الأسرة ويساعدنا في تذليل كثير من الأمور التي كنا نمر بها حتى توفاه الله، وتوارثنا نحن أبناء هاشم سلطان يرحمه الله صداقة ومحبة هذا الرجل وأفضاله جيلاً بعد جيل وكنا نتحدث مع أخي الأكبر عن بعض ذكريات معتوق مع والدنا وقد سمعنا كثيرا وعاصرنا كثيرا مما يطول فيه الشرح.

معتوق يبشر بالنفط
وعن بداية اكتشاف النفط يقول غازي : في عام 1933م بدأ الحفر في بئر الخير والبركة الذي سميت من قبل الأمريكان ببئر رقم سبعة وسميت من قبل معتوق ببئر البركة التي كانت وجه خير على البلد في ذلك العام الذي تم فيه إعلان توافر الذهب الأسود أي الزيت الخام بكميات تجارية. واضاف غازي وبما أن أول من تلقى الخبر معتوق الذي قام بحل الشفرة وترجمتها إلى العربية وقدم البشرى إلى والدي هاشم سلطان، وفي موقف يجسد الوفاء والتواضع والكرم من والدي رأى يرحمه الله أن من حق معتوق أن يكون هو من يتشرف ويفرح ويعتز بتقديم هذه البشرى إلى مقام جلالة الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه فانتدبه هاشم ليأخذ البرقية وأول عينة من بترول المملكة العربية السعودية ويلقيها أمام مقام جلالة الملك، وهذا الفخر والشرف سجل في تاريخ المملكة للرجل الذي هو من قلائل الرجال الذين يشهد لهم التاريخ بالجهاد والعمل والإخلاص لمليكهم ووطنهم وأهلهم وأخوانهم واصداقائهم وزملائهم حق الجهاد والعمل .
واضاف غازي قائلا : كان عمل معتوق ينتج عن حب للعمل دون النظر لاي مردود سواء كان ذلك معنويا أو ماديا حتى أنني أذكر جيدا حسب ما قال لي والدي أن معتوق ضاعت عليه مكرمة الملك عبدالعزيز تلقاء خبر البشرى ولم يسأل عنها ولم يسع وراء تلقيها وكان سبب الضياع هو وفاء وبر لوالدته التي كانت حالتها الصحية قد تردت في ذلك الوقت.

الرأي والمشورة
اما عبدالله علي هاشم سلطان حفيد هاشم سلطان فقال ان الحديث صعب ومحير عن الرجال الذين وضعوا اللبنات الأولى والأساسات الصلبة لهذا الكيان الشامخ و تركوا بصماتهم بارزة في بناء أسس هذا البلد وهذا الصرح العظيم، وقال ان معتوق من رواد المجتمع مشيرا الى مواقف هذا الرجل الجليل التي بقيت عالقة في الذاكرة سواء في حياته او في وظائفه التي أثبت فيها جدارته وتميزه او من خلال حياته الإجتماعية والأسرية وارتباطه بمجتمعه .
واضاف : سوف أتناول ذكرياتي مع الوالد ( معتوق ) الذي أثبت لي بعد وفاة والدي ( علي ) أنه من اوفى الناس فكان دائم الإتصال بنا جميعا فشرعنا بحبه ولجأنا له بعد الله في حل كثير من مشكلاتنا العائلية وغيرها وكان العم معتوق يقدم الحلول بل ويسعى في تهوين الامور مهما صعبت، وبعد وفاة والدي يرحمه الله بفترة قصيرة رغبت في الإلتحاق بدراسة الطيران وأخذت برأي العم غازي سلطان حين كان يدرس في جامعة القاهرة فقال لي مادامت هذه رغبتك الأكيدة فتوكل على الله ولكن خذ برأي ابن العم محمد سلطان كبير العائلة وأخبرته بذلك فما كان من العم محمد الا ان قال لي: يا علي إذهب لعمك معتوق وخذ برأيه وأفعل ما ينصحك به وهذا يعكس مكانة معتوق بين عائلة سلطان بل بين كثير من عوائل مكة المكرمة وجدة واشار علي انه عندما ذهب لمعتوق بارك له الإلتحاق بالكلية وشجعه على ذلك، واضاف: لم يتوقف معتوق عند إعطاء النصيحة بل انه سعى لنجاحها فاتصل بمدير مؤسسة النقد العربي السعودي بفرع الدمام العم حامد دخيل وأوصاه بأن يرعى شؤوني بالمنطقة الشرقية حيث أن دراستي للطيران بدأت بمطار الظهران و قدم لي العم معتوق ظرفا به بعض النقود لتجهيز نفسي للسفر وكان دوما متتبعا لأحوالي الدراسية حتى بعد التخرج .

يخدم بتواضع
واستطرد قائلا : عندما يقدم هذا الرجل مساعدة أو خدمة يقدمها بكل تواضع ويشعرك بأن هذه ليس كرماً أو مساعدة بل هو واجب منه ومن حقوقك عليه ورد لجميل يملي عليه من فضل الله عليه ،
وكان معتوق يتصل بنا جميعا في المناسبات وعند اقتراب الأعياد ويكون دائما هو البادئ فيتصل بالعم محمد سلطان ويخبره بأنه يريد مقابلتي وعندما أذهب واقابله يبادرني بانسانيته المعهودة بالتهنئة بمناسبة العيد ويقدم لي العيدية ولوالدتي وأختي .

حل المشاكل
ومن مواقفه النبيلة انه كان هناك مشكلة أخرى تتعلق بإرث الوالد وذهبت للعم معتوق وأخبرته بها فكانت نصيحته لي قصيرة بليغة حكيمة وهو يقول : الحل يا بني دائما بالحسنى .
كان معتوق يرحمه الله حكيما وحليما ولكن عندما تصل الأمور إلى حد المواجهة كان صلبا وقويا فتعلمت منه تلك المواقف أن «لا تكن لينا فتعصر ولا تكن يابسا فتكسر» وهناك مثلا كان دائما يردده لي «إذا أردت أن تطاع فاطلب ما يستطاع». وكان ابي والعم معتوق يجيدان الرماية واستخدام السلاح في شبابهم نظرا لكثرة سفرهم في البراري بحكم عملهم وانتدابهم من قبل الدولة، ورأى علي ان شخصية معتوق تتجلى بوضوح في أبيات الإمام الشافعي رضي الله عنه التي يقول فيها:
وأفضل الناس ما بين الورى رجل
تقضى على يده للناس حاجات
قد مات قوم وما ماتت مكارمهم
وعاش قوم وهم في الناس أموات